تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الصعود إلى الهاوية

شارك :

يسري الشابي – حقوقي تونسي 

عندما كان المجلس القطاعي العدلي، ينظر في الحركة القضائية، خلال الساعات الأولى من يوم الاثنين، 10 أوت 2020، كان بشير العكرمي، يخضع للتحقيق الإداري بالتفقدية العامة لوزارة العدل، حول واقعة تدليس محضر في قضية السيارة الإدارية، التي كانت تحت تصرف ابنة الوزير النهضاوي أنور معروف، تلك القضية التي أثارت انتباه رئيس الدولة، الذي كشف التلاعب بالملف.

في صباح اليوم التالي، أي الثلاثاء، بدأت "سلطة النهضة القضائية" في الضغط على أعضاء المجلس القطاعي العدلي، للتراجع عن القرار، ووصل الأمر ببشير العكرمي أن اتصل بعدد منهم بواسطة هاتفه الجوال، وهذا قابل للإثبات، من خلال الكشوفات، مطالبا بالتراجع عن القرار، وكاد الضغط الهائل أن يصل إلى مبتغاه، لكن إرادة الأعضاء وحسهم الاستقلالي، ومصلحة المجلس انتصرت في النهاية، وتم البارحة، الأربعاء، إقرار الحركة القضائية من طرف الجلسة العامة للمجلس الأعلى للقضاء، وإبعاد بشير العكرمي عن وكالة الجمهورية بابتدائية تونس 1.

صلاحيات هائلة

كان بشير العكرمي، قد تسلم منذ شهر أوت 2016، أخطر خطة قضائية، أي وكالة الجمهورية بالمحكمة الابتدائية بتونس 1. وصار دون تاريخ يذكر في القضاء، عدا أدواره في قضية الشهيد شكري بلعيد، مكلفا بالإشراف على الأعمال القضائية التالية:

أولا: وكالة الجمهورية

-       حصريا على القطب القضائي المالي، بوصفه وكيل الجمهورية به، وهو اختصاص حكمي حصري.

-       القطب القضائي المالي، فهو أيضا وكيل جمهوريته، وهو أيضا اختصاص حكمي حصري.

-       المحكمة الابتدائية 1 بباب بنات.

ثانيا: رئيس الضابطة العدلية، للفرق الوطنية للأبحاث التالية:

-       الوحدة الوطنية للأبحاث في جرائم الإرهاب بالقرجاني.

-       الوحدة الوطنية للأبحاث في جرائم الإرهاب بالعوينة.

-       فرقة الأبحاث الاقتصادية بشارع 9 أفريل.

-       الإدارة الفرعية للقضايا الاجرامية، بحي الخضراء.

-       فرقة الأبحاث بالحرس الوطني ببن عروس.

-       المركزية الأولى للأبحاث للحرس الوطني بالعوينة.

-       المركزية الثانية للأبحاث للحرس الوطني بالعوينة.

-       المركزية الثالثة للأبحاث للحرس الوطني بالعوينة.

-       المركزية الرابعة للأبحاث للحرس الوطني بالعوينة.

-       المركزية الخامسة للأبحاث للحرس الوطني بالعوينة.

-       الجانب العدلي من فرقة الأبحاث الديوانية.

فبشير العكرمي، مع كل هذه الصلاحيات، يتحكم في سلطة التتبع، والحفظ وبالإجراءات، في كل القضايا المالية، المتعلقة برجال المال والسياسة، وقضايا الفساد، وفي كل القضايا الإرهابية، منذ المراحل الأولى التي يكون فيها الملف في طور التشكل والبناء، أي في مرحلته السرية، ففي مرحلة التحريات، لا يمكن لأي طرف أن يطلع على مضمون الأعمال الأولية، في هذه المرحلة يملك بشير العكرمي، سلطة في توجيه الأعمال، واستخلاص النتائج، وحماية الأطراف السياسية والمالية التي يريد.

سلطات استثنائية

أضاف القانون الأساسي لمكافحة الإرهاب، المصادر عليه في أوت 2016، والمنقح في جانفي 2019، لوكيل جمهورية تونس 1، أي لبشير العكرمي، مزيد من السلطات الخطيرة التي صار بإمكانه ممارستها، بل والانحراف بها لفائدة أطراف سياسية أو مالية، ومنها خاصة:

-  سلطة اعتراض الاتصالات، أي التنصت، دون وجود قضية، في إطار التحري، وهذا يعني أنه يملك أن يضع تحت التنصت، كل شخص، مهما كان مركزه، دون وجود قضية أو بحث تحقيقي متعلق به، لمدة طويلة نسبيا، تصل الى ستة أشهر، قابلة، للتمديد مرة واحدة لنفس المدة، بمعنى أن بشير العكرمي يملك الحق في التنصت على من يشاء لمدة سنة كاملة، وطبعا، دون رقيب أو حسيب.

-  سلطة المراقبة السمعية والبصرية، هذا المرة بالصوت والصورة، وحتى داخل محلات السكنى والوظيف، لمدة ستة أشهر قابلة للتمديد مرة واحدة لنفس المدة، أي أنه يملك سلطة تصوير من يشاء لمدة سنة كاملة،

إن الخطير في هذه السلطات أنها لا تخضع لرقابة القضاء، ولا يشعر بها من تسلطت عليه، ويمكن أن تسلم لأطراف سياسية لاستعمالها، خارج القانون.

لا وجود لنظام رقابي

هذه المؤسسة لا رقابة عليها من طرف وزير العدل، ولا يمكن الطعن في أعمالها، وتقبل الملفات التي لا تزال أمامها، الى الاستجلاب، أي نقلها الى وكالة جمهورية أخرى، فالاستجلاب لا يمكن أن تتم مباشرته، إلا عندما يخرج الملف من يد وكيل الجمهورية.

ان انهاء هذه السلطات الواسعة بالجذب نحو أدوار إدارية بوزارة العدل لا يمكن إلا أن تكون، حصرا لسلطات بشير العكرمي، وانهاء لأي دور قضائي له، فقد أصبح الآن تحت إشراف السلطة الإدارية والرئاسية والرقابية لوزير العدل.

ولم يعد من حقه، أن يباشر أية أعمال إلا بإذن وزير العدل وتحت اشرافه، وفي حدود الأعمال التي يكلف بها، لا سلطة له، خارج ما يقرره وزير العدل، فقد انتقل من المجال التقريري، بسلطات واسعة، الى المجال الإداري، بسلطات مقيدة.

إن الصعود الى الهاوية، عنوان لأشهر كتاب غير منشور، على حد تعبير الكاتبة اللبنانية، غادة السمان، والذي احترقت نسخته الأصلية، في الحرب الأهلية اللبنانية، ينطبق على وضعية بشير العكرمي، في الحركة القضائية الصادرة مساء البارحة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه، وليس بالضرورة عن رأي الموقع.

الكلمات المفاتيح:
شارك :