تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

:شارك

«الغنوشي» إلى إسطنبول و«العذاري» يتمرد: محاولة للتفسير

0
شارك :

نائلة السليني

سؤال ظلّ يلحّ عليّ بعد أن استمعت إلى زياد العذاري، النائب عن حركة النهضة، يوم الجمعة الفارط، ماهي الرسالة التي أراد العذاري أن يمرّرها من خلال موقفه؟ هل كان فيما قال معبّرا عن غضب تراكم في صدره فأراد التفريج عن نفسه لا غير؟ قد يكون ذلك، لكنّ الرجل تقلّد مسؤوليات عديدة طيلة خمس سنوات، ومناصب راقية في قيادة الجماعة!! وهذا وحده كفيل بأن يقرأ المرء جميع عباراته وحركاته قراءة متأنّية، لأنّ ما سيصدر عنه له وزن في قواعد الجماعة.

علينا التذكير أنّ العذاري عبّر عن موقفه من الجملي وحكومته. بل أصدر بيانا يقول فيه "قررت التخلي عن كل مسؤولياتي داخل حزب حركة النهضة. وقدمت له استقالتي من الأمانة العامة للحزب ومن المكتب التنفيذي. كما أعلمته انني غير معني مستقبلا بأي خطة أخرى في قيادة الحزب أو الكتلة أو أي مسؤولية في الحكومة القادمة... لم يكن القرار سهلا ... لأنني غير مرتاح البتة للمسار الذي أخذته البلاد منذ مدة وبخاصة عدد من القرارات الكبرى للحزب في الفترة الاخيرة... كما لم أقتنع من جهتي بخيارات أخذتها مؤسسات الحزب (آخرها كان ملف تشكيل الحكومة القادمة) أرى أنها لا ترتقي إلى انتظارات التونسيين ولا إلى مستوى الرسالة التي عبروا عنها في الانتخابات الاخيرة. بل إنني أحس وكأننا بصدد استعادة نفس أخطاء الماضي.

وكنت أيضا و لا أزال أعتقد أن الحكومة القادمة يجب أن تكون حكومة إصلاح و إنجاز نتعظ فيها من أخطاء الماضي ، لا مكان فيها لا للمحاصصة ولا للهواية ولها معرفة دقيقة بالملفات وبتحديات البلاد وأولوياتها لتنكب مباشرة على العمل لتحقيق نتائج ملموسة بأسرع نسق ممكن... كنت أرى أن حصول النهضة على رئاسة البرلمان يقتضي الذهاب في الحكومة إلى شخصية انفتاح مستقلة مشهود لها بأعلى درجات الكفاءة والنزاهة والجرأة تطمأن وتجمع أوسع طيف ممكن من التونسيين وتكون قادرة على استعادة الثقة في الداخل وتعزيز إشعاع تونس في الخارج. ذهب مجلس الشورى فيما قدره أصلح. احترمنا القرار وانضبطنا له احتراما للمؤسسات ولتقاليد العمل الجماعي ولكن أجدني شخصيا في النهاية عاجزا على المواصلة في ظل مسار ... يضع البلاد على سكة محفوفة بالمخاطر لا نعرف تداعياتها وكلفتها على البلاد. كنت دائما ملتزما ومنضبطا لخيارات الحزب، مهما اختلفت معها ... وذلك لإيماني بأن العمل الجماعي يبنى على التضامن والانضباط، ولست في وارد أن أزايد على أبناء الحزب أو على غيرهم في الوطنية أو حس المسؤولية ..."

