تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

:شارك

حكومة الفخفاخ: حكومة «مطافئ» اقتصادية

0
شارك :

عبد السلام الهرشي

بعد عقبات كثيرة واختلافات كادت تؤدي إلى انتخابات سابقة لأوانها، تمكن رئيس الحكومة المكلف، إلياس الفخفاخ، من جمع الأحزاب المشاركة في الحكومة المقترحة على طاولة واحدة لإمضاء الوثيقة التعاقدية. تنفس الجميع الصعداء مع بيان مجلس شورى حركة النهضة الأخير، والذي أعلن مساندة الحركة للحكومة وقرارها بالتصويت لفائدتها. إلياس الفخفاخ قال إن حكومته ستكون "حكومة الوضوح واستعادة الثقة"، لكن الأكيد أن انتظارات التونسيين من هذه الحكومة أبعد بكثير من الوضوح واستعادة الثقة بالنظر إلى التحديات الاقتصادية الحارقة التي تنتظرها، بداية بقانون المالية لسنة 2020، والذي وصفه أحد الخبراء بأنه لا يتعدى أن يكون "وثيقة حسابات" وليس قانون مالية ونادى بسرعة إعداد قانون مالية تكميلي تجنبا لتداعيات قد تحدث في المستقبل.

قبل أسبوع أعلن رئيس الحكومة المكلف عن حكومته الجديدة، حكومة تأسست على أساس صراع بين الأطراف المشاركة في الحكومة نفسها إضافة إلى الصراع بين رئيس الجمهورية قيس سعيد ورئيس مجلس النواب راشد الغنوشي. التحديات داخل الائتلاف المشكل للحكومة قد تصعب مهمة الفخفاخ في المستقبل إضافة إلى التحديات الاجتماعية التي تعيشها تونس والمتمثلة في ارتفاع نسبة الفقر بسبب ارتفاع الأسعار المتواصل منذ تسع سنوات، ما أدى إلى تراجع القدرة الشرائية للمواطن وارتفاع وتيرة الاحتجاجات، والتي لها تأثير مباشر على الاقتصاد.

إضافة إلى التحديات الاجتماعية والسياسية، تعتبر الملفات الاقتصادية، أهم التحديات التي ستواجه حكومة الفخفاخ، حكيم بن حمودة وزير المالية الأسبق قال في تصريح لموقع "صواب الرأي" إن على الحكومة القادمة "الإسراع بإنجاز قانون مالية تكميلي لإنقاذ السنة المالية 2020، لأن قانون المالية الأصلي يعطي التوجهات العامة في حين أن القانون التكميلي يحاول إصلاح بعض النقائص ويمكّن من تغيير بعض التوجهات" موضحًا بأن "كل هذا يتطلب تشكيل تحالفات ثم تشكيل حكومة ثم تعيين وزير مالية وأعتقد أن الوضع الحالي يتطلب الإسراع في هذه المراحل". 

حكومة إلياس الفخفاخ ستواجه إلى جانب ذلك مشكلة كبيرة في ما يتعلق بالتنمية والإصلاحات، فقانون المالية الحالي قد قلص من هامش تحرك الحكومة القادمة، فالحكومة لا تملك سوى حوالي 2470 مليون دولار كميزانية تنمية مبرمجة لسنة 2020 لتمويل إصلاحات ومشاريع تم برمجتها. في المقابل رصد قانون المالية حوالي 250 مليون دولار بعنوان مبالغ غير موجهة، وهو ما يعني أن هامش تحرك حكومة الفخفاخ لا يتعدى 250 مليون دولار، أي ما يعادل 0.53 بالمائة من الميزانية، وهو ما يجعل تحقيق تقدم في ميدان الاصلاحات نظريا أمرا مستحيلا. ويوضح وزير المالية رضا شلغوم في تصريح لوسائل إعلام "بأن نفقات التنمية ارتفعت من 6150 مليون دينار في قانون المالية الأصلي إلى 6250 مليون دينار في قانون المالية التكميلي. ليضيف: "هذه الميزانية ستمكّن من المساعدة في تحقيق أرقام جيّدة في السنة القادمة وقد برمجنا في قانون المالية لسنة 2020 حوالي 6900 مليون دينار كنفقات تنمية، كما يُتوقع أن يتقلص عجز الميزانية ليصل إلى 3%، هذا وبرمجنا حوالي 700 مليون دينار كمبالغ غير موزعة للحكومة القادمة، لكن التحسن يبقى محدودا ويجب العودة إلى الإنتاج والإنتاجية".

