تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

:شارك

هل ستكون تونس من الجمهوريات التركية

0
شارك :

نائلة السليني

والجمهوريات التركية، أعزّكم الله، هي تلك الدول التي تحمل نفس الإرث الثقافي وتتكلّم باللغة التركية أو لغة متولّدة عنها. وتتوزع هذه الشعوب التي تحمل نفس الخلفية الثقافية واللغوية التركية في المنطقة الممتدة " من سيبيريا في شرق روسيا، مرورًا بمنطقة وسط آسيا حتى أوروبا الشرقية. وحاليًا يوجد أكبر تجمع للدول والشعوب التركية في منطقة وسط آسيا، التي تضم جمهوريات كازاخستان وتركمانستان وقيرغيزستان وأذربيجان وأوزبكستان، إضافة إلى تركيا، ومن بعدها جمهورية أذربيجان في القوقاز. كما تعيش الشعوب التركية أقليات ضمن أقاليم دول أخرى، مثل شبه جزيرة القرم في أوكرانيا، وتركستان الشرقية (سنكيانغ في الصين)، وشمال العراق، وإيران، وإسرائيل، وروسيا (وأكبرها التتار والباشكير والتشوفاش) وأفغانستان (التركمان والأوزبك) وقبرص، والبلقان، ومولدوفا، ويوغوسلافيا السابقة، وبلغاريا، ورومانيا، إضافة إلى وجود أقليات صغيرة في كل من ليتوانيا، وشرق بولندا، وجنوب شرقي فنلندا، إضافة إلى الجالية الكبيرة لمواطني تركيا المهاجرين في القرن العشرين بكل من ألمانيا، والولايات المتحدة، وأستراليا." في اختصار شديد، يمكن أن نقول إنّ هذه الرقعة الإثنية / السياسية المشتّتة هي خيال أو قل ظلّ لتلك الرقعة السياسية التي تركها " الرجل المريض" إرثا ثقيلا يرزح تحته أجيال وأجيال من الأتراك.

واليوم، نحن نعيش منعرجا تاريخيا حاسما، يسعى من خلاله أحد أبناء هذه الجيل المنكسر إلى إحياء تاريخ أجداده وأمجادهم، إحياء هو بمثابة الصرخة في وجه سياسة العولمة، وسعي إلى ملء فراغ استراتيجي ذهب في ظنّ الكثير من الأتراك أن لا منقذ من ظلال دولة الإسلام سوى إذا قام أحد أبناء سلالة الرجل المريض ليحيي دولة الخلافة.

تلك هي مقدّمة لتعليقي على ما حدث يوم 25 ديسمبر، يوم "غزوة أردوغان قصر قرطاج"، كما يحلو للتونسيين نعته. رجعت إلى أصل الداء أو قل أصل العقدة التركية، وماهي في الحقيقة سوى جمرة بقيت حيّة تحت رماد حفظها منذ أن أعلن مصطفى كمال أتاتورك حلّ الخلافة العثمانية في 1924. وليس بالغريب أو الصدفة أن يعلن حسن البنّا بعد أربع سنوات فقط، أي في 1928 عن تأسيس حزب الإخوان المسلمين بالإسماعيلية.

ماتت خلافة لتنشأ على انقاضها فكرة الخلافة، ومن أرضٍ كانت إيالة لدولة الخلافة.

نقطة أخرى ننبّه إليها: وهي أنّ فكرة الخلافة هي فكرة واعدة، تجذب إليها الأتراك وتشدّهم إلى الرغبة في استعادتها، كيف لا وعدد سكّان هذه الخلافة إذا اقتصرنا على الجمهوريات التركية لا غير يبلغ 185 مليون نسمة و400 ألف. معناه أنّ استرجاع الماضي التليد سيجعل من دولة الخلافة القوّة الضاربة الثالثة في العالم بعد دول الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة. مع العلم أنّ عدد المنتمين ينحو إلى الازدياد إذا توفّرت سياسة صادقة.

نقطة ثالثة يجب ان نقف عندها: وتتمثّل في العلاقة الناشئة بين الرغبة السياسية في إقامة دولة الخلافة وطابع العقيدة الذي سيرتسم في هذه الخلافة، وكما ترون هي خلافة متنوّعة عقائديا بالرغم من أنّ غالبيتهم من السنّة 146 مليون ونصف المليون، فإنّ فيهم 36 مليون و700 ألف من الشيعة و2.300 من المسيحيين الأورثدوكس على وجه الخصوص، كما أنّها خلافة تستقطب 300 ألف من البوذيين و200 ألف من اليهود.

