تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

في ذكرى رحيل «نصر حامد أبو زيد»: مقابلة «قديمة» وقضايا «راهنة»

شارك :

لمناسبة الذكرى التاسعة لرحيل المفكر العربي التنويري، نصر حامد أبو زيد (1943 – 2010) يعيد "صواب" نشر مقابلة للراحل مع مجلة الوسط اللندنية، التابعة لدار الحياة للصحافة، والتي توقفت عن الصدور منذ أكثر من عقد. نشرت هذه المقابلة في العام 1998، وأجراها الكاتب والشاعر السوري، نوري الجراح، في الذكرى الثالثة " لصدور الحكم الذي دفع – أبو زيد -وزوجته الناقدة والأستاذة الجامعية ابتهال يونس فوق دروب المنفى" بعد أن أقر القضاء المصري حكماً بالتفريق بينهما بذريعة أن نصر قد "اردت عن الإسلام". وقد شكلت هذه الحادثة نقطة تحول في حياة أبو زيد، باعتبارها شكلاً غير مسبوق في اضطهاد المفكرين التنويريين في العالم العربي وخاصة في مصر، بعد حوادث سابقة طالت طه حسين والشيخ علي عبد الرازق والباحث محمد أحمد خلف الله وفرج فودة.

                                                                          ***

في مثل هذه الأيّام من العام 1995، أكّدت محكمة استئناف القاهرة حكم التفريق بين نصر حامد أبو زيد وزوجته ابتهال يونس، فأسدلت بذلك ستارة الفصل الأخير على قضيّة استثنائيّة لم تعرف الحياة الثقافيّة العربيّة مثيلاً لها، خلال النصف الأخير من هذا القرن. وقبل أسبوعين ظهر المفكّر المصري، للمرّة الأولى منذ خروجه إلى أمستردام، في عاصمة عربيّة هي عمّان، ليؤكّد مجدّداً تمسّكه بمبادئ الدين، وليدافع عن حقّه في البحث والاجتهاد. "الوسط" التقت صاحب "فلسفة التأويل" الذي دعا إلى ضرورة امتلاك وعي نقدي للتعامل مع مختلف الخطابات والتأليف في ما بينها، مذكّراً أننا "لسنا في حاجة إلى رؤية واحدة باعتبارها تمثل الحل السحري".

نصر حامد أبو زيد باحث معروف، ارتبط اسمه بقضية بالغة المأسوية بدأت بتكفيره وانتهت بإصدار قرار شرعي بتطليقه من زوجته. ففي 8 آذار مارس 1993 رفض مجلس جامعة القاهرة ترقيته من أستاذ مساعد إلى درجة أستاذ في قسم اللغة العربية وآدابها كلية الآداب، بحجّة أن لديه "خللاً في الاعتقاد". ويوم 14 حزيران يونيو عام 1995، أصدرت محكمة استئناف القاهرة الدائرة 14، حكماً بالتفريق بين الدكتور أبو زيد وزوجته الدكتورة ابتهال يونس، بناء على دعوى حسبة رفعها المحامي محمد عبد الصمد. بعد صدور الحكم بيومين أصدر المفكّر المصري "بياناً إلى الأمة"، معتبراً أنّه "باحث مسلم وهب حياته للدفاع عن الإسلام"، ومعلناً دهشته وغضبه من سعي بعضهم إلى قتله بدلاً من مناقشة أفكاره. ورفضت زوجته المدرّسة في قسم اللغة الفرنسية في كليّة آداب القاهرة، الاعتراف بالحكم وقالت: "سأظلّ زوجته وسأموت معه".