الميزانية

كما ستواجه الحكومة القادمة اقتصادا مترهلا تعاني جميع قطاعاته المركزية من أزمات مالية وهيكلية، أهم هذه القطاعات هو الفسفاط الذي لا يزال يعاني تراجعا كبيرا في الإنتاج بسبب الاضطرابات الاجتماعية، حيث صرح محافظ البنك المركزي في جلسة حوار في مجلس نواب الشعب بأنّ الدولة "لا تجد منافذ عدة لتمويل الميزانية نتيجة توقف الأنشطة الحيوية لمدة طويلة، وخاصّة منها استخراج الفسفاط والمحروقات ما أدّى إلى "حرمان الدولة من أرباح بقيمة 935 مليون دولار في 2019 (مقارنة بسنة 2010)، فيما تقدر هذه الأرباح المهدورة منذ سنة 2011 بنحو 6،7 مليار دولار". بالنظر لهذه التراجعات أصبحت تونس تعاني مشكلة خارجية في علاقة بالتصنيف فبعد أن كانت تحتل المرتبة الثانية بعد المغرب سنة 2010، أصبحت اليوم غير مصنفة. كما ستواجه الحكومة تحديات أخرى تتعلق بالوضعية السلبية للمؤسسات العمومية، ارتفاع نسبة البطالة، ومشكلة الأجور، التي تجاوزت 40 بالمائة من ميزانية الدولة، وكذلك تراجع سعر صرف الدينار، إلى جانب عجز الميزان التجاري، الذي تفاقم ليصل إلى ما يقارب  7000 مليون دولار موفى ديسمبر  2019، إضافة إلى فقدان الأسواق العالمية في ما يتعلق بالمنتوجات الفلاحية، وهذه المشكلة تسببت في انهيار أسعار زيت الزيتون و فساد نسبة من محصول القمح الذي كان قياسيا سنة 2019 و خلفت موجة احتجاجات اجتماعية كبيرة لفلاحي القوارص والألبان. ولئن سجل القطاع السياحي تحسنا في سنة 2019 إلا أنه يبقى دون المأمول مقارنة بحاجة تونس من العملة الصعبة.

خارجيا ستواجه حكومة الفخفاخ التحدي الاقتصادي الأصعب والأخطر وهي الديون العمومية التي تعتبر من أكبر المعضلات التي تواجه الحكومات المتعاقبة بعد الثورة، وستبلغ قيمة هذه الديون حسب قانون المالية لسنة 2020 حوالي 33.600 مليون دولار منها 25 مليون دولار بنسبة 75 في المئة ديون خارجية والبقية أي نسبة 25 في المئة ديون داخلية. وستضطر تونس سنة 2020 إلى اقتراض حوالي.4 مليار دولار لتنفيذ ميزانية 2020 منها 3200 مليون دولار متأتية من القروض الخارجية والبقية من القروض الداخلية. يقول الخبير الاقتصادي وليد بن صالح إن الحكومة وضعت في قانون المالية 2020 توقعات بالحصول على قرض بقيمة مليار يورو من السوق المالية العالمية، وهو أمر صعب جدًا، إضافة إلى توقعات بالحصول على الشريحة الأخيرة من القرض الممدد لصندوق النقد الدولي، ويضيف بن صالح في تصريحه لــ "صواب الرأي" الأخطر أن "هناك أكثر من 11.7 مليار دينار خدمة دين في 2020 وهو رقم كبير جدًا".

الديون

كما ستضطر الحكومة القادمة إلى تسديد أصل الدين العمومي لسنة 2020 ومنها أقساط قرض صندوق النقد الدولي البالغة 193 مليون دولار، وقرض السوق المالية العالمية بـــ 400 مليون دولار وقسط من الاكتتاب القطري المقدر بـ 250 مليون دولار، فضلا عن تسديد رقاع الخزينة بمبلغ جملي يناهز 774 مليون دولار وأقساط من القرض البنكي بالعملة الصعبة بمبلغ 248 مليون دولار.

رغم ثقل الدين العمومي ستضطر حكومة الفخفاخ إلى مواجهة مشكلة أخرى وهي السيولة التي تعصف بالدولة منذ سنة، يقول الخبير الاقتصادي عز الدين سعيدان في تصريح لوسائل إعلام إن "معدل إنفاق الدولة يصل إلى قرابة 1430 مليون دولار شهريا، منها حوالي 600 مليون دولار أجور الوظيفة العمومية فقط والـتأخير الذي حصل في دفع أجور شهر جانفي الماضي كان سببه الحقيقي عدم توفر سيولة كافية بخزينة الدولة وهو ما يضطر الحكومة القادمة إلى البحث عن حلول سريعة لمشكلة السيولة".

لم تحقق تونس في سنة 2019 سوى 1 بالمئة كنسبة نمو. والأخطر أن الاقتصاد التونسي سجل في الثلاثية الثالثة لسنة 2019 صفر بالمئة كنسبة نمو وفي الثلاثية الرابعة 0.1 بالمئة، أي أن حكومة الفخفاخ وفي مواجهة تحديات حارقة كهذه ستعمل كـ "حكومة مطافئ"، كما ستضطر إلى إجراء مفاوضات جديدة مع صندوق النقد الدولي المتمسك بالإصلاحات التي فرضها على الدولة التونسية في إطار قرض سنة 2016، بعد تعليقه صرف الأقساط المتبقية من القرض.

وسوم
شارك :