تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

«إن هو إلاّ حساب حتى مطلع الصبح»: هل هي القشّة التي قصمت التنظيم؟

شارك :

نائلة السليني
للمرّة الألف يواجَه الغنوشي بذنوبه ولا يمتلك القدرة على الدفاع عن نفسه..وللمرة الألف يقف مبهوتا فبدا كالمتنكّر لتاريخه وحاضره.. حوسب الغنوشي في الدنيا قبل الآخرة، وضبطت سيئاته في صكّ سيحمله معه إلى يوم الدين.. لكن حذار، فهو ليس بابن القارح حتى يحمل معه صكّ توبة، لأنّ هذا المصطلح مغيّب في قاموسه..بل هو صكّ الذنوب كما عدّدها التونسيون..
 كان ذلك في ليلة 3 جوان، اختار أتباعه وقد أغرتهم الحيلة أن تكشف أعماله البيضاء تحت جنح الظلام، ولم يتفطّنوا أنّ الليل بظلامه الدامس قد تحوّل إلى نور سطع بحقائق. وفي الحقيقة هذه الحقائق يعلمها القاصي والداني.. حفظها التونسيون في صدورهم. وكادوا يكرّرونها مرّات ومرّات يوميا. لكنّها اكتسبت ليلة 3 جوان طعما آخر وأُلبِست لبوسا جذّابا..والسبب واضح: لأنّها حقائق أُطلق سراحها فانطلقت تجول أرجاء مجلس نواب الشعب، مجلس عمل الغنوشي جاهدا وبكلّ ما أوتي من مراوغات سياسية حتى يمتلك مفاتيحه فيصير سيده سيادته لمعبده الذي أنشأ صرحه منذ الثمانينات. هي حقائق كثيرا ما حيّرت السائل عن مصادرها ولكن لا مجيب.. وكثيرا ما نبّه إلى عواقبها المختصّون لكن قياديّي المعبد استهانوا بها واعتبروها من قبيل الهذيان.. غير أنّه وفي يوم 3 جوان اكتسبت هذه الحقائق صبغة رسمية لأنّ من نطق بها يحمل بين يديه شرعية انتخابية. وذاك هو الجديد
لم يمرّ وقت طويل حتى يدفع الغنوشي بالنواب إلى محاسبته، إذ لم يمض على انتخابه على رئاسة البرلمان سوى بضعة أشهر.. فالرجل مطمئنّ وناشط ، بل وتشابهت الفضاءات عنده، خاصّة بعد أن أحاط نفسه بنفس البلاط الذي يحميه في مونبلازير ، لتختلط الوظائف في ذهنه ، فإذا بالأماكن هي الأماكن وإذا برئاسة التنظيم الإخواني هي صنو لرئاسة البرلمان التونسي.
لن ندخل في حيثيات ما حدث، فقد وفّى الناس الحديث إن قولا أو كتابة، وإنّما سنقف عند مسألة فرضت نفسها يوم 4 جوان: هل ستترك هذه المحاسبة آثارا على الغنوشي والنواب والمجتمع التونسي؟ وما هو المشهد السياسي الجديد الذي يمكن أن يولد سواء في البرلمان أوفي الشارع؟
انطلقت جلسة المساءلة يوم 3 جوان على الساعة العاشرة والنصف صباحا وانتهت يوم 4 جوان صباحا على الساعة 6 و 20 دقيقة، أي يمكن تسميتها بجلسة العشرين ساعة.. وعليه يمكن القول إنّ المخاض عسير ومربك، والتوتّر بلغ درجة من الحدّة خلنا أحيانا أنّ الأحداث ستتطوّر وتتعقّد. والحقيقة نعترف أنّ الغنوشي ، وهو يحاكم أخلاقيا، كان يستمع إلى النواب كأنّه ليس هو المقصود من الكلام، بل كان بمثابة الحاضر المتابع لا غير.. أوّل أتباعه ذلك برباطة جأش، بينما ذهب معارضوه إلى أنّ الأمر علامة على أنّ الرجل مريض، حتى كأنّه يعيش في غيبوبة، ولعلّ ما زاد هذا الاحتمال تعقيدا اضطراب الرجل في الكلام وتعطّل لغته، وغياب التناسق بين تفكيره وما ينطق به، فكان متعثّرا منذ أوّل جملة افتتح بها الجلسة واختلط التاريخ الهجري في ذهنه بالتاريخ الميلادي ليثبت أنّ " 3 جوان عشرين عشرين يقابله 11افريل 1441". هي بداية متعثّرة ولا تخرج الغنوشي في صورة الشخصية القوية بزعامتها بقدر ما تخرجه في صورة المتعب والمنهك وقد أثقله المرض ..
