تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

ماهي المهمّة التي كُلِّف بها المصمودي؟

شارك :

أصدرت ما يزيد عن العشرين جمعية ومنظمة وطنية بيانا تستغرب فيه ما راج من أخبار تفيد تعهّد مركز دراسة الإسلام و الديمقراطية بتأطير أئمّة . واعتبرت هذه المنظّمات أنّ المركز تابع لحركة النهضة ، ومكلّف " تنظيم حملات ودورات تدريبة للأيمة وأساتذة التربية الدينية والتفكير الاسلامي والواعظين انتهاكا صارخا للدستور التونسي وتهديدا لمدنية الدولة." وأصدرت في هذا البيان نداء تطالب فيه رئيس الجمهورية بالتصدّي إلى المشروع الإسلاموي الذي تبيّن واضحا أنّه أهمّ المشاريع بالنسبة إلى الإخوان لما فيه من ضرب للهوية التونسية ، وغرس لقيم إيديولوجية تعيد بناء المجتمع بكيفية تتناغم مع البنية الاجتماعية الإخوانية.
وفي هذا السياق أودّ أن أشير إلى مسائل لم يتطرّق إليها البيان، ويبدو أنّ المصمودي انتهز فرصة تغييبها حتى ينبري في الإعلام مباركا لمشروعه ومتغنّيا بحياده. سيما وأنّها مسائل تضيء نقاطا كثيرة يعمل الإخوان على تمييعها لضمان السرية في أعمالهم:
النقطة الأولى وتتعلّق بشخص المصمودي نفسه، فهو كما يحلو لبعض الصحافيين نعته " بعرّاب الإخوان في واشنطن" ، وذلك عن طريق نفس هذا المركز الذي سبق له أن أحدثه في واشنطن. وصحيح أنّ " المركز – بحسب موقعه الالكترونى - هو عبارة عن منظمة غير ربحية، مقرها في واشنطن العاصمة، مكرسة لدراسة الفكر السياسي الإسلامي والديمقراطي ودمجها في الخطاب الديمقراطي الإسلامي الحديث" غير أنّه تحول من منظمة صغيرة إلى مؤسسة كبرى تنشر أنشطتها في أكثر من 20 بلدا، بميزانية سنوية تبلغ نحو 1.5 مليون دولار أمريكي، كما تضم 58 عضوًا مؤسسًا، وأكثر من 600 عضو .. وإن نعت بعراب الإخوان فلأنه اشتهر بحرصه على تقديم الإخوان إلى السياسيين النافذين في الولايات المتحدة منذ أن انطلق في نشاطه. بل يذهب مصطفى بركات إلى القول بأنّ الرجل امتلك سلطة بواشنطن نتيجة تسرّبه في إقامة علاقات مع اللوبى الصهيوني بالكونجرس الأمريكي ، وهي علاقات ساعدته على عقد صفقات بين فروع الجماعة وجناح الصقور الذي يمثله جون ماكين وجوزيف ليبرمان. ويذهب بركات إلى ابعد من ذلك إذا يعتبر أنّ "علاقات المصمودي الوثيقة مع رموز الصهيونية العالمية، امتدت إلى مهندس الفوضى في دول الربيع العربي برنار ليفي، وكان هو الأصل في دعوة الأخير لزيارة تونس لحضور ملتقى في مدينة الحمامات، وهى الزيارة التي تسببت في تشنّج في الشارع التونسي في نوفمبر 2014. وإن كانت الصحافة التونسية قد اكتفت بالتعليق الخجل عن الأصل في دعوة ليفي ، وكذلك الأمر بالنسبة إلى وزارة الخارجية آنذاك.
ويروي بركات أنّ المصمودي ورد اسمه أيضا في برقيات أرسلها السفير الأمريكى السابق بتونس ويليام هودسن، تم تسريبها فيما بعد في الفضيحة المعروفة إعلاميا بـ"وثائق ويكيليكس"، وكان له بحسب البرقيات دور بارز في لقاءات سرية تمت بين الإخوان والإدارة الأمريكية، إلى جانب الإشادة بدوره في تأسيس شبكة لـ" الديمقراطيين في العالم العربي"، اختير لها بعض الناشطين السياسيين والحقوقيين بالعالم العربي من بينهم أيمن نور.
