تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

أراء في التنوير للأستاذ محمد الشرفي

شارك :

عميره عليّه الصغيّر
مؤرخ وجامعي تونسي

المرحوم الأستاذ محمد الشرفي (1936-2008) هو ذاك المناضل اليساري والحقوقي الصّلب و أستاذ القانون المتميز و رجل الدولة باستحقاق، وزير التربية و التعليم العالي في ما بين 1989 و 1994، يعتبر من رجال التحديث في تونس، رغم تبخِيسه من خصومه و حتى نعته ، حيّا و ميّتا ، ب " الأب الروحي لليسار الفاسد" .كتاباته و تدخلاته في قضايا التحديث والتعطّل التاريخي للمجتمعات العربية و الإسلاميّة عديدة و لعلّ مؤلّفه " الإسلام و الحريّة، الالتباس التاريخي" الصادر بالفرنسية في الأوّل سنة 1999 يعتبر من أشهر مساهماته الفكرية في جهد التنويريّين التونسيين و العرب و له رهانيّة خاصة حاليا في تونس لصعود الاشكاليات، التي كان تناولها، للسطح بعد الثورة و لاستشراء العنف الأصولي في تونس و الذي وقف الأستاذ الشرفي عند جذوره. ونحن نستعمل هنا الترجمة العربيّة لهذا الكتاب الصادرة بتونس سنة 2009 عن دار الجنوب.
ولبسط أهم أراء محمد الشرفي التي أوردها في مؤلّفه هذا في مجال التحديث والقضايا التاريخية والسياسية ذات الارتباط حبّذنا، عوض محاكاة الكتاب، أن نقدم مختارات منه و في نصّها الأصلي.
1- في التعصّب الديني
"أنّ حجم ضحايا التعصب الديني لم يبلغ في ايّ موضع من العالم الإسلامي كما تشهد على ذلك الوقائع في مصر و في أفغانستان و الجزائر على وجه الخصوص. فلابدّ والحالة هذه أن تكون هناك أسباب خاصة وراء ظاهرة تنامي التعصّب الديني في البلدان الإسلامية. و في هذا الصدد عادة ما يتمّ اللجوء، قصد تفسير هذا التعصب، إلى العوامل الاقتصاديّة و الاجتماعية و ما يتصل بها كالفقر والفاقة و البطالة و الأزمة السكنية و نزوح الأرياف على المدن، و مظاهر الفساد كالرشاوى أينما كانت و حيثما وُجدت، و الأنظمة السياسيّة و الحرّيات العامة و غير ذلك (...) و يعود السبب في ذلك الى أنّ الهياكل السياسيّة ، و الأنظمة القانونيّة ، و البرامج الاقتصادية ، و البُنى الاجتماعيّة قد حققت تطوّرا كبيرا ،في حين أنّ كلاّ من أنساق المرجعيات الثقافيّة و الخطاب السياسي قد بقي في المؤخرة" .
2- الحداثة المتردّدة
"(...)انّ الحداثة التونسيّة ، مع أنّها كانت حداثة حقيقيّة، ظلّت بفعل تصرّف بورقيبة حداثة منقوصة نظرا لافتقارها إلى الديمقراطيّة. أمّا في البلدان العربيّة الإسلاميّة الأخرى فانّ تحديث الدولة والمجتمع لم تأخذه السلطات العموميّة مأخذ الأولويّة لذلك كانت الحداثة فيها أقلّ استبطانًا ممّا هي في تونس «.
3- التوفيق بين الإسلام والحداثة
" انّ التوفيق بين الإسلام والحداثة ليس فقط أمرا ممكنا ومرغوبا فيه ولكنّه أيضا أقرب ما يكون الى أشدّ القراءات وفاءً للدين وأقربها الى وقائع التاريخ. و إن لم يحصل ذلك حتى الآن فذلك مردّه لسلسلة من الأحداث التي لا شأن لها بروح الدين و لا بالنص القرآني بل هي من آثار سوء تفاهم تاريخي مؤسف. ذلك ما بيّنه دون هوادة مفكّرون مصلحون منذ قرن و نصف بيانًا مقنعًا و لئن ظلّ جزئيّا مبعثرا. لكنّ الحكّام يزيلون أفكارهم من البرامج المدرسيّة عن خوف أو دمغجة أو جهل ويستعيضون عنها بنظريات تقليديّة تجاوزتها الأياّم من أخطر آثارها أنّها تزجّ بالناشئة في متاهات الضياع ".
4- الدولة الدينيّة لا يمكن أن تكون ديمقراطيّة
