تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الإسلاميّون و«مدد مراكز البحث الغربيّة»

شارك :

نادر الحمّامي

أثار انتباهي صدور بالجريدة الإلكترونيّة "الوطن نيوز" تحت عنوان: "باحثة أمريكيّة: النهضة أكثر ديمقراطيّة و "علمانيّة" من كلّ منافسيها". عبثا حاولت البحث عن اسم صاحب المقال. ويتعلّق الأمر بملاحظات مقتضبة ومنتقاة من كتاب آن وولف حول "الإسلام السياسي في تونس: تاريخ حركة النهضة". وبقطع النظر عن هنات الترجمة التي لن أتوقّف عندها، وكذلك عن اعتبار آن وولف أمريكيّة، وهي بريطانيّة، فهذا ممّا سأتجاوزه لأتساءل: من هي آن وولف تحديدا؟ وما هو توجّهها البحثي؟ وفي أيّ سياق يمكن تنزيل كتابها الذي اعتمد عليه المقال؟ هل قالت آن وولف أنّ حركة النهضة أكثر علمانيّة من منافسيها؟ وما هي الدواعي التي تجعل من بعض المقرّبين لحركة النهضة يحتفون بمثل هذا القول إن وُجد؟ وهل هذا الاحتفاء مطلق لدى أتباع النهضة أو هو لصيق بالمنتمين حزبيّا وتنظيميّا ويسايرون ما يعلنه زعيم الحركة في منابر لا تصل في العادة إلى القواعد ولا يهتمّون بها كثيرا؟ 

لم يثر انتباهي نسبة القول إلى "باحثة أمريكيّة" تعتبر النهضة "ديمقراطيّة بل حتّى أكثر ديمقراطيّة من كلّ منافسيها"، فمثل هذا الاعتبار أصبح في حكم المعروف والمتداول، تردّده مراكز بحث وخاصّة أمريكيّة أو هي ممولّة أمريكيّا وتدعم فكريّا ونظريّا حركات الإسلام السياسي انسجاما مع المشاريع الأمريكيّة السياسيّة إقليميّا ودوليّا، وهو دعم جليّ وواضح إلاّ لمن أراد إغماض عينيه حتّى لا يرى الشمس وهو يحدّق فيها. ما لفت انتباهي هو مسألة العلمانيّة وهذه إضافة لم نتعوّد بها كثيرا على الرغم من وجود ما يشير إليها في كتابات وتصريحات أخرى.

وقبل العودة للتعقيب إلى المقال "مجهول النسب" تجدر الإشارة إلى أنّ زعيم حركة النهضة راشد الغنّوشي كتب سابقا في قضيّة العلمانيّة، ولعلّ من أهمّ ما نشره مقاله سنة 2008 الوارد تحت عنوان "الإسلام والعلمانيّة" ليعيد نفس ما جاء فيه تقريبا في محاضرة ألقاها يوم 2 مارس 2012 نظّمها "مركز الإسلام والديمقراطيّة" حضرها جمع من المهتمّين والسياسيّين أيضا في طليعتهم السفير المغربي آنذاك والقنصل المصري والمستشار السياسي للسفير الأمريكي إضافة إلى عدد من السياسيّين التونسيّين. وقام بتكرار الفكرة نفسها في برامج تلفزيّة وحوارات صحفيّة. الفكرة الأساسيّة عنده منذ 2008، مع اختلاف جزئيّ عمّا ورد في كتاب "الحريّات العامّة في الدولة الإسلامية" الصادر سنة 1993،  مستندة إلى عبد الوهاب المسيري أساسا وملخّصها التمييز بين ما يعتبره علمانيّة جزئيّة مقبولة وعلمانيّة أخرى شاملة هي عنده مرفوضة. إنّ أكثر ما يهمّني في هذا المقام ليست مناقشة هذا الأمر بعمق فهذا ليس مجالا مناسبا لذلك، وإنّما قفز مثل هذه القضايا كالديمقراطيّة والعلمانيّة والحريّة، إلخ، في تعلّقها بالمسألة الدينيّة في ظروف سياسيّة معيّنة ووفق المرحلة التي تمرّ بها الحركة سياسيّا، يتمّ التعامل مع هذه المواضيع. من الواضح أنّ التلطيف من معارضة العلمانيّة هو خيار يتمّ اللجوء إليه من باب التعامل السياسي لا الفكري، بالإلحاح على أنّ العلمانيّة "مسألة إجرائيّة"، وهي بالتالي لا تستند إلى فلسفة أو رؤية فكريّة ويتمّ بالتالي إفراغها من كلّ محتوى ومضمون، ونقدّر أنّها استراتيجيّة في الخطاب لا تغضب كثيرا مناصري الداخل وترضي من كان في الخارج من أولئك الداعمين لما يسمّى "إسلاما وسطيّا".