في الذكرى الثالثة لصدور حكم التطليق الذي دفع أبو زيد وزوجته إلى اختيار المنفى، أجرينا مع الباحث المعروف هذا الحوار الذي يناقش جملة من القضايا المطروحة على العقل العربي، منها ازدواجيّة المثقفين العرب في الموقف من قضايا المرأة، ونخبوية الخطاب التنويري العربي، والذكوريّة المفرطة التي أبقت على الحركة النسائيّة المبدعة حبيسة الظلّ. ويثير الحديث تساؤلات حول بعض المساهمات الفكرية العربية الراهنة، إذ يناقش طروحات المفكر البحريني محمد جابر الأنصاري، داعياً إلى ضرورة تجاوز النزعة "التوفيقية". وتطرّق أبو زيد، المقيم حاليّاً في أمستردام، إلى قضايا تتعلق بالنظرة العربيّة إلى الغرب، والصراع مع اسرائيل. كما دعا إلى ولادة مثقف رسولي من طراز جديد، وإلى إعمال الفكر النقدي الحر في التصدي الجريء لشتى المشاكل، واعتماد "صيغة مركبة" تكون مجموع لقاء صيغ فكرية وأدوات مختلفة، هدفها بناء مجتمع عربي جديد. وهنا نصّ الحوار:

  • لماذا لا تحتلّ قضايا المرأة مكانة أساسيّة في النقاش، بعد قرن كامل على طرح مسألة "تحرر المرأة"؟

المشكلة في تلك الازدواجية بين القول والفعل. يتحدّث المثقف العربي عن الحريات، ويتصرف مع المرأة بصفتها شيئاً. كما أن مناقشة المثقّف لحرية المرأة تتمّ من موقع استعلائي، فهو يعتبر نفسه "مانح الحرية"، لا المطالب بها انطلاقاً من المعادلة التي تفقد أيّاً من الطرفين جزءاً من حريّته ما دام الآخر ليس حراً.

  • هل تنظر إلى الموقف التاريخي لقاسم أمين مثلاً، باعتباره يلخص دور الرجل، أو كمجرد مساهمة في معركة الحرية؟

مساهمة قاسم أمين أساسيّة: لا أحد ينكر ذلك. لكنّني أظن أن مساهمة المرأة في عملية التحرر الاجتماعي والذاتي، في عصر قاسم أمين، لم يكشف عنها بشكل جيد.

  • لماذا؟

عندما تكون وضعية المرأة متدنية، فهذا يساعد على طمس مكانتها وحضورها. ولعلّ التاريخ الرسمي لم يفسح مكانة أساسيّة لدورها المحوري على المستوى السياسي والاجتماعي والثقافي. كثيرون للأسف لا يعرفون نظيرة زين الدين مثلاً، علماً أنها وضعت أواخر العشرينات أول كتاب حول تحرر المرأة بقلم امرأة في بلاد الشام، فكتبها لم تعد متوافرة. وهناك أيضاً رسالة الدكتوراه التي وضعها فهمي منصور، وقد ترجمت ونشرت، ثم اختفت تماماً.

ازدواجية تعويضية

  • ألا تندرج مساهمات رجال مثل عبد العزيز الثعالبي والطاهر حداد... في المعركة نفسها؟ فطرح قضية المرأة غير ممكن أصلاً من دون مساهمة الرجل، لأنه أحد طرفي المعادلة...

هذا صحيح، ومثال الطاهر حداد مهم. فقلّة من المثقّفين العرب، مشرقاً ومغرباً، تعرف مسيرة هذا الرجل وفكره واضافاته التنويريّة، حسب تجربتي. وقلّة تعرف اشتغاله على النص، ودوره الحاسم في تطوير المجتمع.

  • هل ضعف مكانة المرأة في سياق الفكر التحرري نفسه منذ نشأة التيارات الفكرية الماركسية والقومية، يتحمّل مسؤوليّته زعماء التيارات الفكرية والسياسيّة والاجتماعية؟

القضية أن ما يسمى بالتنوير، أو خطاب النهضة العربي في جميع مستوياته الجغرافية والتاريخية ظل حكراً على فئة محصورة من الناس. فهو لم يصل إلى الجذور، إلى الانسان الذي يدور حوله التنوير. كما تمركز الخطاب التنويري في المدن فقط، ونحن عندما نتحدث عن المرأة نتحدث عنها في المدن. فالمرأة في الريف المصري مثلاً، لا تعاني من مشاكل المرأة في المدن، لجهة مشاركة الرجل في شتى الميادين، بما في ذلك ميدان العمل. ونستطيع القول إن خطاب النهضة كان، بشكل عام، خطاباً نخبوياً.

