تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هل إن الغنوشي ورعيته مستعدون ليحكموا تونس؟

شارك :

نائلة السليني

منذ 2011 سارت بين الناس عبارة استحوذت على النقاش العام بالبلاد، فكانت محدّدا صارما لكثير من المواقف ومعدّلا لها...هذه العبارة " أنا لست بإخواني، وأختلف معهم في الكثير من القضايا ولكني احترمهم". هي عبارة كما تلاحظون تكتنز حقائق كثيرة، ولعلّ أهمّها أنّ الإخوانيّ، رغم انتمائه إلى التنظيم، والتزامه بمبادئه يسعى إلى التقية ولباس قناع الاستقلالية لضمان قبوله بين الناس، مثلما هي عبارة حاملة لاقتناع الجماعة أنّهم تنظيم مختلف عن المجموعة ويحمل في كيانه نشازا ينفّر الناس منهم. وإذن هم قوم مختلفون إن لم نقل منبوذين.

ونشير أيضا إلى أنّ هذه العبارة كانت محلّ إجماع من طرف أصحاب التنظيم منذ ذلك التاريخ، ومهما اختلفت بهم الأرض سواء كانوا بتونس أو مصر أو المغرب... وكادت هذه العبارة تذوب في النقاش العامّ لما طالها من اهتراء، ولما رافقها من كذب على الذقون، فصارت عبارة متآكلة بل ومفتّتة. لكن، ومنذ ما يقارب الشهر والنصف، أي منذ تعيين الحبيب الجملي من طرف الغنوشي رئيسا مقترحا للحكومة عادت هذه العبارة لتكون فاتحة تصريحات الجملي الصحافية: ''أنا مستقل دون أدنى شك، ليس فقط عن النهضة بل عن جميع الأحزاب السياسية، لم ولن أنتمي لأي حزب والمقربون مني يعرفون ذلك".

ونحن أمام مثل هذه التصريحات لا نملك أن نتساءل: كيف لحزب حركيّ، ومنتمي للتنظيم الدولي. حزب حامل لحلم الخلافة، أن يستأمن شخصية مستقلّة لتكوين حكومة؟؟ هل هو بهذا الغباء السياسي حتى يستأمن حلمَه شخصية مستقلّة؟؟؟ أ لكفاءتها؟؟ وحسن درايتها في تدبير الحكم؟؟ وهل يفتقر حزب التنظيم إلى شخصيات من داخل المعبد تحمل مثل خصال الجملي؟؟ قد يكون هو العصفور النادر أيضا، بعد أن شغف شيخ الإخوان باصطياد العصافير؟؟!!!

لنقل إنّ "الخوانجية"، وهو مصطلح شعبي يعني به التونسيون الإخوان بتونس، اكتووا بتجربة فاشلة عندما خرجوا إلى الناس ذات شتاء في 2012 مكشوفيّ الرؤوس وعيّنوا حمّادي الجبالي، ولنقل في اختصار شديد كانت تجربة حكمهم عبارة عن سقطة مدوّية، رغم سعيهم إلى ترقيع الأمور وتعويضه بعلي العريض الذي أسهم في أن تدحرج هرم معبدهم بمثل تلك السرعة، وعاشت البلاد سنتين عصيبتين وأياما بائسة دفعتهم إلى اعتصام باردو... ومنذ ذلك التاريخ تحوّلت حياة التونسيين إلى كابوس : من كابوس التوافق بين النداء والخوانجية إلى كابوس الاقتصاد المتهافت واستشراء الفساد بجميع أنواعه ، الاقتصادي والسياسي والاجتماعي. وفي جميع ما عاشه التونسيون لم يروا وجه الغنوشي بقدر ما كان السبسي درعا يقيهم نيران النقد وسهام الإدانة. وعلى هذا الأساس نقول إنّ الخوانجية عاشوا فترة سكينة في ظلّ النداء باعتباره واجهة حامية لهم بعد أن أدارت بظهرها لناخبيها. وأمكنهم طيلة هذه السنوات الخمس أن ينتشروا في البلاد طولا وعرضا، وأن يشرعوا في تطبيق سياسة التمكين التي من دونها لا يمكن لأيّ إخواني أن يمسك بزمام الحكم. دخلوا تونس العميقة، ووفّقوا في تغيير الصورة النمطية للمجتمع. وبقي الجوهر أو قل الروح، وتلك مرحلةٌ هامّةٌ ومصيريةٌ في البرنامج الإخوانيّ حتى يستكمل للخلافة كيانها.

إذن ندرك انّ الخطأ كان واحدا سواء بمصر أو تونس. لكن، تحلّى الغنوشي بدهاء سياسيّ، وقوامه اقتناص الفرص وعدم الثبات على المبدإ في سبيل الحفاظ عليه. مثلما أمكنه أن يتعّظ من تجربة مرسي وطرد الإخوان من الحكم حتى يلتمس لحركته مكانا في الظلّ على أن لا يكون قصيّا في انتظار اللحظة الحاسمة.

لكن حملت إليهم انتخابات 2019 ما ليس مرتقبا: فرغم التضحيات بالمال والمناورات. وما اعتبروه تنازلا في إراقة ماء الوجه لم تمنحهم الانتخابات مكانا مريحا، تآكل جسمهم الانتخابي من مليون و500 ألف منتخب إلى 350 ألف. ليتكفّلوا، باعتبارهم الحزب الأوّل بالبلاد، بتعيين رئيس للحكومة.

