تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

:شارك

هل باستطاعة الجزائر تخطي أزمتها الاقتصادية المديدة؟

0
شارك :

يحيى زبير*

دخلت الأزمة السياسية في الجزائر أسبوعها الثامن والأربعين بعد أن بدأت عندما أعلن أتباع الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في 10 فبراير 2019 أنّه سيترشّح لمنصب الرئاسة للمرّة الخامسة. وبعد أن انطلقت الحركات الاحتجاجية في 22 فبراير، ما زال الملايين من الجزائريين يقيمون مسيرات في البلاد كل نهار جمعة للمطالبة بتفكيك النظام وتأسيس نظام ديمقراطي مدني حقيقي. وفيما أسقط الجيشُ بوتفليقة بالقوة في 2 أبريل، ليس الحراك راضياً عن الإجراءات المنقوصة أو الإصلاحات الشكلية التي تُقدّمها السلطات. عوضاً عن ذلك، ينبغي على الحكومة أن تعالج المطالب التي وضعها الحراك وأن تبادر بتغيير حقيقي عوضاً عن اللجوء إلى الخداع للمحافظة على النظام الحالي.

كيف آلت الأمور إلى الوضع الحالي

لقد أفضت السنوات العشرين الأخيرة من حكم بوتفليقة السلطوي والفاسد والغنائمي، وطبيعة النظام السياسي السائد منذ الاستقلال في العام 1962، إلى تصدّع حقيقي للعقد الاجتماعي. إذ فَقَد الحكّام شرعيّتهم وما عاد الشعب الجزائري راضياً بأن يخضع لحكم بحسب النظام القديم.

وبعد أن واجهت حكومة بوتفليقة حركة احتجاجية شديدة في العام الماضي، باشرت بخطّة طريق قبل أن تمّ إسقاطه في 2 أبريل. فسعى نائب الرئيس ورئيس هيئة أركان الجيش النافذ أحمد قايد صالح إلى تطبيق هذه الخطّة. وكانت غايته أن يُعيّن رئيساً موالياً له ليؤمّن واجهة مَدنية للجيش بغية المحافظة على النظام نفسه. وفيما نجح الحراك بإجبار النظام على إلغاء عمليّتين انتخابيتين كان من المخطّط إجراؤهما في أبريل ويوليو، تمكّن صالح من فرض تاريخ جديد (12 ديسمبر) من دون أخذ رغبة الشعب بعين الاعتبار. فاعترض الملايين من الجزائريين في البلاد وخارجها على انتخابات 12 ديسمبر، وكانت نسبة إقبال الناخبين لهذه الانتخابات الأدنى في تاريخ الجزائر. (ادّعى بيان رسمي بأنّ نسبة 41 في المئة من الناخبين شاركوا في التصويت، بيد أنّ أفضل التقديرات تراوحت بين 10 و15 في المئة). وكما عبّرت الصحيفة الألمانية داي تزايت (Die Zeit) عن الأمر، ينبغي أن يفوز النظام الجزائري بجائزة نوبل للاحتيال. فقد ادُّعي أنّ رئيس الوزراء السابق عبد المجيد تبون (أحد المرشّحين الخمس، كلّهم من النظام السابق) حاز نسبة 58 في المئة من الأصوات وبات الآن رئيساً. لكنّ تبون كان خيار أحمد قايد صالح، والسباق بين المرشّحين الخمس ما هو إلا ذرّ رماد في العيون.

ولم تسهم الانتخابات أبداً في التخفيف من مطالب المحتجّين، لا بل على العكس، فقد برهنت مسيرة أقيمت قبل بضعة أيام في 10 يناير 2020 على أنّ الحراك، على الرغم من بقائه سلمياً بشكل لافت، لم يفقد زخمه. فالمحتجّون ليسوا على استعداد للتخلّي عن مطالبهم الأساسية. فقبل أسبوع من المسيرة، أطلقت الحكومة سراح 76 مُحتجزاً سُجنوا في عهد سلطة صالح المتشدّدة قبل موته المفاجئ في 23 ديسمبر. وفي اليوم ذاته الذي أطلق فيه سراح السجناء تشكّلت حكومة جديدة برئاسة عبد العزيز جراد.