استكملت إذن دولة الخلافة جميع جوانبها، واكتمل المجتمع بتركيبته الإسلامية السنية والشيعية وبأهل الذمة من مسيحيين ويهود وبوذيين. غير أنّه، بقي جزء هامّ من الجمهوريات كان تابعا للخلافة العثمانية ووجب إعادة استقطابه، ونعني: مصر واليمن والسودان وليبيا وتونس والجزائر.

لكن بأيّة وسيلة أمكن لسياسة أردوغان أن تفتح هذه البلدان فتحا مبينا وفتح صلح؟

إنّه وبكلّ بساطة بفضل سياسة تيكا:

تيكا هي اختصار لمنظمة تابعة لوزارة الثقافة والسياحة التركية وهي "الوكالة التركية للتعاون والتنسيق". اسمها باهت وعامّ ولا يوحي بأيّ شيء، وزد على ذلك أنّها حكومية وتابعة لوزارة السياحة والثقافة، ولا يستطيع المرء أن يستخرج من نسبتها القانونية ما يمكن أن يوحي بالريبة أو الشكّ أو حتى أنّها بعثت لأجل أغراض خارجية.

أُسست تيكا بقرار من مجلس الوزراء التركي سنة 1992 " استجابة لحاجة الجمهوريات التركية عقب تفكك الاتحاد السوفيتي الى إعادة الهيكلة والتنمية. وكانت سنة انبعاثها مؤسسة تعاونية دولية تابعة لوزارة الخارجية، ثمّ وفي سنة 1999 أُلحقت تيكا مباشرة برئاسة الوزراء. ومنذ ذلك التاريخ كانت تيكا ذات ثقل نظرا لانتشارها عن طريق حملات المساعدات التنموية بالخارج. وفي سنة 2011 عاشت تيكا طفرة واستفادت ممّا سمّي " بالربيع العربي"، فتحوّلت في 2018 إلى مؤسسة "ذات شخصية اعتبارية قانونية ولديها ميزانية خاصة وتعمل تحت إشراف وزارة الثقافة والسياحة." هذا هو الوجه الرسمي لهذه الوكالة.

فعمل الوكالة يرتكز أصلا على مساعدة ما سمّي بالجمهوريات التركية التي تناثرت بعد حلّ الاتحاد السوفياتي وانضمّت إليها كما سبق بيانه دول أخرى موزّعة في القارات الخمس، وانضمامها كان بفضل ما قامت به هذه الوكالة من مساعدات عن طريق فتح مكاتب بها، فصارت بذلك تركيا تنشط وتتحرّك في أراضي هذه الدول تحت غطاء المساعدات والإغاثة الدوليتين. وأمكن لها أن تتعاظم خاصّة بعد 2002 عندما صارت تعمل تحت إمرة حزب العدالة والتنمية الأردوغاني. وهي الآن حاضرة وتنشط في 51 دولة.

ولعلّ الجامع بين هذه الدول هو الهشاشة والضعف والفقر، مع الملاحظة أنّ تيكا تصنّف مصر من بين هذه الدول غير أنّ نشاطها توقّف بسقوط الإخوان في 2013. كما نشير أيضا إلى أنّ المغرب قد أوصدت أبوابها في وجه هذا الزحف الأردوغاني فتعذّر بذلك أن يكون للأتراك موطئ قدم بالأرض المغربية.

في اختصار، نقول إنّ هذه الوكالة قامت حولها شبهات كثيرة ولحقتها تهم عديدة كلّما حطّ رحلها ببلد:

فهي تختار فريستها وتنقضّ على الدولة الأقلّ نموّا، دولة توفّر فيها الحضور الإخواني، وقد تكون الأرضية خصبة إذا تعاظم في هذه الأرض الفقر والاضطرابات، فعندئذ تنتشر تيكا مثلما ينتشر السرطان في الجسم: ولهذا تجدون نقدا لاذعا من طرف الليبيين لسياسة هذه الوكالة في أرضهم التي فتحتها منذ 2011 أي بعيد سقوط القذافي، وصار التعامل بينها وبين الحكومات المتعاقبة وثيقا، بل وكما تذكر هذه الأخبار تكفّلت بتدريب متطوّعين على القتال، وامكنها أن تتسلّل إلى دواليب الدولة لتحطّمها من الداخل، وذلك عن طريق مؤسسات التعليم ونشر اللغة التركية، وعن طريق المستشفيات بالتعهّد والبناء، والإشراف على الصيانة عن طريق تعهّد آثار تركية كان قد بناها الباب العالي. كما أمكن عن طريق هذه الوكالة إبرام عقود في التجارة الحرّة بليبيا فأغرقتها واستعبدتها وصارت ليبيا لا تتنفّس سوى بما تراه لها تركيا صالحا.

