تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الإسلام السياسي: استراتيجيات الخطاب المموه

شارك :

نبيل البكاري

لا خير في ودّ امرئ متلوّن -إذ الريح مالت مال حيث تميل. (الشافعي)

ربّما كانت لإزاحة الإخوان في مصر و فشل المشروع ألإخواني في إدارة شؤون البلاد  زيادة على غضب الجماهير العربيّة  ممّا يحصل من مذابح و قتل باسم الدين ، جعل النهضة تستشعر خطر الإقصاء ورعب الإزاحة حيث لم يستطع هذا الحزب رغم نجاحه في الانتخابات و مسكه للسلطة وفق صيغ  متعدّدة و محسوبة: وفاق مزعوم ، مساومات ، توافقات ... في إثبات جدارته في الحكم و لا حتّى إثبات براءته التامّة من الاغتيالات السياسية و تورطه المباشر في الإرهاب و تسفير الشباب و تكوين جهاز سرّي من أجل تأجيج الصراع الاجتماعي و تقسيم المجتمع و فق نظريّات تحريضيّة منها "التدافع الاجتماعي". ممّا دفع الكثير من أنصارها والمتعاطفين معها، بحساب تضاؤل عدد الناخبين في 2011 و2014 و2019، إلى التخلّي عن مؤازرتها والدفاع عنها وعن برامجها بل والتشكيك في تمسّك الحركة بطروحاتها الإيديولوجيّة وانخراطها في انتهازيّة ميكيافيليّة.

 تلقّف الحزب نقص الاستحسان له وكثرة المؤاخذات وتوجّه أغلب أصابع الاتهامات إليه جعله يسعى فيما يبدو مرغما الى مصالحة خصومه السياسيين والنزول من نرجسيتها والرجوع إلى عامّة الشعب ورضوخها لمطالبه ولقواعد ومفاهيم الديمقراطيّة والانصهار اللاّمشروط في مفهوم الدولة والتخلّي ظاهريا، على مستوى الخطاب أساسا، عن طموحات الخلافة وأسلمة المجتمع فيما سمّاه حسن البنّا "اعادة الكيان الدولي للأمّة الاسلاميّة"1. وأبعد من ذلك تجد نفسها تتنازل عن الإيديولوجية المؤسسّة للحزب ذاته وذلك وفق الشعار الإخواني الترميقي الموارب: " دعونا نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه"2.

لكن المتابع لتحرّكات النهضة وأدائها السياسي يدرك أنّ المصالحات والتنازلات ودعوات الوفاق لا تغدو إلاّ تطبيقا لـ"خطّة التمكين" التي لا تخرج عن كونها ضرورة حتميّة من اجل البقاء و المناورة للوصول للسلطة و القبض على مسالك و دواليب الدولة من أجل إنشاء نموذج مجتمعي إسلاموي مُغلق و منغلق.

في بضع نقاط استفهاميّة سيحاول هذا النصّ مساءلة الاستراتيجيات السياسيّة التي يعتمدها "حزب الحركة" خطابا وممارسة تجاه الجماهير. عسى أن تكون هذه المساءلة مداخل لدراسات عميقة مستفيضة تتناول جملة المغالطات وأساليب التمويه والتلاعب والمناورة Manipulation التي ينتهجها حزب الحركة والإسلام السياسي على وجه العموم؟

بين " لقد حرّم فقهاء السنة قديما قتل الحكام المسلمين لأن الحكّام في ذلك العهد كانوا منّا وإلينا. أما حكام اليوم فهم أذناب الاستعمار وليسوا منا في شيء، لذلك يجب قتلهم جميعا "3 (راشد الغنّوشي، 1993) وبين "نحن ضدّ العنف مهما كان مصدره سواء كان باسم الإسلام أو باسم الدفاع عن الحقّ النقابي أو باسم الايدولوجيا، والتونسيين مسلمون ولا يحقّ تكفيرهم ولا الخروج على دولتهم وحكومتهم المنتخبة " 4 (راشد الغنّوشي، 1993) ظاهرٌ أنّ المسافة الزمنيّة بين الخطابين وتناقض مضمونهما يشيران إلى تطوّر في الخطاب السياسي. ومن ثمّة أيكون ذلك علامة تغيير جذري في طبيعة المشروع وفي شخصيّة صاحبه أم أنّه تغيير في الأسلوب والتموقع بما " يُمكّن" المشروع؟

