تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

:شارك

النهضة وقلب تونس: التحالف الخجول

0
شارك :

لايزال التونسيون ينتظرون تشكيل الحكومة والتي بشكل أو بأخر ستكون انعكاسا لنتائج الانتخابات، لكن ماراثون المفاوضات المتواصل بين الاحزاب التي أبدت موافقة مبدئية على الاقل في الدخول في مشاورات من أجل تشكيل حكومة أفضى قبل أيام إلى اتفاق بين التيار الديمقراطي، حركة الشعب، حركة تحيا تونس وطبعا حركة النهضة الحزب الفائز في الانتخابات الاخيرة. لكن وفي اللحظة الاخيرة تتالت بيانات الاحزاب الثلاثة تباعا بعدم المشاركة في الحكومة وأكد التيار في بيان، عقب انعقاد اجتماع مكتبه السياسي، أن "اتخاذ هذا القرار يأتي استنادا إلى أن التصور العام للحكومة لا يرتقي إلى مستوى التحديات المطروحة على البلاد". لكن الأكيد أن تركيبة حكومة الحبيب الجملي التي حظيت بموافقة مبدئية من الاحزاب الثلاثة والتي تحتوي على أكثر من 10 وزراء مستقلين قد لاقت الكثير من الانتقادات سواء من الاحزاب السياسية المشاركة وغير المشاركة أو من المتابعين للمشهد السياسي خاصة بالنظر إلى تجربة التونسيين مع مستقلي النهضة والذين دائما في نهاية المطاف ما يكتشف الجميع أنهم نهضاويين ونذير بن عمو وزير العدل الاسبق أبرز مثال على استقلالية الوزراء التي تقترحهم النهضة.

يعد رفض الاحزاب المشاركة في حكومة الحبيب الجملي، سعت رئاسة الجمهورية إلى تلطيف الاجواء ارتكازا على درجة التقارب الكبير في وجهات النظر التي وصلت إليها الأحزاب المشاركة في المشاورات والذي انهار في أخر لحظة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من خلال دعوة الاحزاب إلى اجتماع عاجل في القصر الرئاسي برئاسة رئيس الجمهورية قيس سعيد. لكن حركة النهضة وسعيا منها لسحب البساط من تحت قدمي رئيس الجمهورية ومنعه من إحراز أي نقطة في سبيل الوصول إلى حل لتشكيل الحكومة أصدرت بيانا أكدت فيه على تشكيل حكومة من الكفاءات الوطنية لتجنب إهدار المزيد من الوقت قبل لقاء راشد الغنوشي مع رئيس الجمهورية. لقاء رئيس الجمهورية نزع الستار عن الحرب التي كانت غير معلنة بين رئيس حركة النهضة ورئيس الجمهورية والذي فيه رفض الغنوشي اي مبادرات لحل الخلافات بين الاحزاب قائلا كلماته باللهجة التونسية "إلي فات ماعادش يرجع " بمعنى ما مضى لن يعود ما يعني أن رئيس الحركة يرفض أي وساطة لقيس سعيد في ما يتعلق بتشكيل الحكومة من أجل تقليص هامش تحركه ما دفع برئيس الجمهورية إلى رفع الجلسة مباشرة. لكن المتابع للأحداث يمكن أن يستخلص حرب النفوذ التي بدأت منذ مدة وذلك بالنظر إلى حجم اللقاءات التي عقدها راشد الغنوشي بصفته رئيسا للبرلمان إضافة إلى عدد السفراء الذين التقاهم بصفة رسمية وبالنظر أيضا إلى تصريحات رئيس الجمهورية في مدينة سيدي بوزيد والتي أكد فيها بوجود مؤامرات ومتأمرون خلف الابواب المغلقة لم يسميهم بالاسم.

أثناء لقاء رؤساء الاحزاب مع رئيس الجمهورية أعلن الحبيب الجملي خلال مؤتمر صحفي عقده على عجل بقراره تشكيل حكومة كفاءات وطنية مستقلة و اكد أن هذا القرار   لا علاقة له بأي من الاحزاب المشاركة في المشاورات و لا حتى حركة النهضة، ليأتي تصريح العضو بحركة النهضة في تصريحه لأحدى الاذاعات والذي أكد قرار الحبيب الجملي بتشكيل حكومة كفاءات وطنية هو قرار نابع من حركة النهضة ويضع استقلالية الحبيب الجملي عن حركة النهضة محل انتقادات و تشكيك.