أضف إلى ذلك أن تحرر المرأة ارتبط عمليّاً بخطة التحديث والتصنيع والحاجة إلى أيد عاملة. فالغايات كانت باستمرار نفعية، ولم يحصل أي تغيير جذري في المجتمع، وتحديداً داخل الطبقة الوسطى التي حملت لواء النهضة، وهي في تكوينها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي طبقة رخوة. خاضت تلك الطبقة معركتين حقّقت انتصاراً جزئياً في كل منهما: واحدة ضد الاقطاع، والثانية ضد الاستعمار. وجعل ذلك منها طبقة منهكة، الأمر الذي انعكس على ممثليها من المفكرين. فخطاب كلّ منهم تشتّت بين مجالات معرفية شتّى، ما انعكس تداخلاً واختلاطاً في شتّى المجالات. يناقش مفكر معيّن في الاسلاميات مثلاً، ويبدو في الآن نفسه منشغلاً في عملية التنوير، وفي مواجهة المستشرقين والدفاع عن الاسلام... إلى درجة تقود إلى اختلاط والتباس كبيرين. والمفكر دائماً في موقف دفاعي، متشظ، يضعف من امكانات التنوير الفعلي الذي يحتاج إلى تفرغ كامل وحقيقي.

نحن ما زلنا بشكل أو بآخر في موقف دفاعي، وقضية المرأة جزء من هذا المناخ. وأنا أعتقد أن معظم الذين يكتبون عن حرية المرأة لديهم مشكلة في تفاؤلهم، ومعظم الداعين إلى تحرر المرأة يقولون: حرام أن تبقى المرأة بلا حرية. في حين يجب أن نعكس المنطق، فالحرام هو ألا نكون أحراراً، رجالاً ونساء، إذ كيف يكون حراً من يستعبد الآخر؟ الرجل يستعبد المرأة، والسلطة تستعبد الرجل، لذا يعيش هذا الأخير ازدواجية كبيرة هي ازدواجية تعويضية. والأكثريّة الساحقة من المثقفين العرب تعيش، للأسف الشديد، هذه الازدواجية التعويضية.

  • محمد جابر الأنصاري درس الحالة التوفيقية التي يعيشها الفكر العربي، حالة اللاحسم بين خيارات متناقضة...

أنا أسمي "التوفيقية" هذه "تلفيقية". فالتوفيق هو الخروج من صراع الأضداد بخلاصة جديدة. أما التلفيق فأن نحافظ على الأضداد عبر المصالحة. وهذه السمة طبعت الحياة العربية، وطغت على مسار الفكر العربي في جميع تحولاته.

  • هل وعي هذه الحالة يشكل خطوة أولى نحو الخروج منها؟

لقد لاحظت منذ زمن طويل هذا العنصر، وتناولت الموضوع في دراسات عدّة، وكنت سعيداً جداً بدراسة الأنصاري لأنه وسّع الفكرة، ونقلها من إطار التراث إلى المشروعات الحداثية. وتحليله صائب إلى حد بعيد. لكن السؤال الآن، هو كيف نتجاوز الصيغة التلفيقية؟ هل نتجاوزها مثلاً بالتأمل العقلي، أم نتجاوزها بتغيير تركيبة الواقع؟

الانتصار الحاسم في معركة التغيير الاجتماعي سيؤدي حتماً، إلى تجاوز الأزمة. ولا بد هنا من التسليم بأن المهمة الفكرية هي جزء أساسي وجوهري من مهمة التغيير الاجتماعي. وفي حدود قراءتي للواقع المصري على الأقل، أعتقد أن ضجة الحرب وسيول الدماء دليل على أننا نعيش مخاض ولادة مرحلة جديدة، تقطع نهائيّاً مع الوضع التلفيقي. هذا الضجيج يعبّر عن شوق إلى الخروج من حالة الانحطاط والركود. الوعي خطوة أساسيّة إذاً، كي نتحرّك قبل أن تفوت الفرصة وتنسدّ المنافذ مرة أخرى، ونستعيد عن طريق التلفيق نوعاً من المصالحة تستمر ربع قرن آخر.