 ألا تشير قراءة نفسيّة ما إلى تطوّر عصابي في الخطاب يعتمد أثر الاستعراضEffet de démonstration الذي يعني تحديدا محاكاة الجوانب الخارجيّة دون الوصول إلى عمق مضمونها. ألا يتّخذ الدعوة إلى التعايش والديمقراطيّة بدل القتل والعنف ذريعة لإخفاء مسار إيديولوجي يمضي نحو تحقيق غايته القصوى: دولة الخلافة؟ أيكون خطاب العنف أسلوبا فرضته طبيعة المرحلة أم أنّه مبدأٌ أساسيّ متأصّلٌ في العقيدة الإخوانيّة اقتضته خطّة "التمكين"؟

هل فعلا قامت حركة النهضة، كما قال شيخها "بمراجعاتها الداخليّة على الصعيد الايديولوجي والنظر في أوراقها الايديولوجيّة وتقييم تجربة الحكم " 5؟ هل في هذا التحوّل اعتراف بأنّ الإسلام السياسي لا يحمل "ديمقراطية" لذلك تمّ إبدال طبيعة الحزب من ديني إلى مدني؟

والحال هذه، كيف نفهم خطاب من اعتبر سابقا الدولة كافرة وعدوّة وجب محاربتها وقتالها وبناء دولة خلافة على أنقاضها (راشد الغنوشي ،1993)، ثمّ قبل، هو نفسه، بعد الثورة أن يكون من حكّامها والمؤتمن على برلمانها؟ لماذا تنكّروا لـعهد "المصحف والسيف" بعد أن خرجوا من السجون وطمحوا للسلطة؟

أليس المرور من حزب ديني ذو مرجعيّة إسلامية (الإسلام السياسي) إلى حزب مدني سياسي (الإسلام الديمقراطي)، حسب الأدبيات الدينيّة-الاخوانيّة: ردّة، حيث سيتمّ إبدال قوانين " الله" المحكمة وتعويضها بقوانين بشريّة نسبيّة؟

 كيف يتحوّل بذلك إطار بناء القرار من إطار الشريعة والعقيدة المحصورة في بعض الأشخاص/المرجعيّات (الشورى) إلى فضاء الأكثرية واحترام الأقلّية (الديمقراطيّة)؟

 وهل النهضة، تاريخيا، قبلت بتعدّد "الآخر" واختلافاته معها لتكون مستعدّة لتصبح حزبا "ديمقراطيّا"؟ ألم تكن علاقتها مع «الآخر"، على الأقلّ منذ الثورة، لا تخرج عن التهديد والوعيد من منطق " يا يسكت (...)نخرجولو مصارنو" 6 و "يسحلون في الشوارع" 7، "وإذا أنتم 50ألف أمني، نحن لدينا 100 ألف انتحاري" 8؟

وعليه كيف نفهم من اعتبر الدولة، بعد عامين من الثورة، جهازا وجب الاستحواذ عليه واختراقه ليصبح أداة طيّعة في يديه ليقيم خلافته فـ "الجيش موش مضمون والشرطة موش مضمونة(...) أركان الدولة ومفاصلها مازالت بأيديهم" 9؟

فاذا قبلت النهضة بالديمقراطيّة فهل ستقبل بفصل الدين عن الدولة وتضمن حرّية الرأي والتعبير وحرّية المعتقد وتغييره ومواضيع أخرى مثيرة للجدل الديني-الفقهي (التبني، المساواة في الإرث...)؟

ألا يغدو التحوّل من حزب ديني الى آخر مدني تطبيقا لـ"خطّة التمكين" الذي اقتضته ضرورات السياسة التونسيّة الراهنة و تقاطعاتها خاصّة اثر التهديدات الموجّهة ضدّ النهضة بفتح ملف الاغتيالات السياسيّة و فتح تحقيقات حول الجهاز السرّي التابع لها الخ... إضافة إلى استفاقة الجماهير بعد سنوات ثوريّة من فخّ الحتميّة النفس-اجتماعيّة التي صاغها مصطفى صفوان (2008) " عندما تفشل الدولة سيحتمي الأفراد بالدين و العكس بالعكس " 10 و التي جرّاءها توصّلت النهضة إلى كرسي السلطة؟

 ثمّ ألا يفضح التباس التسمية: حركة-حزب أزمة هُويّة. ففي المفهوم الاصطلاحي تعتبر الحركة الإسلاميّة الدعوة إلى الإسلام والوصول إلى حكمه أمّا الحزب فهو أحد أساليب الحركة الإسلاميّة عندما نأخذها بمفهومها الشامل. إذا، هل النهضة حركة تخلّت عن الدعوي وانصهرت في صلب المدنيّة لتكون حزبا سياسيّا مدنيّا ديمقراطيّا بمفاهيم حداثيّة؟ أم أنّها حركة أنشأت حزبا للوصول إلى الحكم والسيطرة على مفاصل الدولة بما يمكنها من تنفيذ مشروعها: الدولة الإسلاميّة أي الحكم باسم الإسلام وهو ما يتعارض كلّيا مع مفهوم الدولة المدنيّة الديمقراطيّة التي ترتكز جوانب كبرى منها على عقلانيّة الحوار والمصارحة والوضوح والنقد والمساءلة؟