انتهت الجلسة وتفرّق الناس فإذا بالتوافق بين الأحزاب قد أصابه ارتجاج.. فانقسمت بين مؤيد للإمضاء على اللائحة ورافض لها. وأفرز الاختلاف اصطفاف التيار وراء النهضة إلى جانب ائتلاف الكرامة . كما شهدنا تحالفا جديدا مع الدستوري الحرّ مركّبا من تحيا تونس وحركة الشعب وتحالفا مع كتل برلمانية: الإصلاح والمستقلّة والكتلة الوطنية وثلث الكتلة الديمقراطية، إضافة إلى بعض من غير المنتمين إلى كتل.
سقطت اللائحة.. لكن، هل عادت الحياة داخل قبة البرلمان إلى نفس ذلك الانتظام الذي كانت عليه قبل 3 جوان؟؟ وهل خرج الغنوشي منتصرا؟ أو على الأصحّ بأقلّ الأضرار؟؟ وهل حافظ التنظيم على نفس الصورة التي طالما حافظ عليها منذ 2011، صورة الحزب المتماسك والمنتظم، صورة الحزب الذي لا تحرّكه الهزات ، صورة الحزب الذي ظلّ يتعاظم ويتغذّى من جميع الأحزاب التي ناشدت الوصال معه؟؟؟
طبعا، نجانب الحقيقة إن أقررنا بوجه واحد من هذه الفرضيات.. ولا يغرّنّك ذاك الهدود " الميت والجامد" الذي تقنّع به الغنوشي، وأعتقد أنّه كان عفويا وعن غير قصد؛ ولا تلك البرودة أو الاقتضاب في الردّ، فالرجل أنهكت قواه بعد ليلة ممطرة بالشتائم، وحتى أتباعه أصابهم العياء في اللسان والحركة.. سيما وأنّ ما تلقوه من ضربات متتالية خرجت بهم عن نسق النقد المتداول في المجلس الذي طالما التزم به النواب السابقون ، نقد كان يتسم باللين والبحث عن العبارة المحتشمة في بناء خطاب معارض، أمّا في تلك الليلة فإنّ العبارة خرجت من الأفواه غضّة عارية ومجرّدة من كلّ حجاب .
كانت كلمة الختام عند الغنوشي، لكن بعد أن استنجد بفارسه التقليدي البحيري حتى يرسم له منهج الردّ والنقاط الأساسية التي يجب الوقوف عندها.. غير أنّ الرئيس خانته الفطنة ولم يبق راسبا في ذاكرته سوى تلك النقاط التي غذّت عقيدته وبنت معبده: إنّه التهديد وقد لُفّ في غطاء من اللامبالاة والاسترسال في الكلام الرتيب ليختم الجلسة منبها إلى أنّ بداية الحرب كلام، وأنّه يخشى على تونس من قيام حرب أهلية. إنّه التهديد الذي نزل في المجلس بمثابة وعيد قادم من عالم آخر وتلفّظ به شخص رجّته صعقة المعارضة الحقيقية، وأوقفنا أمام حقيقة ، هي كيفية ممارسة الإخوان لعملهم الديمقراطي داخل سقف معبدهم، ديمقراطية قوامها ولاية الزعيم وبنيتها هرمية قاعدتها الرعية لا غير.. وتبيّن أنّ التجربة التي مرّ بها زعيم الحركة إنّما كانت تجربة قاسية على رعيته أيضا، ولم يبق لهم سوى أن يدعوا له بالتثبيت وهو يسأل..
يوم 4 جوان، لم يكن البته شبيها بأخيه السابق ؛ ولعلّ أوّل مشهد ارتسم في قاعة المجلس وأدركه الجميع تمثّل في ذاك الشرخ الذي قسم ظهر التحالف البرلماني التقليدي.. وفي ميلاد تحالف جديد يلوح في الأفق البرلماني والحزبي.. 
خرج ساكنو المعبد، وهم تحت وطأة الصعقة، يستكشفون الخسائر التي لحقت عرشهم، والتي قد تهدم بنيانهم: فانطلق أتباعه يبحثون في مرارة ،ليس لهم بها عهد، عن الأسباب التي حملتهم إلى الهزيمة حملا، فمنهم من اعتبر أنّ رئاسة البرلمان كانت نزوة من الشيخ نزلت وبالا على تنظيمهم.. ومنهم من ذهب ناقدا لسياسة الحاشية التي عزلت الشيخ عن رعيته.. ومنهم من ظلّ مرتجّ الفكر لتحطّم صنم الشيخ/ النبيّ في ليلة واحدة..
