تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

كتاب مرجعي: الجهاد لدى الحركات الإسلامية المعاصرة لعبيد الخليفي

شارك :

تونس – صواب

إنّ موضوع هذه الكتاب ظلّ زمنا حبيس التناول الإعلامي للصحفيين وبعض الخبراء وأشباه الخبراء، ولم تكن للجامعة التونسيّة الجرأة الكافية لتناول هذا الموضوع المعاصر الحارق إلا في محاولات محدودة، ويأتي الكتاب محاولة لمُراكمة العمل البحثي الأكاديمي في فهم الظاهرة الجهاديّة من حيث الأسباب والتداعيات، ودار الكتاب حول الإشكاليّة المركزيّة: هل يمكن الحديث عن عقل جهادي؟ كيف استطاعت مقولة الجهاد الإسلامي أن تكون الخيط الناظم لنشوء الإسلام الحركي بشقيه السياسي والجهادي؟ وقد أشار الكاتب إلى أنّ انشغاله بالموضوع تشكّل منذ زمن بعيد، ففي معتقل "رجيم معتوق" سنة 2009 حيث كان الكاتب يقضي عقوبته السجنيّة في قضية سياسية تشكّلت لديه فرضيات هذه الكتاب حول إشكاليّة الجهاد لدى الحركات الإسلاميّة المعاصرة، وكان ذلك عبر حوارات عميقة مع بعض الشباب الجهادي الذي كان يحمل مشروعا حالما وعالما، مشروعا شعاره سيف المواجهة.

الكتاب في الأصل هو أطروحة دكتوراه بالجامعة التونسيّة وقعن مناقشتها في ديسمبر 2017، ويعود تسجيل الموضوع إلى سنة 2010، ثم قام بتحيين الموضوع من "تنظيم القاعدة" ليتناول ظهور "الدولة الإسلامية" تنظيرا وتنظيما، ويندرج هذه الكتاب في مجال تاريخ الأفكار لفهم الوقائع والمسارات في ظهور الحركات الإسلاميّة المعاصرة، فلم يكن الكتاب تأريخا لتلك الحركات، بل إن العلاقة الجدليّة بين التاريخ والجماعات هي التي أحيت الفكرة وجعلاها ترجمة سحريّة لكل مشاريع التغيير والبناء وتحقيق حلم الخلافة الإسلامية، فضمن سياق المرجعيّة الإسلاميّة كان العقل الإسلامي سلفيّا في الردّة نحو الماضي للبحث عن وسائل النهوض والتغيير، فكان سلفيّا إصلاحيّا في بداياته، وسلفيّا جهاديّا في مساراته، وما بين السلفيّتين ظلّ العقل العربي والعقل الإسلامي رهين التفكير في مجريات الواقع بشروط الماضي وحلول الماضي.

ينقسم الكتاب إلى مدخل وأربعة أبواب وخاتمة عامة:

حدّد مدخل الكتاب الإطار النظري لظاهرة العنف وعلاقته بالأديان، فضمن السياق الإسلامي يُصبح مصطلح الجهاد هو العُنف الحاصل على تفويض المُقدّس المُتعالي، ومن ثمّ فالجهاد هو المفهوم الوسيط بين الذّات البشريّة والذّات الإلهيّة، بل إنّ هذا المفهوم سيتوسّط ثالوث الدين والدولة والعنف في سياق الحركات الإسلاميّة المعاصرة، ولم يكن مفهوم الجهاد لدى السلفيّة الإصلاحيّة سوى مشروع فكري لبناء الذّات وتطوير قُدراتها المعرفيّة والعلميّة للخُروج من عصور الانحطاط والتبعيّة، بينما كانت السلفيّة الحركيّة بشقيها السياسي والجهادي ترى في الجماعة المجاهدة المقاتلة سبيلا لإقامة حكم الله العادل في الأرض، وبهذا تحوّل الجهاد من سياقاته النظريّة الفكريّة إلى سياقاته العمليّة الحركيّة مُراكما من تجارب المواجهة والقتل والدم.

طرح المدخل إشكالية المصادر في تناول الحركات الجهاديّة، فكان حذرا في الاعتماد على المراجع التي كانت تمجيدا أو تفنيدا، فألزم صاحب الكتاب نفسه بما طالب به مُنظّرو الحركات الجهاديّة الآخر عبر مقولتهم الشهيرة "اسمعوا منّا ولا تسمعوا عنّا"، فسمع منهم وقرأ مدوّنة جهاديّة فاقت الخمسة آلاف كتاب ومصدر جهادي لأغلب المنظّرين السلفيين خلال قرن كامل، فكان الإشكال المنهجي في التعامل مع تلك المصادر من حيث عمليّة التجميع والتبويب والحفاظ عليها من الحجب المستمر.