"(...) أنّ التاريخ كلّه قد أبان بما فيه الكفاية استحالة أن تكون الحكومة الدينيّة ديمقراطيّة و انّه اذا كانت كلّ الدّكتاتوريات شنيعة فانّ أشنعها الدكتاتوريات الدّينيّة اذ هي لا تكتفي بالتحكّم في العلاقات السياسيّة و الاجتماعيّة، بل أيضا في المواقف الفرديّة ، و هي لا تكتفي بالتحكّم في السّلوكيات ، بل أيضا في الضمائر و ما تخفي الصدور. فالأصوليون يلجؤون للإرهاب وهم يعتقدون أنّ ما يقومون به انّما هو بإرادة الله وذلك ما يفسّر أنّ الأصولي الإسلامي الذي يقوم باغتيال الناس لا يفكّر في جسامة فعلته و لا في فظاعتها بل في ما سيناله، مجازاةً له، من فراديس الجنّة، وهو الاعتقاد الذي يحدوه مخلصًا اذا كان مجرّد مناضل قاعدي".
5- المجتمع الأصولي
"فمشروع المجتمع الذي لأجله يناضل الأصوليّون مجتمع كلّياني ديني لن يقتصر الأمر فيه على مصادرة جميع الحرّيات ،الفردي منها و الجماعي ، و لا على كسر طاقات الإبداع الأدبي و الفني ، و لا على منع الحوار الفكري و غلق الأذهان، بل سيتجاوز الأمر ذلك الى قمع النساء. وباختصار نقول انّه العودة الى القرون الوسطى أو قل العودة الى "عصورنا المظلمة "، ولكن بالسيارات وما الى ذلك مما لم يعد لنا منه بدّ من منجزات التقدّم التقني".
6- أكبر مشكل يواجه الإسلام والمسلمين في عصرنا
" كان على هؤلاء الشيوخ أن يفهموا أنّ قواعد قرآنيّة كثيرة قانونيّة في الظاهر ، قد نزلت في الحقيقة موافقة لظروف الجزيرة العربيّة زمن الوحي الذي حصل قبل أربعة عشر قرنا ،و أنّ مراعاة تغيّر الأزمنة واجبة ههنا ، وهي أكثر وجوبا فيما يتعلّق بما سنّه الصّحابة ثم التابعون ثم مؤسّسو المدارس الفقهيّة، و مجرّد ابتداع حيل يراوغون بها القاعدة يدلّ على أنّ هذه القاعدة قد تجاوزها الزمن، و لم تعد بالتالي قابلة للتطبيق الصحيح. ويدلّ لجوء الفقهاء إلى الحيل الفقهيّة و الذّرائع الشرعيّة على انّهم قد وعوا من ناحية أنّ القاعدة لم تعد مناسبة للواقع ، و أدركوا من ناحية أخرى أنّه في الإمكان عدم تطبيقها بما انّ وسائل مراوغتها موجودة ، أي أنّها غير الزاميّة في النهاية ، و إذا كانت قاعدة مّا غير مناسبة للواقع و غير الزاميّة أيضا ،فانّ تفكير العاقل السّليم لا يمكن الاّ أن يرى وجوب الغائها، و هذه الخطوة الفاصلة بين الوعي و الإلغاء خطوة لم يتجرّأ علماء الفقه على قطعها، و هذا أكبر مشكل يواجه الإسلام و المسلمين في عصرنا ، إذ مازال هؤلاء محافظين على قواعد صار معلوما-على الأقلّ عند أكثر علماء الفقه ذكاء – أنّها ليست ملائمة للواقع، و ليست الزاميّة دينيّا ، و لكن لا احد يتجرّأ على القول بأنّها صارت باطلة أو انّه يجب إبطالها " .
7- لا وجود لدولة إسلاميّة في القرآن
"و لا شكّ في أنّ الفقه يتعارض مع الحريّة، لكن الحريّة لا تتعارض مع الإسلام من حيث هو دين لأنّه لا توجد فيه نظريّة في الدولة، وعلى الإسلاميّين المتبنّين شعار" القرآن هو الحل" أن يدركوا ذلك اذ لا وجود لدولة إسلاميّة في القرآن و لا في السنة و لم توجد في التاريخ دولة إسلامية حقّا و انّما استعمل الدين في سبيل أغراض سياسيّة".
خاتمة العرض
لعلّ هذه الشذرات القليلة من فكر مصلح تونسي كبير وتنويري جسور تعيدُ له الاعتبار في أذهان البعض ممّن ظلموه وخاصة تكون حافزة لمن يجهلون اسهاماته في الإقبال عليها والتفكّر فيها.

الكلمات المفاتيح:
شارك :