الغريم الخارجي

  • إلى أي مدى سيظل يلعب "الغريم الخارجي"، ممثلاً بإسرائيل وبالغرب الاستعماري، عنصراً ضاغطاً على الحياة العربية لجهة تكريس "التوفيقية" أو "التلفيقية" في الفكر والسلوك العربيين؟

الغريم الخارجي دوره في هذه المسألة خطير جداً. وهو دور موجود عملياً منذ بداية القرن التاسع عشر، بل منذ الحروب الصليبية. لكن دعنا من تلك الحروب وصورها، لأن لها توصيفاً مختلفاً، فضلا عن ان العالم الاسلامي لم ينهزم في تلك الحروب، إنما مع نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر. وقد نتج عن تلك الهزيمة رد فعل، ما يزال الوعي العربي، في تقديري، يراوح عنده حتّى الآن. إذا نظرنا إلى علاقة العالم العربي بالغرب، وما أفرزته من خطابات "القطيعة"، و"الأصالة"، و"الدفاع عن الهوية"... وغير ذلك من خطابات تكرس انفصالاً كاملاً، نتصوّر أن هذا الغرب ولد لدينا مع القرن الثامن عشر فقط. هناك، في بنية الفكر العربي نفسه، حالة عدم إدراك لماهية الغرب وحقيقته، وذلك على مستوى الفقه، وعلى مستوى الفلسفة و"علم الكلام" الخ...

القضية هنا مشتبكة وملتبسة، لأن الغرب يجري تقييمه من خلال العداء السياسي، ومما لا شكّ فيه أن أي محاسبة سياسية للغرب، من شأنها أن ترسّخ القطيعة، وتلعب دوراً خطيراً في ترسيخ هذا الموقف وتجميد الوعي العربي عنده. لا يفطن المثقف العربي، في أحيان كثيرة، إلى أن الغرب، ليس الغرب السياسي فقط. وأن الغرب كمقولة كلية هو كلام تعميمي. وأن الهزيمة السياسية لا تعني بالضرورة أن معاداة "الآخر" تكون تعبيراً عن الوطنية.

في حالات كثيرة مثلاً، ننجرّ إلى التعاطف مع تنظيم أو حزب أصولي يقوم أعضاؤه بعمليات عسكرية في الأرض المحتلة. والنضال ضدّ الاحتلال الاسرائيلي مهمّ بحدّ ذاته، لكن السؤال الذي لا بد من طرحه هو: ما هي الايديولوجية التي تقوم على أساسها هذه العمليات؟ والذي يحصل إنك تقف محتاراً: فأنت معها سياسياً، لكنك تتحفّظ عن الخلفيّات الايديولوجيّة للقائمين بها. والمشكلة مشابهة في ما يتعلّق بالموقف من الغرب.

  • هناك من يعتبر أن العرب يعيشون مأسوية زوال دهشتهم بالغرب، لحظة استعادته كغريم وعدو. واذا ما اعتبرنا أن فكرنا القومي -العلماني جاء عبر الغرب، فنحن إذ نقتتل كعلمانيين وسلفيين، إنما نقاتل الغرب فينا، واذ نقاتله إنما نقتله فينا...

لكن المشكلة أن هذا يتم من دون وعي به. وحتى أصحاب نظرية الحل الحضاري المستقل، إنما يستخدمون نظريات "ما بعد الحداثة" التي هي انتاج غربي لتداول أزمة الحداثة، على سبيل مواجهة الغرب. وبالتالي فإن جميع الأسلحة غربية. وحتّى هذا الكلام على جانب لا بأس به من الخطأ، إذ ليس هناك شيء اسمه "أسلحة غربية". لكن ما دمنا نستخدم مفردة الغرب مقابل المجتمع الاسلامي، فإننا، بالضرورة نستخدمها، هنا، بشكل يزيد من تعقيد الموقف وتعقيد المسألة.

