تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الغنوشي يعالج الوضع الداخلي في صحيفة أمريكية:هل هي حملة علاقات عامة جديدة للنهضة؟

شارك :

نشر رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي مقال رأي في صحيفة "يو آس آيه توداي" الأميركية، ليحلل المشهد التونسي من وجهة نظره الخاصة، نافيا أي مسؤولية لحركته في أزمات البلاد المتعاقبة. وتنصل الغنوشي في مقاله المنشور في الصحيفة الأميركية، من أي دور لحركته في تعثر استقرار تونس، منذ الحراك الذي أطاح نظام زين العابدين بن علي عام 2011.
وبدأ نشر  مقال في صحيفة أميركية أمرا غريبا بالنسبة إلى كثيرين في تونس. خاصة وأن لحركة النهضة تاريخ من التعامل مع شركات الضغط الأمريكية لتحسين صورتها في واشنطن، حيث ذهب الكثير من المراقبين إلى أن المقال يأتي في سياق حملة جديدة تقوم بها حركة النهضة داخل الأوساط السياسية والإعلامية الأمريكية، كما فعلت خلال الإنتخابات الأخيرة (2019)، عندما وقعت عقداً مع إحدى شركات الضغط والعلاقات العامة في واشنطن لكسب دعم النخب الأمريكية.
ويأتي هذا المقال في وقت تعيش البلاد أزمة سياسية، بعد التعديل الوزاري في حكومة هشام المشيشي، بسبب رفض الرئيس قيس سعيّد، لهذا التعديل، لكونها ينتهك الدستور. وحركة النهضة والغونشي ليسا بعيدين عن هذه الأزمة، وفق مراقبين، إذ أنها تتخذ من المشيشي واجهة للسيطرة على أجهزة الدولة وإبعاد المنافسين، بمن فيهم المقربين من الرئيس.
واعتبر الغنوشي أن ثمة حركات تستحضر وفقه ما وصفه بالحنين إلى النظام القديم، وتسعى تلك الحركات بحسبه إلى العودة إلى حكم الرجل الواحد، لكن دون أن يسمي هذه الحركات، ودون أن يتطرق إلى محاولات الحركة للاستحواذ على السلطة وإقصاء الآخرين.
ثم راح يتحدث عما اعتبرها إنجازات انتزعتها تونس في عقدها الأخير، فذكر: إنشاء تونس مؤسسات ديمقراطية جديدة، وأيضا عن حل نزاعات سلميا، وإقرار قوانين لحماية حقوق الإنسان، ووضع معايير جديدة لمحاسبة الدولة وشفافيتها. وكل ذلك يجعل تونس بحسب الغنوشي من بين أسرع الدول في تحقيق تحولات ديمقراطية على مر التاريخ.
وتجاهل الغنوشي الاحتجاجات التي وقعت في تونس خلال الأسابيع الأخيرة، بسبب انتهاكات قوات الأمن، لا سيما حادث الاعتداء على راع، بما يعيد إلى الأذهان قصة البائع محمد بوعزيزي الذي أضرم النار في نفسه، بعيد تعرضه لاعتداء مماثلة، عام 2010، وهو ما قاد إلى احتجاجات عارمة أطاحت زين العابدين بن علي. وعلق الغنوشي على تأخر تحقيق تطلعات الحراك الاجتماعية والاقتصادية الكبيرة، قائلا إن وعي التونسيين بمدى تعقيد عملية التغيير كان محدودا وهنا يستحضر الرجل مشهد التحول في أوروبا الشرقية مثالا. ويقول إن الأمر استغرف فيها عقودا عدة لرؤية ثمار الإصلاحات، ليفتح مقال رأي الغنوشي باب الجدل على مصراعيه.
وبدا غير واضح بالنسبة إلى كثيرين لماذا يختار الغنوشي منبرا خارجيا ليحلل قضايا داخلية، فبدا كأنه يحاول تلميع صورته خارجيا، في ظل ضغوط تطالبه بالانسحاب فورا من المشهد السياسي في تونس. ولم تستغ أوساط تونسية، كيف للغنوشي أن يرفع يديه عن كل أزمات البلاد في عشريتها الأخيرة، التي عرفت بكل سنواتها مشاركة النهضة في الحكم.
والسبت، بعث الغنوشي برسالة لرئيس الجمهورية قيس سعيد يدعوه فيها لعقد اجتماع بين الرئاسات الثلاث لحل الأزمة السياسية، أثارت ردود فعل متباينة، وذهب البعض إلى أن رئيس البرلمان يحاول البحث عن مصعد للنزول من الشجرة التي صعدها، بعد أن أظهر الرئيس عدم نية لتغيير موقفه من التعديل الوزاري.
وجاءت مبادرته بعد أن خسر مصداقيته السياسية بإلقائه برئيس الحكومة هشام المشيشي في قلب مواجهة مع الرئيس قيس سعيد، وبعد أن حاول لمرات كثيرة افتكاك صلاحيات سعيد سياسيا ودبلوماسيا، وأسهم في تحويل البرلمان إلى ميدان للاحتقان والعنف.
واتهمت الكتلة الديمقراطية (38 مقعدا) في بيان الغنوشي بالعبث بمؤسسة البرلمان، واعتبرت مبادرته لا تلزم الكتل البرلمانية "لأن مكتب مجلس نواب الشعب لم يجتمع أصلا لهذا الغرض". وأضافت الكتلة في بيانها "لا علم لنا بذلك.. ونحن لم نكلف راشد الغنوشي بالحديث نيابة عنا عن إيجاد حل للأزمة السياسية الراهنة، وكنا دعونا رئيس الحكومة بالذهاب مباشرة لرئيس الدولة منذ انطلاق الأزمة عِوَض توريطه في سياسة الهروب إلى الأمام، ترضية لرغبات الغنوشي والحزام السياسي".
ويواجه راشد الغنوشي، للمرة الثانية، خطر الإبعاد من منصبه حيث جدد الحزب الدستوري الحر دعوته لسحب الثقة من الغنوشي، تزامنا مع دخول سامية عبو البرلمانية بالكتلة الديمقراطية في إضراب جوع مفتوح احتجاجا على ممارسات رئيس البرلمان ورفضه إدانة العنف المسلط على أحد النواب داخل المجلس النيابي.
ويواجه الغنوشي مشكلات داخل حركة النهضة حيث يرفض أكثر من 100 قيادي ترشحه لرئاسة الحركة مجددا، معتبرين أنه والشق الموالي له تغوّلوا في إدارة الشأن الداخلي للحركة، وضربوا الديمقراطية الحقيقية في تسيير شؤونها، ومنعوا تقدم جيل جديد إلى الصفوف القيادية في الحزب، الذي يعاني محنة الحكم والغضب الداخلي.
وشهدت الحركة تنامي موجة من الغضب وتوالي الاستقالات، ما يهدد تماسكها وينذر بإمكانية حدوث انقسامات شبيهة بالتي عصفت بحزب نداء تونس سابقا. وكنتيجة لأزماتها التي طفت على السطح، واصل رئيس النهضة والبرلمان راشد الغنوشي، تصدّر قائمة أسوأ السياسيين في تونس في استطلاعات الرأي. وفي استطلاع للرأي لمؤسسة "سيغما كونساي" اعتبر 68 في المئة من التونسيين أن الغنوشي أكثر شخصية سياسية في البلاد لا يثقون فيها، ولا يريدون منها أن تلعب دورا سياسيا في تونس.

الكلمات المفاتيح:
شارك :