يتبيّن أنّ الرجل حريص على صياغة نصّه التعليلي بمعجم إخواني بحت، وذلك سعيا منه لتبرئة نفسه من تهمة محتملة تتكتّم على خيانة لمبادئ الجماعة. ولا يجد القارئ كبير عناء في الوقوف على هذا المعجم، فيكفي أن نتبيّن عدد المرّات التي ذكر فيها لفظ "الانضباط" لنفهم مدى تخوّف الرجل، وهو العارف بحجم التهمة التي يمكن أن تلحق به. ولذلك نقول إنّ العذاري كان يوم الجمعة وتحت قبّة المجلس بمثابة الانتحاري، لكن، حذار كان انتحاريا قد حصّن نفسه بجميع أصناف الوقاية حتى لا يتناثر إلى شظايا. لأنّ ما قام به يؤول منطقيا إلى اندثار الرجل من قاموس الإخوان. ونبيّن:

كان العذاري ملحّا على مصطلح الانضباط، ومن أهمّ معانيه في القاموس الإخواني: "أنّ الأمور لا تصلح بدون انضباط، ولا انضباط إلا بالسمع والطاعة. ومن حق القيادة أن تلزم القاعدة بقراراتها، ودرءاً للمفاسد المترتبة على ترك كل فرد وشأنه أو قناعته، ومن الوعي والفقه السليم حينئذ أن تنضبط القاعدة ولا تنفلت، وأن يسير الكل خلف القيادة فيما اجتهدت".

وحتى تترسخ مفاهيم الانضباط التنظيمي لدى القاعدة كان واجبا الإيفاء بشرطين أساسيين على الأقلّ، وهما: تربية القاعدة على الوازع الإيماني وخشية الله وإخلاص النية له، والصبر على الأذى. ومقاومة كل ما من شأنه أن يثير الاضطراب، وبتر كل ما من شأنه إضعاف عامل الثقة وهز الانضباط.

ثمّ إنّ الانضباط هو طرف من ثنائية تلازمية وطرفها الثاني هو الطاعة حتّى تكتمل أصول العمل الجماعي. والطاعة وهي الركن السادس من أركان البيعة العشرة عند الإخوان وهي: الفهم والإخلاص والعمل والجهاد والتضحية والطاعة والثبات والتجرّد والأخوّة والثقة.

فأن يكسر "متعبّد" ركنا من أركان العقيدة الإخوانية، هذا إن قام بذلك أصلا، فذاك إيذان على انفتاح كلّ السبل للقرار الذي تراه القيادة مناسبا في شأنه. وفي هذه الحال لا أعتقد أنّ العذاري بمثل هذا الغباء السياسي حتى يرتمي في أوغال من الغموض.إذن ماهي الحوافز التي دفعت بالرجل حتى يعلن كسر عصا الطاعة؟ طبعا ليست بالوطنية، بل علينا أن ننظر في طينة الرجل، ومتى انتمى إلى حركة الإخوان؟ وفي أيّة مرتبة يصنّف؟

فالعذاري من شباب النهضة، ويعتبر أوّل ظهور له في 2011، عندما ترشّح لعضوية المجلس الوطني التأسيسي. كانت حياته عادية جدّا، تحصّل على شهائده الجامعية من تونس ثمّ انتقل إلى باريس للتخصّص. ثمّ ومنذ 2015 تقلّد مناصب وزارية من وزير التكوين المهني والتشغيل إلى وزير للصناعة والتجارة في 2016 ثمّ وزيرًا للتنمية في العام الموالي. وتميّزت فترة وزارته بحرص على انفتاح التجارة التونسية على السوق التركية، وشهدت البلاد في عهده تضاعفا كبيرا للواردات التركية وتدهورا للاقتصاد التونسي. وفي هذه النقطة يمكن القول إنّ الرجل كان وفيّا لسياسة حارس المعبد القائمة على أن تكون تركيا شريكا مباشرا وحرّا في الاقتصاد التونسي. وعندما نتحدّث عن تركيا فإنّنا نقصد تركيا الإخوانية في عهد أردوغان. إذ لم يعد بخفيّ أنّ الرئيس التركي أردوغان هو المرشد الأعلى للتنظيم الإخوان المسلمين العملي الفعلي.