الباب الأول: في تأصيل مفهوم الجهاد

جاءت مشروعيّة هذا الباب من ضرورة فهم سلفيّة الحركات الإسلامية حين تتّخذ من اللحظة التأسيسيّة للتجربة الإسلاميّة المرجع الأعلى للمُحاكاة، ولم تكن غاية الكتاب إعادة كتابة تاريخ الإسلام المبكّر فهذا عمل منجز من المصادر القديمة والقراءات المعاصرة التي أنجزها المؤرخون، ولكنّه تخيّر مفهوم الجهاد في تجربة الإسلام المبكّر لمحاولة تفكيك تلك العلاقة التاريخيّة بين النصّ والتاريخ، وبين التجربة والتأويل.

لم يكن الباب الأول إزاء تقييم التجربة الجهاديّة للإسلام المبكّر، ولكنّه كان محاولة لتفكيك بنية العُنف المُقدّس الذي أسّس له النص القرآني ومنحته المشروعيّة النبويّة صبغة الوحي والتقديس، فكان له الترشيد بالخلافة الراشدة، فقوّة النص وبطش السّيف في مسار التاريخ ساهما في ظهور كيان الدولة الإسلاميّة التي ستصبح حلم الحركات الإسلامية المعاصرة، ولم يكن العنف الإسلامي تحت مسمّى الجهاد سوى عمليّة ترشيد للعنف الجاهلي وإشباع له بمعاني المستقبل وطموحاته، فتجلّى في صور أربع: سيف الدّعوة، سيف الردّة، سيف الفتح، وسيف الفتنة، وتبدو هذه السيوف متآلفة ومتقاطعة: تفرّد جهاد الدّعوة بالحضور النبوي المقدّس فكان الفعل الحربي مضخّما بالمخيال والأساطير المؤسسة للأديان، أما جهاد الردّة فكان تمكينا وحفاظا على المنجز التاريخي النبوي، وجاء جهاد الفتح ليدفع بالآلة الحربيّة العربيّة للهجرة نحو الأمصار تخفيفا من أعباء الدولة البسيطة الفقيرة، لكنّ جهاد الفتنة كان إعلانا لانتهاء المشروعيّة الدّينيّة وبداية العنف السياسي.

يحتفل المخيال الإسلامي بجهاد الدّعوة وجهاد الفتوح لأنّ الآخر المقتول هو مشرك كافر كتابيّ، لكنّ هذا المخيال سيشكو وخزا في الضمير إزاء جهاد الردّة وجهاد الفتنة لأن الآخر المقتول هو مسلم بالشهادة المطلقة، ولئن عرف سيف الدّعوة وسيف الفتح تسامحا مع الآخر الكافر، فإنّه كان متوحّشا وعنيفا في حروب الردّة وحروب الفتنة رغم أنّ هذا الآخر كان مُسلما، ومن ثمّ فإنّ الحركات الإسلامية المعاصرة سوف تراوح بين الحالتين في السند والحجّة، وستكون أميل لجهاد الردّة وجهاد الفتنة في سلوكها التكفيري الحربي.

قام الباب الأول بقراءة نقديّة لنصوص التنزيل وآيات الجهاد ومفرداتها، وبحث في تاريخيّة النص وأدواته التأويليّة لتبرير العنف النبوي، فبدت مواطن الخلل التأويلي الذي وقعت فيه الحركات الإسلاميّة المعاصرة في تسويغ الممارسة القتالية وتبريرها، وكأن الباب جاء ليعلي من مفهوم تاريخية النص المؤسس في علاقة بالمنجز الحربي الذي مارسه النّبي وأصحابه.

الباب الثاني: الجيل الأول سيف الدّعوة والتنظيم

كان مفهوم الجهاد عند روّاد الصحوة الإسلاميّة اجتهادا فكريّا وتحديثا للنصوص السلفيّة لتتلاءم مع مفهوم الدولة المدنية الحديثة، لكنّ فشل روّاد الإصلاح في تحديث الدولة والمجتمع العربي والإسلامي فسح المجال لظهور صحوة إسلاميّة حركيّة رأت في الجهاد فعلا ماديّا عمليّا وتجلّت في جهاد السيف لتغيير المجتمعات التي انحرفت والأنظمة التي طغت وتجبّرت.