وإذا كان السياسي ممسكا بخيوط الخطاب "مدركا" عناصر هُويّته ألا يعني ذلك أنّ الأتباع يعانون بذلك من اضطراب وضياع هُوويّ كنتيجة حتميّة لهذا التلاعب بوعيه استثمارا لثقله الانتخابي وتعبئة له "تمكينا" لمشروع الحركة لا الحزب: الدولة الإسلاميّة؟ أو ليس سؤال الحرّية سابقا دوما سؤال الهويّة في حين أنّ "المؤسسات الدينية والرجال الدين يمثلونها يأخذون إلى حد ما مكان الأسرة والقبيلة والدولة ويحتفظون بالإنسان مغلولا بدلا من أن يتركوه حرا. فلم يعد الله هو الذي يعبد بل الجماعة التي تدعي الكلام باسمه." 11 (فروم،1950) ؟!

في الأخير نسأل: أوّلا، إن أعلنت النهضة تخلّيها عن احتكار "الدين" والحديث باسمه فما الموضوع الذي ستحتكره وتتكلّم باسمه في قادم الأيّام؟

ثانيا، إذا كان "الإسلام في خطر "كما زعموا، فهل زال هذا الخطر بعد أن زاولوا تجربة الحكم ؟!

ثالثا، رغم ما لدعوة لمفهوم "المراجعات" ومراجعة الذات وإعادة تشكيلها وتطويرها والمصالحة والتوافق مع الآخر فيها الكثير من النبل والشهامة الأخلاقية والشجاعة. فان واقع الحال المتخم بالمكيافيليّة الإخوانيّة تدفع إلى التمسّك بحكمة التحذير العربي القديم: لا يلدغ المرء من الجحر مرّتين: اللدغة الأولى: "ربّي الفوق وبن عليّ لّوطة" ثمّ اللدغة الثانية: " من إسلام سياسي إلى إسلام ديمقراطي".

رابعا، ربّما اِعتقدَ الإخوان، استنادا إلى نصّ الحديث " افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة فواحدة في الجنّة وسبعون في النار، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة فإحدى وسبعون في النّار وواحدة في الجنّة، والذي نفس محمّد بيده لتفترقنّ أمتي على ثلاث وسبعين فرقة واحدة في الجنّة وثنتان وسبعون في النّار، قيل يا رسول اللّه من هم؟ قال الجماعة ". أنّهم المعنيون بالجماعة / الفرقة الناجيّة. يطرح السؤال نفسه: أنحن الاثنتان والسبعون المتبقيّة؟  وبعد فصل الديني عن السياسي: أيّهما أبقى أجنّة الله أم جنّة الدنيا والسياسة؟

 

 

الهوامش والمراجع

1. حسن البنّا. رسالة التعاليم. الشبكة الدعويّة للإخوان (مجموع رسائل حسن البنّا).

2. علي عشماوي .التاريخ السرّي لجماعة الإخوان المسلمين (مذكّرات علي عشماوي آخر قادة التنظيم الخاص). مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائيّة. القاهرة، 2006، مصر.

3.راشد الغنّوشي .الحريات العامة في الدولة الإسلاميّة .مركز دراسات الوحدة العربيّة-بيروت ،1993.

4.راشد الغنّوشي. حوار إذاعي 20/5/1993.

5.راشد الغنّوشي. حوار إذاعي 2015/03/23

6.الحبيب اللوز، في خصوص شكري بلعيد في علاقة بأحداث الرشّ بسليانة ، 2012 (تصريح لموزاييك أف أم).

7.الصحبي عتيق ، خطاب في شارع الحبيب بورقيبة أثناء الوقفة الاحتجاجيّة بتونس لمساندة الشرعيّة في مصر ،2013.

8. وليد زرّوق ، تصريح تلفزي قناة نسمة أكتوبر 2013 حول تهديد نور الدين البحيري إيّاه.

9.راشد الغنّوشي. تسجيل مسرّب،2012

10.مصطفى صفوان و عدنان حب الله .إشكاليات المجتمع العربي ، قراءة من منظور التحليل النفسي .المركز الثقافي العربي الدار البيضاء-2008، المغرب.

11 . ايريك فروم. الدين والتحليل النفسي (1950). ترجمة: فؤاد كامل. دار غريب للطباعة والنشر، القاهرة، مصر(2002).

 . الراوي: عوف بن مالك الأشجعي _المحدث، الألباني_ المصدر: صحيح ابن ماجه رقم: 3241 _حكم المحدث: صحيح12 

 

الكلمات المفاتيح:
شارك :