ولم يعد بخفيّ أيضا أنّ التنظيم الدولي للإخوان يعقد اجتماعاته بإسطنبول. وتذكر مصادر عديدة، واستنادا إلى وثائق اتفاق قادة تنظيم الإخوان الدولي مع القادة الأتراك، بحضور شخصيات قطرية على التنازل عن البنوك والشركات والمشاريع التابعة للجماعة الإرهابية في أوروبا لتركيا، "بعدما أصبحت تدور الشكوك حول دورها في دعم الإرهاب، وبعد المساءلة التي تعرضت لها من بعض الدول الأوروبية وكشفها لعمليات تمويل غير مشروعة للمنظمات الإرهابية".

 ولأردوغان طموحات سياسية واسعة، وهو جادّ في حرصه على استقطاب أوروبا ليضمّها إلى "الرايخ" الإخواني، وعلى هذا الأساس عادت إليه جميع القرارات الإخوانية خاصّة بعد سقوط الإخوان بمصر والسودان، وبعد أن ضعف الإخوان بالأردن والمغرب. ولم تبق العين ترنو سوى إلى التجربة التونسية التي اعتبرت بمثابة الشمعة المضيئة في تجربة الجماعة مع الحكم بعد 2011. لذلك، كان العبء، كما قلنا مرارا، ثقيلا على كاهل جماعة تونس، واعتبرت كلّ خطوة في التجربة التونسية نموذجا حيّا سيلهم لا محالة بقية الإخوان المشتّتين ويبعث فيهم الأمل. لذلك كان السهر على نجاح تجربة جماعة تونس أمرا وجوديا، وكان لزاما على أتباع التنظيم في تونس أن لا يجتهدوا، وأن يلتزموا بما يسطّره الجماعة بإسطنبول.

وفي هذا السياق نفهم هذه الأريحية التي تحلّى بها أردوغان لزيارة تونس، الأمر الذي دفعنا في مقالنا السابق إلى اعتبارها جمهورية آهلة لأن تكون عثمانية. والذي يؤكّد تأويلنا ما بلغنا من أخبار تفيد أنّ أردوغان اكتفى بأن طلب الرئيس سعيد بالهاتف ليعلمه أنّه في طريقه إليه، الأمر الذي أحدث إرباكا في الديبلوماسية التونسية، مثلما اكتفى بأن تكون زيارته خاطفة لم يُضع فيها فرصة الاستهزاء والتندّر اللّذين لا يمتّان بصلة إلى الأعراف الدولية.

تونس إذن ظلّت ذلك الخيط الرقيق الذي يربط الإخوان أينما وجدوا في الأرض بحلم الخلافة، وتبعا لذلك فكلّ هفوة هي خطأ جسيم. وليس لجماعة تونس أن يفتوا فيه أو يجتهدوا، بل عليهم الرجوع إلى عاصمة التنظيم الدولي ومركزه. أطنبت في هذه المسألة قصدا، لأنّي أعتبرها أرضية تقوم عليها علاقة جماعة تونس بإخوانهم في تركيا، ولا يمكن أن نفهم البتّة سفر الغنوشي السريع والمفاجئ صبيحة سقوط حكومته إلاّ انطلاقا من هذه الأرضية، ولا يفهم سلوك العذاري أيضا سوى من منظور هذه الأرضية:

سفر الغنوشي الفجئي

هو حدث عادي: عادي في نظر سكان المعبد أن يسافر مرشدهم الإقليمي إلى المرشد الرئيس. وعادي في نظر العارفين بمسار الإخوان أن يلتقي ممثّل الإخوان بتونس برئيس التنظيم الدولي في عاصمة الإخوان إسطنبول. لكن، هو حدث غير عادي في نظر من بدأ يدرك خطر مشروع الإخوان، ومن وقف بالملموس على طريقتهم في التحاور والتفاهم وعزمهم على الوصول إلى حلمهم غانمين. فما نعيشه يا سادتي هذه الأيام بعيد 10 جانفي ليس سوى عيّنة ممّا يسير عليه الإخوان منذ الثلاثينات. وإن تكوّنت ردّة فعل وانطلقت الألسن فما ذلك سوى دليل على اليقظة الشعبية التي كانت قبل هذا التاريخ مخذولة ومتهالكة.