أدرك روّاد الإصلاح الذين اختار الباب بعضا من نماذجهم عنوانا لسياقات جغراسياسية مختلفة بين المشرق والمغرب أنّ مفهوم الجهاد هو مفهوم تاريخي لا يمكن استحضاره في السياق الحديث والمعاصر بنفس الشروط التي أنتجها الإسلام المبكّر بصفته تجربة تاريخيّة خاصة بذات المكان والزمان، ومن ثمّ فصلوا بين "الكفاح المسلّح" المرتبط بشرعيّة تحرير الأوطان، والجهاد المرتبط بفرض الإيمان والإسلام...

قام السيف المعاصر على مفهوم الدّعوة لبناء التنظيم الهرمي للأحزاب والجماعات، وتجلّى هذا السيف في ثلاث تجارب منفصلة ومتقاطعة، فصارت المرجعيّة العقائديّة للحركات الإسلاميّة المجاهدة: ففي سياق شبه الجزيرة العربيّة تجلّى جهاد الدولة دولة آل سعود محاكاة لتجربة دولة النّبي محمد، وفي سياق شبه القارة الهنديّة تجلّى جهاد الطائفة المسلمة لتنتج دولة باكستان ضمن الصراع الاثني بين الهندوس والمسلمين، وأخيرا كانت خاصرة المجال العربي مصر تنتج جهاد الجماعة جماعة الإخوان المسلمين.

محمد بن عبد الوهاب وأبو الأعلى المودودي وحسن البنّا هم ثلاثة رموز حركيّة أنتجت رؤية عقائديّة لمفهوم الجهاد ومشروعيته لمواجهة الآخر. فلمع السيف الإسلامي قادرا على التأسيس والبناء بحلم إقامة مملكة السماء، وهذه المشارب الثلاثة تفاعلت وتقاطعت ليترجمها خزّان سيّد قطب العقائدي في تصوّر شمولي جامع مانع يعيد لسيف الجهاد بريقه وقدرته على تغيير الأوضاع، وقد كانت لحظة سيد قطب لحظة مفصليّة في الخروج بمفهوم الجهاد من الارتباك النظري الذي وقع فيه حسن البنا إلى التجسيم العملي عبر كتاب المعالم.

الباب الثالث: الجيل الثاني سيف التكفير والهجرة

لم يكن سيّد قطب المؤسّس للأصولية الإسلاميّة الجهاديّة، بل كان المترجم العملي لضبابيّة حسن البنّا ولفلسفيّة أبي الأعلى المودودي ولفاعليّة محمد بن عبد الوهاب، فمنح الحركات الإسلاميّة المقولات المنهجيّة لمشروعيّة الجهاد ضد النظم والمجتمعات الكافرة، فقد بدأت الترجمة الحركيّة لأفكار سيّد قطب بثلاثين مجاهدا في تنظيم صالح سريّة، ثم صاروا ثلاثمائة مع تنظيم شكري مصطفى، ليتوّجها محمد عبد السلام فرج بتنظيم تجاوز الثلاثة آلاف، وهي مراكمة عقائديّة عبر كتابات منهجيّة، ومراكمة عمليّة عبر فعل عنيف مادي، فكانت التجربة الجهاديّة لدى الحركات الإسلاميّة مسارا فرضته بنيتها العقائدية والظروف السياسيّة لتكون مرحلة الصدام والمواجهة في عشريّة الاستبداد والجهاد.

كان لتلك المواجهة العبثيّة بين النظم السياسيّة والحركات الجهاديّة أن تعرف مخرجا حركيّا تجلّى في الهجرة والتهجير نحو أفغانستان للجهاد ضد الشيوعية الملحدة، وفي أفغانستان التقت كل المشارب الجهاديّة تحت قيادة الشيخ المُجمّع المجدّد عبد الله عزّام الذي هضم كل المصادر العقائديّة للتنظيمات الجهاديّة وترجمها في تجربة الأفغان العرب، فخرجت الحركات الجهاديّة عن محليتها وصارت الظاهرة الجهاديّة ظاهرة عالميّة أو ما نُسمّيه بالجهاد المُعولم.