تقصير الحكومة الجديدة

توّقعت الحكومة الجديدة أن يهدّئ هذا الإجراء من روع الحراك، لكن عبثاً. فمع استثناءات قليلة جداً، خدم معظم المعيّنين الجدد (وزراء ومندوبو وزراء وأمناء سرّ الدولة) قبلاً في عهد بوتفليقة في وظائف حكومية مختلفة، وخدم قرابة ثُلث الوزراء في الحكومة الجديدة (11 من أصل 28) قبلاً في حكومة بوتفليقة. ومع أنّ رئيس هيئة الأركان بالنيابة السعيد شنقريحة، وهو وجه ليبرالي أقلّ ظهوراً امتنع عن تولّي منصب نائب وزير الدفاع، يعمل بصعوبة على فصل الجيش الوطني الشعبي عن السياسة، يبقى النظام السياسي ذاته قائماً. وأصبح تبون الآن وزير الدفاع (المرّة الأولى التي يتبوّأ فيها مدنيّ هذا المنصب) وقائداً أعلى للقوّات المسلحة، لكنّ هذا لا يعني أنّ له سلطة فعلية. ولا يريد الجيش أن يعطي الانطباع بأنّه منخرط مباشرة في السياسة (كما كان في عهد صالح) عبر تبوّؤ أحد من صفوفه منصب نائب وزير الدفاع. واتّخذ الجيش هذا القرار عقب الأزمة الحادة في البلاد وفي صفوفه جرّاء سجن قادة وضباط مخابرات كبار وقرابة 30 وزيراً ورئيس وزراء سابقاً، فضلاً عن أزمة طالت جنرالات فارّين في الخارج، وذلك من أجل الحفاظ على وحدته. ويرغب الجيش الآن بتفادي إعطاء الانطباع بأنّه في حالة مواجهة مباشرة مع الحراك.

وهكذا، فوّت الرئيس تبون فرصة ذهبية ليولّد الثقة بين الدولة والمجتمع وليبدأ بعملية انتقالية حقيقية نحو نظام سياسي ديمقراطي. وبشكل غير مفاجئ، رفض المحتجّون الحوار من جديد مع ما يرونه أنّه رئيس وحكومة غير شرعيَّين. فهم يطالبون بحكم مدني وبإقصاء المسؤولين الفاسدين. فالجزائريون يريدون استقلالاً حقيقياً من القمع والحكم السلطوي والغنائمية والمحسوبيات والزبائنية والحكم الفاسد. إنما يريدون “جمهورية جديدة”.

للمحتجّين، تعيينُ بضع شخصيات تكنوقراطية في الحكومة أمر لا أهمّية له ويدلّ على أنّه ليس لتبون النيّة بتغيير النظام. وترى الحركة الشعبية كلّ خطوة تخطيها الحكومة محاولةً للمحافظة على النظام ذاته الذي يريد المحتجوّن التخلّص منه، وقد لجأ النظام في السابق إلى تغييرات شكلية (مثلاً بعد أعمال الشغب العنيفة في العام 1988 عندما غيّرت الحكومة الدستور وسمحت بنشوء نظام تعدّدي الأحزاب) كاستراتيجية لإنقاذ النظام وإنعاشه بعد وقوع أزمة كبيرة.

والنتيجة أنّ السلطات الجديدة قدّمت تنازلات زهيدة للحراك. فليس إطلاق سراح بعض المعتقلين السياسيين ببادرة حقيقية، لأنّ هؤلاء المعتقلين سُجنواً ظلماً أصلاً. زد على ذلك أنّ المعتقلين الباقين، ومنهم مَن يمثّل الحراك فعلاً، ما زالوا في السجن.

تقول الحكومة إنّها تريد التحاور (الحراك مُدرك أنّها محاوَلة لإحداث شرخ في الحركة الشعبية)، لكن في ظلّ الظروف الراهنة، لا منفعة في الحوار سوى أنّه يمنح الحكومة بعض الشرعية التي تفتقر إليها. والأزمة ليست سياسية فحسب. فقد تأثّر الاقتصاد شديد التأثّر منذ انهيار أسعار النفط في العام 2014، ولا سيّما أنّ الدولة الريعية لم تنوّع يوماً في اقتصادها. وأبعدت الأزمة الراهنة الاستثمارات الأجنبية المباشرة. ولم تعيّن الحكومة وزير اقتصاد بعد، ربّما لأنه ما من اقتصادي مرموق (مثلاً أحمد بن بيتور الذي يرفض الانضمام إلى الحكومة) يرغب في الانضمام إلى نظام لا ثقة فيه. وبعيداً عن الاقتصاد، يشكّل استمرار الأزمة خطراً أمنياً، فالجيش عرضة لخطر خسارة مكانته العالية لدى الشعب في وقت تواجه فيه الجزائر مخاطر كبيرة على طول حدودها، وبالتحديد من ليبيا والساحل.

دعوة للاحترام المتبادل

كيف تستطيع الجزائر تخطّي الأزمة؟ يبقى الحلّ الذي لا مفرّ منه هو عملية انتقالية ديمقراطية حقيقية من خلال جمعية دستورية أو أيّ آلية انتقال مُتّفق عليها. ويعني ذلك حَلّ البرلمان الحالي واستبداله في نهاية المطاف بممثّلين أصيلين مُنتخبين ديمقراطياً، فضلاً عن تشكيل لجنة انتخابية مستقلّة مُعيّنة ديمقراطياً ووضع حدود صارمة للولاية الرئاسية. ويتطلب إنشاء حكم القانون والحوكمة الرشيدة والمؤسّسات القوية في الجزائر التعاونَ مع ممثّلي الحراك اللاحقين.