فما يعترضنا من تعاليق بعض الأحزاب، من نوع زيارة الغنوشي لتركيا هتكت الاعراف الدبلوماسية ومسّت السيادة الوطنية”، أو من صنف " لقاء الغنوشي بأردوغان مباشرة بعد سقوط الحكومة يؤكد أن قرار النهضة مرتبط بتوجيهات تركيا'، يؤكّد أنّ هذه الأحزاب لم تقدّر بعد خطر العلاقة العضوية التي تربط الإخوان مع بعضهم بعضا. بل لعلّ في تخلّفه عن الحضور والذهاب إلى تركيا يكون أمرا غير طبيعيّ. فالجماعة دخلت في أزمة، ولا ننسى أنّها تواجه أوّل لطخة منذ 2011، وأنّه ترسّب في اقتناعهم أنّ الطريق معبّدة وما هذه الأحزاب سوى أوراق بالية وهشّة. ولا يفوتنا أنّهم منضبطون إلى استراتيجية " محكمة" نسج خيوطها التنظيم الدولي لتكون التجربة التونسية نموذجا لانتصار الإخوان. أن يهزم الغنوشي وجماعته في لحظة توهّم فيها أنّه القادر الآمر، أو بعبارته رئيس التونسيين جميعا، وأن يهزم في لحظة لم يعد هو نفسه بقادر على فصل دوره باعتباره رئيسا لبرلمان عن دوره باعتباره حاكم المعبد، فتلك رجّة في قلب المعبد وفي قلب التنظيم.

لذلك كان لزاما أن يلتزم الإخوان بالصمت واجتناب التعليق على الهزيمة، وبهذا نفسّر الصمت المطبق في صفحاتهم الرسمية عن إسقاط الحكومة، بل واجتناب قياديي المعبد الإشارة إلى ذلك حتى في المواقع الاجتماعية. صمت ينتظر الأوامر من الرأس أو "الرايخ الإخواني"، وستأتينا، حتما الأيام القادمة بالجديد الذي اتفقوا عليه وأمروا به الغنوشي المنكسر.

ثورة العذاري

في هذا السياق أيضا نفسّر سلوك العذاري تحت قبّة المجلس، ولا يمكن البتة تأويله بالغيرة على المصلحة الوطنية بقدر ما هو التزام بالمبادئ العقدية للجماعة. أجل خالف العذاري النواميس التقليدية، وفي سلوكه ذاك يذكّرنا بندّه بولبيار الذي انشق في الرئاسية، لكن غاب تماما من المشهد، ولا نظنّ أنّ العذاري سيلاقي نفس المصير، لأنّه كان أذكى من بولبيار وأمكر:

فالعذاري صرّح منذ أن اختار شورى النهضة الجملي مستنكرا هذا الاختيار وقدّم تعليلات بعيدة عن الذاتية، ثمّ في مرحلة لاحقة استقال من مناصبه دون أن يستقيل من الجماعة. ولا أعتقد أنّه بعد أن بلغ هذه المرحلة لم يتحمّل عناء إخبار المركز بالتنظيم الدولي بالانزلاقات التي انحدر إليها جماعة تونس. وفي هذه المسألة نعتبر العذاري أشدّ وفاء من الغنوشي لأوامر التنظيم وإخلاصا منه. وفي هذا السياق أيضا لا نستبعد أن يكون الرجل قد تلقّى التعليمات من قيادات التنظيم الدولي في السبيل التي عليه أن يسلكها. لذلك فإنّ صيحته كانت بمثابة الصفعة التي وجّها التنظيم لجماعة النهضة بيد العذاري. ويكون بمثابة الجندي في سبيل الحفاظ على التنظيم وأشدّ وفاء من شيخه. وما استقدام الغنوشي إلى إسطنبول سوى لتقديم تقرير مفصّل في أسباب الفشل والتسيّب الذي وقع فيه جماعة تونس.

لا تستهينوا إذن بالعذاري فهو عين التنظيم التي لا تنام بتونس. وستبوح الأيام بما هو خفيّ.

وسوم
شارك :