بعد الفشل في تشكيل حكومة  تتضمن   الاحزاب الثلاثة المشاركة في البرلمان، بدأت تشتغل الالة الدعائية لحركة النهضة للتشهير بحركة الشعب و التيار  الديمقراطية و كذلك حركة تحيا تونس و تحميلهم المسؤولية لرفضهم الدخول في حكومة ائتلافية مع حركة النهضة وذلك من خلال البحث عن إخراج جيد لعودة حركة النهضة إلى التحالف المحرج مع قلب تونس و الذي كانت نتائجه إيجابية منذ أول يوم في البرلمان و لكن هذه المرة تحت عنوان "حكومة كفاءات مستقلة " و حتى إن لم يعلن هذا التحالف في إطار الحكومة الجديدة فإنه و لا شك سيعلن في  بحر هذه الخماسية ، و هكذا تخرج حركة النهضة من دائرة إحراج التحالف مع قلب تونس و في نفس الوقت تظفر بتحالف مع حزب يمتلك الكثير من نقاط الضعف التي يمكن أن تلعب عليها و أهمها شبهات الفساد التي طالت رئيسه و في نفس الوقت يخرج قلب تونس من دائرة العزلة التي كان محاصرا فيها و يحظى بشريك يمتلك أغلبية في البرلمان. أفضل دليل  على هذا التوجه ما نشره القيادي بحركة النهضة رفيق عبد السلام اليوم على صفحته على مواقع التواصل الاجتماعي ،عبد السلام قال إنّه ما من داعي للخجل أو التخفي من التعايش مع قلب تونس في الحكومة القادمة، معتبرا أنّ ذلك لا يُعدّ جريمة، ''بل بصدد تحري مصلحة وطنية راجحة''. وأضاف أنّه يجب اعلان هذا التوجه فوق الارض وتحت الشمس ومصارحة الشعب من دون لف أو مواربة، وفق قوله. وتابع ''نعم ذكرنا خلال الحملة الانتخابية بأننا لن نتحالف مع قلب تونس، ولكن بما انه تعذر تكوين حكومة مع احزاب " العائلة الثورية"، بحكم تمنعها عن تحمل المسؤولية وإصرارها على ربح الوقت وممارسة صراخ المعارضة ، فلا احد يلومنا على التعايش الاضطراري مع قلب تونس من اجل ضمان استقرار سياسي وحكومي'' يمكن ملاحظة هذا التوافق أيضا من خلال قراءة بيان حركة النهضة و الذي طالب بتشكيل حكومة كفاءات وطنية وهي نفس النقطة التي طالب بها حزب قلب تونس في بيانه الاخير.

لا يخفى على أحد أن حركة النهضة ليست في أحسن أحوالها اليوم مقارنة بانتخابات 2011 و 2014 فهي لم تحصل سوى على 13 بالمائة في الانتخابات الرئاسية و 20 بالمائة في الانتخابات البرلمانية وهي مهددة اليوم من قبل تيارات إسلامية جديدة مثل حزب الرحمة و تيارات شعبوية مثل ائتلاف الكرامة و ايضا زلزال داخلي تجلى بوضوح في تدوينة القيادي بحركة النهضة عبد اللطيف المكي الذي أكد فيه أنه " كافر بحكومة الكفاءات " . إلى جانب هذه التحديات ستواجه حركة النهضة معارضة شديدة في البرلمان وهم حزب التيار الديمقراطي، حركة الشعب و الحزب الحر الدستوري حتى الان على الاقل من خلال الاعتماد على الاعلان الرسمي للأحزاب الالتحاق بالمعارضة في انتظار إعلان مواقف كل من حركة تحيا تونس وحزب ائتلاف الكرامة و كتلة الاصلاح الوطني و كتلة المستقبل.

تأتي هذه  الاحداث جميعا في وقت تعيش فيه البلاد اصعب الاوضاع منذ 2011 ، مؤشرات تنذر بعودة التحركات الاجتماعية في تطاوين و بالعودة إلى اعتصام الكامور بسبب عدم تحقيق المطالب التي تم الاتفاق عليها في اعتصام الكامور الماضي ، أزمة تعصف بقطاع زيت الزيتون و الذي رغم ما يدره من عملة صعبة تصل ‘إلى حدود 2.5 مليار دينار إلا أنه قاب قوسين أو أدنى من الانهيار  و أيضا خطر خارجي يتمثل في القتال الدائرة اليوم على بعد بضعة كيلومترات من الحدود التونسية و التي حسب رأي المتابعين أظهرت تونس فشلا ذريعا في التعامل مع الازمة.

وسوم
شارك :