خطاب "ما بعد استعماري"؟

  • هل الفكر العربي قادر اليوم على توليد خطاب "ما بعد استعماري"، في السياق الذي أرساه إدوارد سعيد مثلاً؟ أم ان العالم العربي لم يخرج بعد من المرحلة الاستعمارية؟

العالم العربي يتأثر بكل الاتجاهات الفكريّة في الآن نفسه، ويدمج في حقبة زمنيّة واحدة خطابات أنتجت في مراحل تاريخية مختلفة. فلو نظرنا إلى رقعة الحياة الثقافية العربية اليوم، سنجد أنها تستقبل وتتعامل مع الخطابات الفكرية المختلفة المنتجة منذ القرن الرابع عشر وحتى ما يسمى بمدرسة ما بعد الحداثة. فالنقد الأدبي قد يقف عند أحدث محطات الفكر، لكنك لو ذهبت إلى بعض الدراسات الفكريّة فستجد أنها تقف عملياً عند القرن الخامس الهجري. هناك طروحات وتجارب على مستوى الشعر الحديث، تضاهي أكثر تجارب الغرب وطروحاته طليعيّة، في حين أن الوعي الشعري للمواطن العربي لم يصل حتى إلى الرومانسية. فكيف تريد منه ان يتفاعل مع الجديد والمفاجئ والاختباري؟ يتمتّع المجتمع العربي بطوبوغرافية فكرية متعددة إلى درجة انها تجمع بين ما يعود إلى ما قبل التاريخ وبين ما ينتمي إلى بعد الحداثة.

والمسألة ليست في أن تكون مع هذا أو ذاك، بل تكمن في ضرورة امتلاك وعي نقدي لكل هذه الخطابات. ولا بد لهذا الوعي أن ينطلق من ضرورات اللحظة الراهنة واستشراف المستقبل. الوطن العربي يعيش اللحظة التاريخية، ولديه مشكلات تتصل بالتراث وأخرى تتعلق بالغرب، وثالثة بالسلطة، وكل هذا يحتاج إلى تحليل من منظور نقدي. وفي هذا السياق، كل الانجازات الفكرية يمكن أن تكون عوامل مهمّة بصفتها أدوات تفـكير. أكانت لإدوارد سـعيد أو محـمـد عابد الجابري، أو الطيب تيزيني، او محمد جابر الأنصاري وغيرهم... ولا مانع مـن أن تكـون الرؤى متناقضة في ما بينها، فهناك دائماً سبيل للعثور على عناصر لقاء وتقاطع. فنحن لسنا في حاجة إلى رؤية واحدة باعتبارها تمثل الحل السحري.

  • هل تكمن مشكلتنا في الحاجة الدائمة إلى وصفة سحرية؟ أم اننا عاجزون عن اقامة الحوار بين "الوصفات" أو الأفكار والحلول المختلفة؟

أظن أن كثرتنا مرهقة، وتميل إلى حل سريع وشاق. لكن مثل هذا الحل غير ممكن، فليست هناك وصفات سحرية. علينا أن نتأمل في جميع "الوصفات" المطروحة، فنستبعد بعضها، وننفي بعضها، ونثبت بعضها... ولا بد هنا من وعي نقدي على درجة كبيرة من الحدة، سواء لقراءة التراث أو لمواجهة المشكلات المعاصرة. فمن علامات المرض أن نبحث في صيغة حل واحدة، بينما نحن نحتاج إلى صيغة مركبة. فالمسألة ليست في الاختيار بين هذه الصيغة وتلك، بل في التوصّل إلى صيغة مركّبة تكون خلاصة الخيارات المطروحة في العالم من حولنا.

