تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

كيف صعدت الرأسمالية الطفيلية الإسلاموية في تونس؟

شارك :

يعود الفضل للحركة الشيوعية السودانية في صياغة مفهوم "الرأسمالية الإسلاموية الطفيلية" منذ تسعينات القرن الماضي، حيث كان قدر السودان الخضوع لثلاثة عقود من نظام عسكري إسلاموي شيّد قاعدته الاجتماعية على طبقة غير منتجة استفادت من وجودها في قلب الدولة لمراكمة ثروات هائلة وظفتها عبر شبكات فوق وطنية لا تدين بالولاء للسودان كوطن بل لتيار إسلاموي عالمي.
 
هذا المفهوم مفتاح مهم في تحديد طبيعة الطبقة الحاكمة في أنظمة الإسلام السياسي. طبقة طفيلية تعمل أساساً في مجال التداول السلعي والمصرفي في شكل مختلف عن الرأسمالية التجارية وتعتمد على شبكة محاسيب واسعة ونافذة داخل جسم الدولة، لتحقيق مكاسب قانونية وتشريعية "رخص، تسهيلات، قروض، أراضٍ، منح..."، وتحويل الجهاز البيروقراطي للدولة إلى جهاز قمع طبقي يسهل لها عملية الاحتكار ويمكنها من مراكمة مزيد من العوائد من خلال وسائل غير اقتصادية، والتي يعاد توزيعها في إطار عملية تمكين واسعة لفئات وقطاعات اجتماعية ونخبوية، في سياق تجذير وجود الحركة الإسلاموية، الذي كان وما زال غريباً وشاذاً عن طبيعة التشكيلات الاجتماعية القائمة.
 
هذا ما يحدث اليوم في تونس، كما حدث بالأمس في السودان. منذ نشأتها في ثوب الجماعة الإسلامية - أواخر ستينات القرن الماضي - كانت "حركة النهضة" الإسلامية تضم في أغلبها أفراداً من الفئات الوسطى السفلى، لكنها تبنت في فترات متفاوتة خطاباً شعبوياً مدافعاً عن الفقراء، ويقدم لهم حلولاً سحرية في برنامجها الإسلاموي للتغيير. لكن الانضمام للحركة كان إحدى آليات الصعود الاجتماعي نحو الطبقات العليا، من خلال شبكة "التوصيات" الكبيرة والمتشعبة داخلها وفي علاقة بنظائرها، خصوصاً في أوروبا والخليج، الأمر الذي خلق للكثير من أعضائها فرص صعود جيدة، حيث مكّنت العلاقات التنظيمية بين الحركة وبقية الفروع "الإخوانية" وبينها وبين أنظمة عربية وإسلامية "ثرية" المئات من أعضائها من الحصول على مواقع وظيفية نافذة وذات دخول ضخمة، الأمر الذي أدى إلى بروز طبقة من "الرأسماليين الإداريين" كما يسميها الاقتصاديان الماركسيان الفرنسيان البارزان جيرار دومينيل ودومينيك ليفي في كتابهما "الرأسمالية الإدارية". فيما نجح قطاع آخر في إعادة استثمار وتدوير أموال الحركة في مشاريع تجارية في المنافي التي لجأ إليها أعضاء الحركة وأهمها فرنسا، في إطار عملية تقليدية في التنظيمات "الإخوانية"، حيث يتم استثمار أموال التنظيم من خلال بعض أعضائها كواجهات شخصية، ولعل نموذج يوسف ندا وغالب همت، كافٍ في شهرته على الدلالة على هذه العملية.
 
بيد أن "حركة النهضة" اليوم أصبحت حكراً على الطبقة الوسطى العليا والطبقة البورجوازية الإسلاموية التي نشأت من خلال تحويل الرساميل بعد انتفاضة 2011. حيث تحولت عملية إعادة استثمار أموال التنظيم من الخارج نحو الداخل، لكنها حافظت على طابعها الطفيلي، فالقطاعات التي تحبها البورجوازية الإسلاموية بعيدة كل البعد من عملية الإنتاج في حد ذاتها، أي بعيدة من خلق الثروة الجماعية. وذلك لاعتبارات اقتصادية مرتبطة بطبيعة الحركات الإسلامية وبرنامجها الاقتصادي القائم على "الطفيلية" و"المحسوبية" كأساس للنشاط الاقتصادي، حيث لا يكون الاقتصاد في ظل حكم الرأسمالية الطفيلية الإسلاموية إلا مغلقاً حول نظم قرابة عائلية وتنظيمية وذلك من أجل الوصول بالتمكين إلى أقصاه.
 