أمّا الشيخ، وكم التذّ تابعوه بنعته " بالتكتاك" فإنّ أذرعه اليمنى، لأنّه خلق بأذرع يمنى كثيرة وهي صفات ألوهية ، بدأت في تحليل الوضع الجديد واتخاذ القرارات المناسبة، نذكر منها الإعلان عن رفضهم توقيع وثيقة التضامن والاستقرار الحكومي مع شركائهم في الحكومة؛ لأنّ حركة الشعب وتحيا تونس والتحالف وقفت إلى جانب السائلين.. 
وتأتينا الأخبار لتفيد بأنّ النهضة ساعية حثيثا حتى تكون ردّة فعلها بمثل الحدّة التي عانتها يومي 3 و4 جوان.. ردّة فعل سيكون لها تأثير في تغيير المشهد السياسي بتونس، مشهد نجهل عواقبه و النهضة مثلنا جاهلة لعواقبه:
 فقد بدأت بشائر هذا المشهد تظهر بحوار القروي في قناة محمولة على الإخوان لنقف على خطاب يتسم بالغموض والحيرة ، وفي أيّ صنف يمكن أن يوضع حزبه قلب تونس، وقد انقسم أعضاؤه بين مساند للاّئحة ورافض لها. كان القروي في حواره في منزلة بين المنزلتين، بين النقد والموالاة.. ولعلّنا في هذا الموقف نستنتج أنّ الرجل بصدد التفاوض الخاضع لمزيد من الابتزاز، سيما وأنّ الفرصة سانحة له فالغنوشي ليس في أحسن أحواله.
وها نحن اليوم نُخبر بحلول الغنوشي ضيفا على قناة القروي ليعلن جملة من القرارات ، عساها تشفي غليل أتباعه المكلومين، ولعلّ أهمّها اتصال الغنوشي بالقروي حتى يخرجه من "هذه الخلطة" وذلك إما بادخاله إلى الحكومة، او الخروج معه الي المعارضة.
ستفتح مثل هذه الفرضيات أبوابا من الاحتمالات وجميعها ممكن الوقوع: فهل سيقبل الفخفاخ مثل هذه المساومات، خاصّة بعد أنّ انكسرت شوكة الغنوشي؟ وهل سيبقى الرئيس سعيد على الربوة ، وهو صاحب الفضل على الفخفاخ؟ ثمّ ماهي مصلحة القروي إن خرج مع الغنوشي إلى المعارضة؟
في الحقيقة خبراء الإخوان لا يعييهم الردّ، بل استطاعوا أن يستشرفوا المستقبل ليقدّموا لنا صورة من رياضة بهلوانية فكرية " ما يفكر فيه الفخفاخ هو : لكي لا يسقط من البرلمان سوف يُعلن استقالته من رئاسة الحكومه ليبقى 6 اشهر كتصريف اعمال الي ان يسمي قيس سعيد شخصا اخر يكون هو".
خلاصة القول : إنّ الخسائر التي لحقت التنظيم بتونس بعد ليلة السحل جليلة، وإنّ القوم لم يستفيقوا بعد من هول ما نال رمزيتهم من أذى. يمكن أن نقف على ذلك في تعاليقهم بالمواقع الاجتماعية وفي كيفية تدخّل مفكّريهم ومنظريهم الذين طالما اختاروا الانكفاء واجتناب الظهور. وقد يكون لموقف الأحزاب الذين تحالفوا معهم وتنكروا لهم تأثير في فكّ العزلة على الدستوري الحرّ ، بعد أن ظنّوا أنّهم أحكموا وثاقه . وهم اليوم ينبّهون إلى العواقب الوخيمة التي ستعمّ البلاد والعباد.
غابت الرصانة إذن في مواقف حكمائهم، وانطلقت ألسنتهم على سجيتها ، فلا تزويق في الكلمة ولا تنميق، وإليكم فقرة ممّا يقولون:" الحمير يعتقدون ان خروج الغنوشي من رئاسة م.النواب هو خروج للغنوشي او النهضه. هو هزيمه لمنظومه 17 ديسمبر وتنصيب عبير زعيمة وانتصارا للمنظومه. يعني خروج التيار من الحكم ودخول عبير. يعني خروج عبو وغازي الشواشي واخذ اسوء من مشت به قدم مكانهما.
ننتظر ثم سوف نتحول الي اعداء صرحاء لمن ساهم في فك العزله عن عبير وجعل منها بطله واعطاها ظهره."
اختلطت الأمور ، وسوف تفصح الأيام القريبة بما هم غامض.
 

الكلمات المفاتيح:
شارك :