قضيّة أبو زيد: محطات وتواريخ

  • ماي 1992: تقدم الدكتور نصر حامد أبو زيد بمجموعة أبحاث إلى اللجنة العلمية الدائمة في جامعة القاهرة للترقي إلى درجة أستاذ في قسم اللغة العربية وآدابها في كلية الآداب. وتبنت اللجنة التي تضم 13 أستاذاً منهم الدكاترة محمود مكي وعوني عبد الرؤوف وعبد الصبور شاهين، تقريراً سلبياً لهذا الأخير بغالبية 7 أصوات ضد 6. لكنّ قسم اللغة العربية وآدابها رفض قرار اللجنة، وأيده مجلس الكلية معتبراً أن أبو زيد يستحقّ الترقية، وأحيل الأمر إلى مجلس الجامعة.
  •  مارس 1993: رفض مجلس الجامعة ترقية أبو زيد. واعتمد تقرير عبد الصبور شاهين الذي جاء فيه أن أبحاث أبو زيد المقدمة لمنحه الترقية تمثل "جهلاً فاضحاً" وخللا في الاعتقاد". ولجأ أبو زيد إلى القضاء الاداري، فرفع قضية ضد قرار مجلس الجامعة.
  •  أفريل 1993: شن عبد الصبور شاهين من منبر مسجد عمرو بن العاص في القاهرة حملة تشهير ضد أبو زيد، واتهمه بالإلحاد، ونادى باستبعاده من التدريس.
  •  ماي 1993: أصدرت المنظمة المصرية لحقوق الانسان بياناً يندّد بحرمان أبو زيد من الحصول على درجة الأستاذية بسبب آرائه وأفكاره المنشورة في أبحاث ودراسات عالمية. واعتبر البيان أن "هذا الحرمان يشكل انتهاكاً خطيراً لحرية الفكر والاعتقاد".
  • جوان 1993: بدأت محكمة الجيزة الابتدائية للأحوال الشخصية للمسلمين النظر بدعوى تفريق بين أبو زيد وزوجته ابتهال يونس المدرسة في قسم اللغة الفرنسية في كليّة آداب القاهرة، رفعها المحامي محمد صميده عبد الصمد.
  •  جانفي عام 1994: أصدرت محكمة الجيزة الابتدائية حكماً بعدم قبول دعوى الحسبة التي رفعها محمد عبد الصمد. وقالت إنها تمتنع عن البحث في عقائد الناس، وإن القانون المصري لا يقبل أي طلب لا تكون لصاحبه مصلحة قائمة ومباشرة فيه. فقرر عبد الصمد الاستئناف.
  •  ماي 1995: حصل أبو زيد على الترقية إلى درجة الأستاذية في جامعة القاهرة.
  • جوان 1995: أصدرت محكمة استئناف القاهرة الدائرة 14 حكماً بالتفريق بين أبو زيد وزوجته، بسبب نشره كتباً فسرتها المحكمة بأنها كفر، يعتبر معه أبو زيد مرتداً.
  •  جوان 1995: أصدر المفكّر المصري بياناً جاء فيه: "لأنني باحث مسلم وهب حياته للدفاع عن الإسلام... أدهشني بقدر ما آثار غضبي سعي بعضهم لقتلي بدلاً من مناقشة أفكاري... ولأن الإسلام الناصع الصفاء لا يسمح بذلك، حاولوا التخفي وراء القانون متجاهلين أن دعوى تكفير المسلم بلا برهان ترتد على المدعي. فالله وحده هو الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور". ورفضت ابتهال يونس الاعتراف بهذا الحكم وقالت: "سأظلّ زوجته وسأموت معه".
  •  جوان 1995: أصدر المجلس الأعلى للثقافة بياناً أعرب فيه عن استنكار الحكم. ولجأت هيئة دفاع مكونة من 16 محامياً منهم عبد المنعم الشرقاوي، عليّ الشلقاني، أحمد الخواجة، عبد العزيز محمد، وابراهيم صالح... إلى محكمة النقض.
  • أوت 1995: سافر أبو زيد وزوجته إلى إسبانيا، ثم استقرّا في هولندا حيث لا يزالان.
  • جانفي 1996: أقرّ مجلس الشعب قانوناً ينظم اجراءات دعاوى الحسبة، جاعلاً رفع مثل هذه الدعاوى في يد النيابة. ثم أقرّ القانون 81 لسنة 1996 الذي يشترط لقبول دعاوى الحسبة أن يكون لرافعها مصلحة شخصية ومباشرة.
  • مارس 1996: أرسل أبو زيد اقراراً موثقاً عبر السفارة المصرية في هولندا إلى هيئة محكمة النقض، يقر فيه بإسلامه: "لأنني اعتز بإيماني بأن لا إله إلا الله وبأن محمداً رسول الله وبإيماني بنبل الإسلام وانسانية مقاصده، فإنني أود أن أؤكد من جديد أنني لم أقصد بكل ما كتبت الاساءة إلى الدين أو الطعن في قدسية القرآن الكريم أو الحديث النبوي الشريف، بل هي في التحليل الاخير اجتهادات بشرية تخطئ وتصيب. والاسلام الحنيف ـ دين العلم والعقل ـ جعل للمجتهد المخطئ أجراً وللمصيب أجرين".
  •  مارس 1996: قررت هيئة الدفاع عن أبو زيد، رد محكمة النقض في جلستها المعقودة، لأن "وجدان الدفاع يخالطه الشك والمظنة في حيدتها". فأجلت المحكمة الطعن إلى جلسة 25 آذار مارس عام 1996 لاتخاذ إجراءات الرد. إلا أن هيئة الدفاع رأت عدم السير في هذا الطريق باعتباره "أبغض الحلال في هذا السياق والمجال". وظن الدفاع ان هيئة المحكمة ستنحي نفسها، ولكنها لم تفعل، وقررت في جلسة 22 نيسان ابريل عام 1996 حجز الدعوى لإصدار الحكم.
  •  أوت 1996: أيدت محكمة النقض، برئاسة المستشار محمد مصباح شرابيه، حكم محكمة استئناف القاهرة بالتفريق بين نصر حامد أبو زيد وزوجته ابتهال يونس. وأعلن مصدر قضائي مسؤول أن ملف القضية قد أغلق، بعد صدور حكم محكمة النقض بتأييد التفريق، ولا مجال للعودة بالطعن على حكم النقض، ولا محل للاستشكال في وقف تنفيذ الحكم.