كانت كل البلدان العربيّة والإسلاميّة مكّة الجاحدة وكانت بيشاور يثرب المدينة، فانتهت التجربة الأفغانيّة هجرة وتدريبا وتكوينا وتجميعا، وارتدّت بنادق الأفغان العرب تحت عنوان قاعدة الجهاد عبر فروعها وخلاياها في كل أرجاء العالم، وكان العقل الجهادي يُنتج كمّا هائلا من الأدبيات العقائديّة والتنظيميّة، وصار المشروع مغريا للضمير الإسلامي في مواجهة الأنظمة العربيّة والقوى الدوليّة وخاصة أمريكا وأوروباـ واستطاع تنظيم قاعدة الجهاد أن يلتهم الحركات الجهاديّة المحليّة ليُؤسّس أفقا تنظيميّا معقّدا ذا بنية عقائديّة بسيطة في جوهرها، فكانت المواجهة المفتوحة والشاملة التي أثمرت عودة الاحتلال العسكري المباشر ليدخل العالم الإسلامي مرحلة التوحّش.

الباب الرابع: الجيل الثالث السيف المتوحّش

ما كان للكتاب أن يتطرّق للجيل الثالث من التنظيمات الجهاديّة إلا لأنّ مفهوم الجهاد صار أكثر حيويّة في التفاعل مع تصوّرات استراتيجيّة أثمرها عقل جهادي مُتميّز يُحسن التعامل مع الموازين الدوليّة والمتغيرات الإقليميّة، فلم يندثر المشروع الجهادي بتلاشي أحد أهم تجلياته الحركيّة في تنظيم القاعدة بعد تهديم بنيته التنظيميّة والمالية في حرب أفغانستان وتورا بورا. بل نمى أحد فروعه وتعاظم شأنه في العراق ليعيد خلق كينونته الجديدة في ما بات يعرف بتنظيم الدولة الإسلاميّة، وهناك في العراق فقد الفرع مرجعيته الأصليّة وحتّمت عليه تداعيات الغزو الأمريكي للعراق مع الحكم الطائفي أن يكون سيّد نفسه مستقلا بذاته.

صار الجهاد مرتبطا بصورة مُرعبة تكثّفت فيها كل عناصر التوحّش الذي يختزنه الإنسان، وتفنّن السيف الجهادي قتلا وذبحا وتنكيلا وحرقا، غير أنّ هذا التوحّش عرف من التأصيل الدّيني في ممارسة الإسلام المبكّر في ما بات يعرف بفقه الدّماء، وأوجد لنفسه رؤية استراتيجيّة وتصورات تكتيكيّة هزمت الأحلاف في تصدّيها للمشروع الجهادي، ونجح المشروع الجهادي في التحوّل من تجربة الإمارة في أفغانستان إلى تجربة الدولة في العراق ثم سوريا.

يكاد العالم يحتفل بسقوط مشروع حلم الدولة الإسلاميّة الذي سالت من أجله الكثير من الدّماء وأسيلت، لكنّ سقوط تنظيم الدولة لا يعني بالضرورة تلاشي الفكرة الجهاديّة والمشروع الجهادي في الضمير الإسلامي، بل إنّ تجربة قيام الدولة سيجعل ممّا كان مُستحيلا مُمكنا، وما كان جهادا علنيّا صار جهادا خفيّا قوامه الإنهاك وتحيّن اللحظة التاريخيّة الحاسمة.

في خاتمة الكتاب باتت القناعة بأنّ ما يُسمّى بالظاهرة الإرهابيّة هو مشروع أثمره عقل شغّال على الأفكار والتاريخ والنصّ، وهو مشروع أنتج مُدوّنة فكريّة استراتيجيّة ضخمة صارت مخزونا عقائديّا لمن تُغريه الفكرة ويقدّس النصّ ويريد أن يفعل في التاريخ، ومن ثمّ فإنّ فهم هذا المشروع وتفكيك مكوّناته هو السبيل لفهم الظاهرة والبحث عن البدائل في التصدّي لوحشيّة السّيف المقدّس، لأنّ المجال الحيوي للمشروع الجهادي هو البلاد التي تعاني الاستبداد والفقر والتهميش والإذلال المحلّي والتبعيّة الاستعماريّة، وهي أشبه بالشروط الموضوعيّة لفكرة المقاومة والكفاح وبالتالي الجهاد في صورته العقائديّة.

هذا الكتاب يقطع مع التحليلات السطحية للظاهرة الجهادية، ويفتح الباب لتفكير علمي رصين يحاول تفكيك ظاهرة نهشت العالم العربي والإسلامي لتصبح ظاهرة كونية تقام لأجلها التحالفات العسكريّة والبرامج الاستراتيجية لمقاومتها والتصدي إليها.

الجهاد لدى الحركات الإسلامية المعاصرة: من الإخوان المسلمين إلى تنظيم الدولة الإسلاميّ -عدد الصفحات:556 -دار مسكيلياني للنشر والتوزيع، ط الأولى مارس 2018

 

الكلمات المفاتيح:
شارك :