نظم القرابة هذه ليست بالضرورة وطنية، ولكنها بالضرورة يجب أن تكون في إطار دائرة تحالفات الحركة الإسلامية. حتى أن وزير مكافحة الفساد السابق محمد عبو، والذي كان شريكاً لـ"حركة النهضة" في حكومة إلياس الفخفاخ قال في مقابلة صحافية في ديسمبر الماضي إن "سفيراً إشتكى له من أن أحداً من المستثمرين الأجانب لا يستطيع الاستثمار في تونس إلا عندما يكون له شريك تركي". فقد ربطت الحركة الاقتصاد التونسي بتركيا منذ تمكنها من جهاز الدولة، لاعتبارات غير اقتصادية وإنما سياسية وعقائدية تتعلق بــ"إسلاموية" النظام التركي، تماماً كما ربط نظام "الجبهة الإسلامية" في السودان، السودان وشعبه بالرأسمال الإسلاموي المتطرف، عندما فتح الساحة لأسامة بن لادن وللعشرات من أثرياء الجماعات الجهادية. والغريب أن هذا التصريح من رجل في وزن محمد عبو لم يثر أي جدل أو ضجة في البلاد.
 
كما اشتغلت "حركة النهضة" على استمالة طبقة أخرى تراكم ثرواتها من خارج النظام الاقتصادي الرسمي وهي طبقة "بورجوازية الأطراف" التي راكمت ثروات من خلال النشاط الطفيلي في التبادل السلعي غير الرسمي، كقوة اجتماعية تمثلها. وكانت هذه الطبقة - التي نشأت في التسعينات من القرن الماضي بعد فتح الحدود مع ليبيا خلال فترة الحصار الدولي والحرب الأهلية الجزائرية - تتطلع منذ سقوط بن علي إلى دور في السلطة كطبقة تملك ثروة ولكنها لا تملك الهيمنة. فوعي هذه الطبقة غير المهيمنة في تطلعها لشرعنة الوصول إلى مراكز الهيمنة التي تشغلها أجزاء أخرى من البورجوازية التقليدية، يزداد إلى مستوى يتم من خلاله تحديد موقعها من المجالين السياسي والاقتصادي. هذا الجزء من البورجوازية غير المهيمن يريد إنهاء جزء من الهيمنة من دون أن يزيل كامل الهيمنة البورجوازية، كما يفسرها مهدي عامل. وقد شكل لها نظام التوافقية السياسية بين "حركة النهضة" و"حركة نداء تونس" (2014-2019) هبة من السماء حيث جعلها تقترب من مراكز الهيمنة، ولم يكن التوافق مجرد توافق سياسي، بل توافق طبقي بين جناحيين من البورجوازية "الأطراف/ التقليدية". وقد شهدنا خلال هذه الفترة عمليات واسعة لتبييض أموال الاقتصاد غير الرسمي وإعادة تدويرها ضمن النشاط الرسمي، ولكن دائماً ضمن قطاعات طفيلية غير منتجة. ولننتقل من الطفيلية غير الرسمية نحو الطفيلية الرسمية الأمر الذي وطد من دعائم البورجوازية الإسلاموية ومكن لها أكثر في المجتمع وفي الدولة وداخل الحركة الإسلامية، حيث أصبح المال مقياساً مهماً في الصعود داخل الحركة تنظيمياً وانتخابياً.
 
لكن في مقابل صعود البرجوازية الإسلاموية وسيطرتها على "حركة النهضة" يرى خط النقاء الإيديولوجي داخل الحركة الإسلامية أن أكبر خطر يتهددها اليوم هو انفصالها عن الطبقات الوسطى التحتية والفقيرة، رغم أن السياق العام يدفع نحو المزيد من تضخم هذه الطبقات بفعل الأزمة الاقتصادية. ويعتقد أن الانفصال التدريجي بين الحركة والعمق الاجتماعي الأدنى يشكل خطراً من حيث موت عملية الانتشار التنظيمي، وثانياً من حيث فقدان جمهور انتخابي. فيما يرى خط القيادة المتنفذة والذي يمثله راشد الغنوشي ودائرته المغلقة أن المسألة لم تعد جمهوراً انتخابياً، بل متعلقة بضرورة سلوك برنامج تمكيني ناعم وهدنة طويلة تتم خلالها استمالة قطاعات واسعة من النخب السياسية والاقتصادية أولاً لتجذير الحركة أكثر، ليس في المجتمع فقط، ولكن في مراكز القوى الحاكمة "نخب، نخب مالية، إدارية، نسيج اقتصادي خاص وعام..."، وثانياً لأن مصالح البورجوازية الإسلامية الصاعدة مرتبطة اليوم بقوة مع الدولة والبورجوازية التقليدية.

الكلمات المفاتيح:
شارك :