سيرة

  • 1943: ولادة نصر حامد أبو زيد في أسرة فقيرة من محافظة الغربية قرب مدينة طنطا. توفّي والده الذي كان يمتلك دكاناً بسيطاً في القرية، فإذا به في الرابعة عشرة، العائل الوحيد للأسرة.
  • 1961: حصل على دبلوم صنايع، وخدم كعامل فنّي في هيئة المواصلات السلكية واللاسلكية بين 1961 و1972. وفي تلك الفترة كتب الشعر والقصة القصيرة، ومارس نشاطاً أدبياً في مدينة المحلة الكبرى محافظة الغربية في جمعية أدبية بين أعضائها آنذاك جابر عصفور وآخرين، وخلال تلك الفترة واصل تحصيله العلمي فاجتاز المرحلة الثانوية والجامعية.
  • 1972: عيّن معيداً في كلية الآداب في جامعة القاهرة.
  • 1976: ناقش رسالة ماجستير بعنوان "المجاز في القرآن عند المعتزلة".
  • 1978-1980: سافر إلى الولايات المتحدة في بعثة علمية.
  • 1981: حصل على الدكتوراه من جامعة القاهرة بناء على أطروحته: "تأويل القرآن عند محيي الدين بن عربي".
  • 1981: تم استبعاده من العمل في الجامعة، ضمن قرارات أيلول سبتمبر التي شملت 65 أستاذاً. ونقل أبو زيد إلى وزارة الشؤون الاجتماعية، إلا أنه عاد بحكم قضائي بعد مقتل الرئيس أنور السادات.
  • 1982-1985: درّس في جامعات القاهرة وبني سويف والخرطوم.
  • 1985-1989: سافر إلى اليابان بدعوة من جامعة أوساكا، وفيها ألف كتابين: "مفهوم النص -دراسة في علوم القرآن" و"نقد الخطاب الديني".
  • 1989-1996: أستاذ البلاغة في كلية الآداب في جامعة القاهرة. حتّى اندلاع القضيّة، وسفره للعمل في جامعة ليدن في هولندا.
  •  نشر أبحاثاً عدة أشهرها "مشروع النهضة بين التوفيق والتلفيق". ومن أبرز مؤلفاته: "مفهوم النص -دراسة في علوم القرآن"، "نقد الخطاب الديني"، "الاتجاه العقلي في التفسير"، "فلسفة التأويل"، "الإمام الشافعي وتأسيس الايديولوجية الوسيطة"، "التفكير في زمن التكفير"...
الكلمات المفاتيح:
شارك :