قبل الشروع في إجراء من هذا النوع، ينبغي على السلطات تحرير كلّ المعتقلين السياسيين لخلق ظروف توحي بالثقة للمفاوضات. ومن الممكن الوصول إلى اتّفاق بين الدولة والمعارضة، لكنّ ذلك يتطلّب ألا يكون الموظفون الفاسدون طرفاً في هذا الإجراء. عوضاً عن ذلك، في الدولة أفرادٌ وطنيون بالفعل ينبغي أن يكونوا جزءاً من العملية الانتقالية. وينبغي أن تكون الشرعية الشعبية أساس النظام الجديد، فيما ينبغي أن يكون القضاء مستقلاً (لا معوّلاً على اتصالات من المسؤولين لإصدار الأحكام). ومن الضروري طبعاً الوصول إلى تسوية بين الأحزاب السياسية المستقلة والقوى الاجتماعية والرئاسة والحراك.

وإن رغب الرئيس الجديد في النجاح في إرساء الثقة، عليه أي يُبدي رغبة حقيقية بالاستماع إلى مطالب الحراك والمجموعات الاجتماعية والسياسية المعنية الأخرى، لا أن يباشر بالمفاوضات مع اقتراحات موضوعة مسبقاً. ويشكّل قرار تبون في 8 يناير بتعديل الدستور خطوة صغيرة إلى الأمام، شرط أن يلبّي هذا القرار بعض الشروط. فقد طلب من اللجنة المسؤولة عن الموضوع التركيزَ على “أخلقة الحياة العامة ومكافحة الفساد” و” تعزيز فصل السلطات وتوازنها” و” تعزيز سلطة البرلمان الرقابية” و” تعزيز استقلالية السلطة القضائية” و” تعزيز المساواة بين المواطنين أمام القانون” و” التكريس الدستوري لآليات تنظيم الانتخابات”. وهذه أهداف أساسية، لكن للأسف وضعت الدساتير الجزائرية أهدافاً مماثلة لها في الماضي من دون أن تطبّقها يوماً. وفي العام 2014، احتفظ بوتفليقة باقتراح دستوري واحد من أصل 32 اقتراحاً كان قد طرحها المستشار ذاته في القانون الدستوري. ولا يمكن أن تصبح هذه المراجعة مجرّد مشروع تقني يقوم به الأكاديميون بل ينبغي أن تشكّل مشروعاً سياسياً يأخذ بالاعتبار طبيعة الدولة والجيش، فضلاً عن الاعتبارات الاجتماعية الاقتصادية والجيوستراتيجية والتعليمية والثقافية.

ما هي الضمانات التي ستضعها الدولة لمنع رئيس آخر من تعديل الدستور بحسب ما يطيب له، كما فعل بوتفليقة في العام 2008 وفي العام 2016؟ ينبغي أن يجعل الدستورُ تمديدَ فترة الحكم أمراً مستحيلاً. هل من ضمانة أنّ الدستور المُعدّل سيحرص على توازن السلطات في الدولة؟ لا يستطيع تبون ببساطة أن يقدّم طرحاً موضوعاً مسبقاً، بل عليه الإقرار بمعايير الحركة الشعبية وبالطبقة السياسية القديمة. لقد ولّى زمن القرارات الأبوية. وعلاوة على الدستور، على السلطات مراجعة قوانين أخرى (حول الانتخابات والإعلام ووسائله والأحزاب السياسية، إلخ). والتشكيك في هذا الأمر مبرّر لأنّ النظام يتّبع الممارسات ذاتها ويوظّف الأشخاص ذاتهم الذين باتوا الآن مسؤولين عن تقديم دستور معدلّ. وينبغي على تبون السماح باستقلال الإعلام وتشجيع النقاشات السياسية غير المقيّدة، وعليه أيضاً أن يوقف قمع الحراك في خلال الاحتجاجات.

لكن الأهم هو أن تعلن الحكومة عن استعداد حقيقي للتفاوض. وعلى الحراك والقوى السياسية الأخرى من جهتها القبول بالتعدّدية والإعلان عن استراتيجية ووضع رؤية للمستقبل وتقديم اقتراحات حقيقية (حتّى لو فعل بعض الأشخاص ذلك بشكل منفرد). ولكي تحظى الجزائر بأمل بالتقدّم، ينبغي على الأطراف كافة في الحوار الاتفاق على عدم رفض الآخر تلقائياً.

*يحيى ح. زبير هو زميل زائر في مركز بروكنغز وبروفيسور أول في الدراسات الدولية ومدير الأبحاث الجيوسياسية في كلية كيدج للأعمال في فرنسا.  درّس زبير، قبل انضمامه إلى كلية كيدج في العام 2005، في عددٍ من الجامعات في الولايات المتحدة وكان أستاذاً في عددٍ من الجامعات في الصين وأوروبا والولايات المتحدة والهند وأندونيسيا وكوريا الجنوبية والشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وسوم
شارك :