اتهم الخبراء بليبيا تيكا بتدعيمها للميليشيات حتى تمكنت من إسقاط الدولة، ونهبت كل خيراتها ونقلتها إلى تركيا لإنقاذ اقتصاد أنقرة”، وأكّدوا أن الأعمال الخيرية والإنسانية هي واجهة مشروع التوسع التركي على حساب دول المنطقة.

توقّفت عند نموذج ليبيا، لأنّه نموذج صريح لنجاح سياسة أردوغان عندما يقتنص أرضا محروقة، فيحوّلها بقدرته إلى ولاية مضافة إلى مركزه، ولا يرى حرجا في الدفاع عن مصالحه وإنجازاته، بل يعتبره حقّا مشروعا في الذود عنه وحمايته وإن لزم الأمر فبالسلاح والحرب. وهذا ما قاله عندما غزا قصر قرطاج في 25 ديسمبر. لأنّه يؤمن أنّ فتح تونس سيكون صلحا لا عنوة، وإن كانت جهوده تلاقي اعتراضا من المجتمع فإنّ الوجه السياسي بهذا البلد ملك له، كيف لا والإخوان تربّعوا على سدّة الحكم منذ 2011، ومكّنوه من تونس العميقة ومن خنق اقتصادها، وهيؤوا له أرضية الهشاشة والفقر، وفتحوا له المدارس؟ كيف لا والقصر بدأ يسير في هذه الطريق التي حفّت بالأزهار والكلم الطيب، فقدّم لهم تيكا التنين بوجه وديع لتتعهّد ببناء مستشفى للأطفال، وتكون بذلك تركيا قد تمكّنت من وضع لبنات رسمية لإدخال تونس إلى بيت الطاعة فيكون لها حضور في البحر الأبيض المتوسّط، وتستطيع بذلك أن تخلع الأبواب بينها وبين ليبيا...؟

والغريب أن تنشر الرئاسة خبر مساعدة تيكا، وفي اطمئنان:" تعلقت المشاورات الثنائية ببحث سبل التعاون في المجالين الصحي والفلاحي، حيث تم الاتفاق على بناء مستشفى للأطفال في تونس بالتنسيق مع وكالة التعاون والتنسيق التركية"!!! كأنّ أعلى سلطة في البلاد تجهل التهم التي تلاحق تيكا، وكأنّها لا تدري الشبهة العالقة بها وتحذير كلّ من اكتوى بحضورها في بلده" تعتبر «تيكا» اليافطة الخيرية للمشروع العثماني الإخواني الجديد، الذي يختبئ وراء المسمى الإسلامي، لكن أهدافه جلية واضحة، في اختراق المجتمع، والجمع بين الجانب المخابراتي وبين ستار لتمويل الإرهاب."

كيف لنا أن لا نقلق؟؟؟ وكيف لنا أن نسكت ونحن شهود على استعباد تونس وفرض بيعة الإخوان عليها؟؟؟ كلّ شيء يحكي لنا أنّ الأبواب قد خلعت، ولم يعد أردوغان في حاجة إلى ترخيص جوّي لتحليق طائراته أو ترخيص بحري لإرساء بوارجه، فالأرض ستكون أرضه، وانتقال السلاح لن يواجه عقبة أو منعا.

هي بالفعل قوة ناعمة حتى يتجذّر النفوذ التركي في الدول الضعيفة عن طريق توظيف الدين، وعن طريق سياسة اليد العليا برائحة إسلاموية تعمل جاهدة على تركيز الخلافة الضائعة لكنّها هذه المرّة هي ليست بالخلافة الشرقية ولا الغربية وإنّما هي خلافة طابعها الطيبة الأردوغانية المرتوية بحسن نيّة بنّاءة.

فهل إنّ زيارة أردوغان " غير المعلنة" هي رسالة طمأنة لإخوان تونس وعلامة على حضور التنظيم الدولي الساهر على إرساء هذه الخلافة؟؟؟ فلا يغيب عن أذهاننا أنّ أردوغان هو الابن المدلّل للتنظيم.

ولا ننسى أيضا الدور الريادي الذي لعبه الإخواني هاكان فيدان مدير المخابرات التركية والرئيس السابق لتيكا إلى حدود 2019، ويعدّ أخطر شخصية عرفتها تركيا. لقّبه الأتراك "بسلطان الظل"، وكم لحقته تهم في بعث الدواعش في المنطقة العربية!!! شخصية تحمل في وجه من أوجهها وجه Bernard-Henri Lévy لكنّه أدهى وأمكر. فإذا به اليوم متربّع في قرطاج!!!!

قد تكون تونس هيئت لأن تكون جمهورية تركية قادمة. وقد تكون الجزائر هي الموالية، فحضور تيكا في أرضها لا يستهان به. لكنّ التاريخ لم ينطق بعد.

وسوم
شارك :