وإذا بعبارة " المستقل" تطفو على سطح التعيين من جديد. وإذا بها لفظة جذّابة ولها من القدرة ما يكفل للجملي، حسب اعتقادهم قاعدة مريحة حتى " يشكّل" حكومة ذات طابع مستقل وتتميّز "بالكفاءات" لإنقاذ تونس. كيف لا وهو المهووس بمستقبل تونس!!!!

لكن، استتبع الحوار مع الأحزاب شرطا كان حاضرا وجوهريا، إنّه شرط تنازل خوانجية تونس عن نقاط أساسية حتى يمكن إنقاذ البلاد. وطالت الجلسات وتتالت مع الشخصية المستقلّة " جدّا"، وجميعها كان يدور حول كيفية إقصاء الخوانجية عن وزارات السيادة. أي الوزارات الحيوية بالنسبة إلى البلاد والعباد وحمايته من شرّ الإخوان، وبعبارة أخرى الوزارات التي تضمن تمكينهم وامتلاك أعناق الناس. وهنا مكمن الداء:

إذ عمّ سيتنازلون؟ وكلّ وزارة تحمل في رحمها نطفة من مشروعهم الاجتماعي والسياسي؟؟ هل سيتنازلون عن وزارة الداخلية ورؤوسهم في فوهة تنين بعد إدانتهم بالجهاز السرّي وامتلاك وثائق تثبت ذلك ؟؟؟ عمّ سيتنازلون؟؟ عن وزارة العدل؟ بعد أن أحكموا دواليبها وأمسكوا بمقاليدها منذ 2012؟؟ ولا يخفى عنّا دور هاتين الوزارتين في تأجيل قضايا أو إخفائها، من ذلك مسألة فرار أبي عياض، ومسألة التسفير إلى سوريا والاعتداء على مقرات اتحاد الشغالين. وعمليات الرشّ بسليانة ... وما حدث في 9 أفريل 2012 بشارع بورقيبة... هل سيتنازلون عن وزارة التربية وهم المؤتمنون على عقول الأطفال لتكوين أمّة الإخوان؟؟؟ أم سيتنازلون عن وزارة الشؤون المحلّية وما لها من دور في التسرّب إلى تونس العميقة؟؟

وهل لمست الأحزاب المحاورة إشارات تفيد بأنّهم سيتنازلون؟؟

إنّهم قوم لا يرون أخطاءهم، ولا يسعون إلى تقييم تجاربهم، وهل تدرون لماذا؟ لأنهم ببساطة قوم يعملون بأوامر مرشدهم، ويرون في أقواله وأفعاله شبه نبيّ، ولا يجوز نقده، فطاعة الله تمرّ عبر طاعة وليّ الأمر. وبما أنّ الغنوشي شاء فالأقدار يجب عليها أن تشاء. ولذلك فالمحاسبة فعل إنسانيّ ومريدهم أرفع من مراتب الإنسانية. وإذا قام فيهم مخالف فهو بمثابة الناعق. يجب قطعه إن لم يختر لنفسه الانزواء والسكوت.

ولذلك تراكمت الأخطاء، ودخل الخوانجية الانتخابات الأخيرة بعيب في بنيتهم، وهشاشة في عظامهم، وبتمزّق في أعضائهم. ولا يغرّنا استيلاء الغنوشي على رئاسة البرلمان، وإن قلنا استيلاء فلأنّه ناور واحتال وراوغ " قلب تونس"...فقد أمسك بالحكم وهو يحمل إرثا من الفشل ثقيلا.. وليس أدلّ على ذلك من تعثّر المشاورات التي هي بدورها صارت مرتهنة بالمناورات والمحاصصات، وذاك مظهر من مظاهر ضعف الخوانجية الذين كانوا في 2014 في وضع أشدّ راحة ممّا هم عليه اليوم.

اليوم يتحاور الخوانجية مع من يرون فيهم أحلافا وهم يحملون وهم الشعبية الذي اعتقدوا أنه سيحميهم من السقوط. يتحاورن وهم يواجهون معارضة تضم أغلب الفئات الفاعلة والمؤثرة في المجتمع، والدليل على ذلك أنّها معارضة استطاعت أن تعيدهم إلى حجمهم الحقيقي في المجتمع، وجعلت منهم " كالمقعد يريد نهوضا" أو حاطب ليل على قول ابن خلدون.

في تونس نقول: منّا تكوي... ومنّا تشوي… وهذا حالهم اليوم.

وما سيحفظه التاريخ هو أنّ ساكني المعبد يتملكهم شغف مجنون بالسلطة حتى وإن أدّى إلى تدمير البلاد فمصالح الجماعة هي الأصل، وطز في تونس قياسا على قولة مهدي عاكف.

على نفسها جنت براقش... فالخوانجية هم من تسبّبوا في فشل مشروعهم. لأنّهم خطّطوا سيرتهم بعقلية الجماعة منذ 2012.

ولذلك يعود الخوانجية إلى الحوار فيما بينهم حول نقاط ثلاث: إمّا العودة إلى التحالف مع قلب تونس، الجالس على الأعتاب مرتقبا أو تقديم حكومة خوانجية خالصة. وفي كلتا الحالتين لن تحصل المبادرتان على التصويت. ويكون المآل إلى حكومة الرئيس.

وفي الأثناء تونس تئنّ تحت ركام المعبد الذي بدأ في الانهيار على سكّانه.

الكلمات المفاتيح:
شارك :