تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الفقر النخبوي: لماذا يفشل الإسلاميون في السلطة؟

شارك :

الإسلاميون، في كل مكان، بارعون في حصد النتائج الانتخابية الباهرة، وهذه البراعة ليست لقوة فيهم بل للخطاب الشعبوي الذي يسوقونه للناس، قوامه الشعارات الدينية. والدين في بلادنا جذّاب ومؤثر. لكن هذه البراعة لا تلبث أن تنقلب إلى فشل ذريع عندما يجد هؤلاء أنفسهم وجهاً لوجه أمام استحقاقات الحكم. قوت الناس ومعيشتهم ومرافق الدولة والخدمات العمومية والسياسات الاجتماعية وإدارة التنوع ومكافحة الفساد وغيرها من الملفات التي توضع على مكاتب الحكام كل صباح.
 
في تونس كما السودان، تحكم "حركة النهضة" أو تشارك في الحكم منذ عشر سنوات من دون أن تحقق شيئاً مما وعدت به البسطاء المأخوذين بشعاراتها الشعبوية الخاوية، بل إن أوضاع الناس في تدهور مستمر، فلا هي نجحت في تحسينها ولا حافظت على المستوى الهزيل أصلاً لحياة الطبقات الوسطى والفقيرة. ويبدو أن الفشل الذي يلاحق الحركات الإسلامية في الحكم نابع من طبيعة هذه الحركات التي تضم في صفوفها أعضاء انتسبوا إليها بدوافع عاطفية مؤهلهم الوحيد هو الولاء المطلق للفكرة وللزعيم وليس الخبرة والكفاءات، بالرغم من أنهم يحملون شهادات جامعية عليا، ولكن إدارة السياسات تحتاج إلى جانب الشهادات خبرة سياسية في تنظيمات مفتوحة وليس خبرة تنظيمات سلخت نصف مسيرتها في العمل السري تحت الأرض.
 
"حركة النهضة" كغيرها من الحركات الإسلامية تدرك جيداً أن حصولها على التفويض الشعبي في الانتخابات لا يمكنها تماماً من السلطة. فموازين القوى داخل النخب الحاكمة ومراكز القوى ما زالت مختلة ضدها. وفي مكان ما يقول رئيسها راشد الغنوشي: "النخبة التونسية - على نحو عامّ - ليست مع الإسلاميين، بقطع النظر إن كانت محقة في موقفها أو لا. كنت دائماً أقول لإخواني: لا يمكنكم أن تحكموا مجتمعاً رغماً عن نخبته ... لا يمكننا أن نصنع نخبة موالية لنا عبر اللجوء إلى القمع والرعب. والدليل على ذلك أنّ النظام البورقيبي، ومن بعده بن علي، لم يستطيعا أن يطوّعا النخبة على نحو ما يريدان. إنّ مسألة موازين القوى هي فكرة أساسية في الثقافة السياسية للحركة. ويجب أن تكون الأغلبية مدعومة بنخبة فاعلة، بمعنى أنّ الكمّ وحده غير كافٍ. لا بد من توافر الحد الأدنى من النوع إلى جانبه. عرّف موريس دوفيرجيه الديموقراطية بأنّها "فيفتي فيفتي"، نصف مقابل نصف، يعني نصفها جماهير، أي حكم الشعب، ونصفها الآخر حكم النخبة. هناك تفويض، وهناك نخبة، 50 في المئة حكم الشعب، و50 في المئة حكم النخبة. ولذلك، هو يعرّفها بأنّها حكم النخبة باسم الجماهير".
 
كان هاجس التجربة الجزائرية ماثلاً أمام الغنوشي ورفاقه. "ليس بالصندوق وحده تحوز السلطة"، كان هذا شعار المرحلة بالنسبة إلى "النهضة". أما برنامج عملها فيتلخص في الإجابة عن "كيف نستميل النخب الحاكمة إلى صفنا؟ أم نمهلها حتى نستبدلها ونصنع غيرها؟". في الحقيقة كان برنامج عمل الحركة قائماً على استمالة الراغبين واستبدال العصاة، في كل المواقع: في الإدارة والمراكز المالية وحتى النخب الأمنية والعسكرية. 
 