يبدو أنّ هذا اللعب على المفاهيم والتصوّرات عبر إفراغها من محتواها ودون تبنّيها، ولكن أيضا دون إظهار عدائها، ليس بريئا ونحن في سنة انتخابيّة يرى فيها بعض السياسيّين ضرورة تجنّب إغضاب "الأصوات" وعدم تنفيرها أمام الصناديق الانتخابيّة. ويبدو أيضا أنّ مثل هذا الدور لا يقوم به المنتمون بصورة مباشرة وتنظيميّة إلى حركة النهضة وإنّما أيضا تقوم به جهات مختلفة إعلاميّة ومراكز بحث وجامعيّون وجمعيّات إلخ. وأقدّر أيضا أنّ التفات كاتب في صحيفة إلكترونيّة، ذات ميول إسلاميّة على ما يبدو من خلال ما تنشره، إلى كتاب آن وولف (Anne Wolf) الصادر بالإنجليزيّة منذ شهر ماي 2017 بعنوان: "الإسلام السياسي في تونس: تاريخ حركة النهضة". وفي الوقت نفسه تنشر مواقع إلكترونيّة أخرى مقربّة من الإسلاميّين مقالين لطارق عمراني الكاتب والمدوّن والعضو البلدي الفائز في الانتخابات البلديّة عن حركة النهضة في الانتخابات البلديّة لسنة 2018، المقال الأوّل الصادر يوم 7 جوان 2019 عبارة عن حوار مع أنّا وولف حول كتابها وتمّ اختيار العنوان التالي للحوار: "في ذكرى تأسيسها : النهضة في عين كتاب  political islam in Tunisia "  للباحثة آن وولف -النهضة أكثر ديمقراطية من العلمانيين"، أمّا المقال الثاني الصادر يوم 8 جوان 2019 فجاء تحت عنوان "الباحثة Anne Wolf: نهج حركة النهضة السياسي أكّد بأنّ الإسلام والديمقراطيّة ليسا متوافقين فحسب بل مزيجهما يؤدّي إلى سياسات مستقرّة". لا يمكنني أن أجزم بصورة قطعيّة أنّ صاحب المقالين الأخيرين هو نفسه صاحب المقال المشار إليه في البداية، ولكن في كلّ الأحوال أستبعد مطلقا مسألة توارد الخواطر فذلك أمر عجيب. غير أنّ الثابت لديّ أنّ المقال الأوّل الّذي انطلقت منه لا يقوم على قراءة الكتاب وإنّما على الحوار المترجم الذي هو في الأصل حوار مع أنّا وولف حول كتابها أجراه معها "مشروع الديمقراطيّة في الشرق الأوسط" (POMED) يوم 6 جوان 2019، هذا المشروع الذي يعمل على "دمقرطة" الشرق الأوسط وبلدان شمال إفريقيا على الطريقة الأمريكيّة التي لا تخفى على أحد.

في البداية رأيت من الضروري الإشارة إلى من يعتبرون عالميّا من الباحثين البارزين في مجال الإسلام السياسي الّذين أثنوا على كتاب آن وولف حتّى نتبيّن توجّهه وخطّه العامّ قبل الإشارة إلى ملاحظات أخرى تمسّ محتواه.

كان المحتفون بالكتاب والمشيدون به وقت صدوره ينتمون إلى دائرة مخصوصة من الباحثين في "الإسلام السياسي" من بينهم فرنسوا بورقا (François Burgat)، ولا أدري إن كان عليّ الإطناب للقول في أنّه إسلاميّ أكثر من الإسلاميّين أنفسهم، إذ أنّه في مواقع عديدة برّر أخطاءهم حتّى عندما يقرّون هم أنفسهم بها. وهذا الاسم هو المستند الأوّل والأساسي لآن وولف في كتابها. ونجد إشادة من أوجان روغان (Eugene Rogan) المقرّب من بورقا، وبالخصوص المعجب إعجابا شديدا بطارق رمضان وقد كان سببا مباشرا في التحاقه بجامعة أكسفورد. من المعجبين أيضا بكتاب آن وولف هناك شارلز تريب (Charles Tripp) وقد عمل في العراق ويشتغل بحثيا في مجال علاقة الدولة بالمجتمع في الشرق الأوسط وأهمّ ما يطرحه تريب أنّه يرى أنّ التحالف مع الإسلام السياسي يمكن أن يكون حلاّ لمقاومة الدكتاتوريّة في الشرق الأوسط. من المشيدين بكتاب آن وولف أيضا لينا الخطيب المرتبط بمركز بحثيّ أمريكيّ محافظ وتنشر مقالاتها على موقع الجزيرة بالإنجليزية.

في الحقيقة لا أريد الاسترسال في هذا الأمر فقد بدا لي ما ذكرته كافيا للدلالة على توجّه كتاب آن وولف وفي أيّ سياق يمكن تنزيله، وهو سياق ينبغي الوعي به جيّدا وتوضيحه بشكل جيّد في أعمال ودراسات مستقلّة، فالملاحظ أنّ البحوث المرتبطة بالإسلام السياسي وأدبيّاته في المجال العربي والإسلامي لم تنتبه بالشكل الكافي إلى الدراسات الغربيّة الموالية بشكل أو بآخر للإسلام السياسي وتحاول عبر ما تقدّمه من قراءات تقديم صورة مخصوصة تجعل من بعض التيّارات الإسلامويّة مقبولة عالميّا، وبقي الاشتغال أكبر على أدبيّات الإسلامويّين أو مواقفهم دون عناية كبيرة بالمدد الغربي للإسلام السياسي الذي يأخذ في كثير من الأحيان صورة البحث والفكر والفلسفة وغيرها من مجالات العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة. ويبدو أنّ الإسلاميّين يقتنصون من حين لآخر بعض تلك الآراء لتصفية الحساب مع النخب التقدميّة والحداثيّة والجامعيّة في بلدانهم إبعادا لسمة الرجعيّة والانغلاق ولا نحسب تلك المقالات المستندة إلى كتاب آن وولف في الفترة الأخيرة تخرج عن هذا السياق. إنّه سياق البحث عن مكان بين النخبة مع عدم التنازل عن إيديولوجيات الإسلام السياسي، وتمريرها في قالب بحثيّ وعلميّ ومعرفيّ، وهو سياق تقديم صورة تتلوّن وفق الظرف السياسي ولكنّها موجّهة بالأساس إلى الخارج أوّلا وإلى فئات من الشباب المتعلّم والجامعي الذي يتمّ استدراجه بغير خطاب الهويّات وتلمع عيناه كلّما رأى رأيا منسوبا إلى مراكز بحث عالميّة. 

الكلمات المفاتيح:
شارك :