ورغم المحاولات العديدة للحركة لاستمالة نخب غير إسلامية "إعلامية، ثقافية، إدارية..." إلى جانبها، إلا أنها فشلت في ذلك، كما فشلت في صناعة نخب جديدة لاستبدال القديم المعارض. والحال كذلك بدت كل محاولاتها في السلطة لتقديم بديل للقديم مجرد جري وراء السراب، عمق أزمات الدولة في شكل غير مسبوق، حيث بقيت الحركة وفية لمبدأ تقديم أهل الطاعة والولاء على أهل الخبرة والمعرفة، الأمر الذي أدى إلى تجريف الإدارة ومراكز النخبة وتعيين المحاسيب من العائلة والتنظيم في مواقع حيوية. وهذا دأب الإسلاميين في كل مكان.
 
لكن لماذا تريد "النهضة" البقاء في السلطة مهما كان موقعها داخلها ومهما كانت نتائج البقاء في السلطة كارثية على مستوى التفاف القاعدة الاجتماعية للحركة وعلى مستوى فشلها الذريع في تحسين الأوضاع؟
 
الحركة التي انطلقت منذ السبعينات من القرن الماضي في مشروع تقويض الدولة القائمة واستبدالها بالدولة الإسلامية، وصولاً إلى الاستيعاب - النسبي - لمشروع الدولة الوطنية. وتحولت من جماعة دينية سياسية كامتداد لتيار "إخواني" إلى حزب سياسي، ومن جماعة مغلقة تعتمد على النقاء الإيديولوجي إلى حزب مفتوح يبحث عن مكاسب انتخابية. لم تفعل ذلك، لأنها فعلاً خاضت صراعاً داخلياً وصل بها إلى هذا التحول، بل لأن طريقة تقويض الدولة القائمة من خارجها لم تجد نفعاً بعد محاولتي انقلاب وعشريتين من الصراع والمواجهة، انتهت بتفكيك التنظيم وتشريد القيادة. إن الدرس الذي تعلمته "حركة النهضةط بعد عودتها إلى النشاط السياسي في الداخل ودخولها إلى كواليس السلطة، كي لا يقع لها ما وقع في الماضي من إقصاء وملاحقة، هو انخراطها ضمن المصالح المشتركة للطبقة الحاكمة، بدلاً من خيار محاولة إنهاء أو إلغاء هذه الطبقة والحلول مكانها، كما كانت تفكر في سنوات التأسيس وما بعدها.
 
ويتردد صدى هذا التكتيك بوضوح في "خطة التمكين" التي وضعتها الجماعة الأم "حجزت في التسعينات في مصر ضمن ما عرف بقضية سلسبيل"، إذ يكتب خيرت الشاطر، موضحاً نهج التعامل مع السلطة في إطار مشروع التمكين الإستراتيجي: "الاحتواء، بتوظيف أجهزتها في تحقيق رسالتنا من خلال اتخاذ القرار أو تغيير خطتها الاساسية لـ"التعايش": العمل على إيجاد صورة من صور التعايش مع النظام بالتأثير في الأوضاع المحيطة ما يجعله حريصاً على استمرار تواجدنا بفاعلية. التحييد: من طريق إشعارها بأننا لا نمثل خطراً عليها... تقليل الفاعلية في مواجهتنا لاستمرار جهود التمكين". 
 
خلال عقد كامل من وجود الحركة في السلطة، نجحت "النهضة" في بناء شبكة مصالح اقتصادية واسعة وعميقة وشبكة مصالح بيروقراطية ضمن الجهاز الإداري للدولة وقوى الضغط في المجال العام. كما أن طبقة من البورجوازية الإسلامية في طور التشكل، أو تشكلت، وتسيطر على مجال نفوذ كبير داخل الحركة.

عن ''النهار العربي''

الكلمات المفاتيح:
شارك :