ومنذ تسعينات القرن الماضى، يقود المصمودى، الذي ترك عمله في الهندسة ليتفرغ لتأسيس مركز دراسات الإسلام والديمقراطية سنة 1998 بواشنطن، حملة علاقات عامة موسعة لصالح تنظيم الإخوان، وتدور حوله الشبهات متعلقة جميعها بموارد التمويل غير المعلومة."
راجت أخبار في السنة الماضية تؤكّد أنّ واشنطن قرّرت إغلاق المركز هناك، ورغم إصرار الرجل على النفي فإنّ دلائل تفيد أنّ المركز أغلق فعلا ، وأنّ ضربة موجعة طالت الإخوان بهذا القرار لأنّ عرّابهم لم يعد بالقادر على فتح الأبواب المغلّقة أمامهم. هذه الدلائل نستمدّها من الموقع نفسه. فقد ورد في التعريف بالمركز ما يلي : "هو منظمة غير ربحية ، مقرها في تونس العاصمة ، مكرسة لدراسة الفكر السياسي الإسلامي والديمقراطي ودمجها في خطاب ديمقراطي إسلامي حديث "، ولعلّ أهمّ ما في هذا التعريف هو التنصيص على تونس مقرّا للمركز لا واشنطن، وعلى أنّ الهدف الأصلي لنشاطه هو الإشراف على عمل الجماعة والتكفّل بنشره وتعريفه. وعلى هذا الأساس فالرجل لم يخف شيئا وإنّما نزل ميدان التدافع صريحا وواضحا.
النقطة الثانية: وهي دعوة إلى تعريفكم بمهامّ هذا التكليف الذي تعهّد به المصمودي وجماعته. ولعلّ أوّل نقطة نقف عندها هي أنّ المشروع ليس بحديث العهد ، وإنّما هو استرسال لمشروع آخر أشرف عليه الجماعة في 2017، أي وبوضوح خلال حكم السبسي، وهذا يحمل دليلا أيضا على أنّ الإخوان كانوا منطلقين في حرية في فترة حكم السبسي ولا تعوقهم قيود ولا تثني عزائمهم شروط. كما ينهض دليلا على أنّ الإخوان إذا عزموا على أمر فلا تثنيهم إرادة تخالف إرادتهم، وأذكّر في هذا السياق بتلك الحملة التي شنّت ضدّنا عندما انتقدنا وزارة الشؤون الدينية في عزمها على جلب الأطفال تحت غطاء "إيماني"..غطاء يبعث الاطمئنان في صدور الآباء لتحفيظهم القرآن.. ولا يعلم إلاّ الله ما كانوا قد دبّروه بليل لغسل أدمغة أبنائنا. فإذا بالمشروع ينبعث من جديد.. وإذا مطمح الإخوان ثابت لا تحرّكه الأهواء.. وإذا بالمصمودي يجمع إليه من الإسلاميين من تحلّى بثوب " الاعتدال" والسلم .. ويستنجد بمن أُلبِس عمامة " العلماء" ليرسموا جميعهم برنامجا يحفظ تطبيق ما ينشد إليه مريدهم ويحلم به صقورهم.. 
فإذا بأبواب وزارة الشؤون الدينية تفتح أمامهم.. وإذا بقاعات الكليات قد هيّئت لهم .. وإذا بأبنائنا الطلبة ينقادون إليهم صغارا..
تحدّث المصمودي عن مشروعه الضخم" في مرحلة أولى من مارس 2017 إلى ديسمبر 2018 ، تمكّن خلالها من تكوين 400 إمام وفاعل ديني.. في 5 ولايات هي  تونس، بنزرت، القيروان، القصرين، ومدنين.
واليوم يعلن عن فتح باب الترشّحات لتكوين 800 إمام وفاعل ديني في 10 ولايات هي تونس الكبرى، سوسة، المنستير، المهدية، صفاقس، قفصة، سيدي بوزيد، قابس، مدنين، تطاوين.
ترى من المستهدف من هذا التكوين حتى لا نظلم الرجل؟
يقول " هم أئمة الجمعة، أئمة الخمس، أساتذة التربية الإسلامية، أساتذة التفكير الإسلامي، الواعظين والواعظات". ويستوقفنا هنا نقطة نراها في غاية الخطورة: ما المقصود بالفاعل الديني؟؟؟ الواعظ؟ أم الداعية؟ ويبدو أنّ الداعية هو المعنى الأقرب للفاعل الديني.. وهنا أتساءل: هل إنّ الدعاة من ثقافتنا الدينية؟؟ وماهي الإضافة التي نرتجيها من داعية في مجتمع مدنيّ؟ هل نروم تكوين أجيال لأجل أن يظلّوا أسرى الفتاوى ، بعد أن كنّا مجتمعا حرّره عقيدته من قيود الأعراف؟؟؟ ثمّ أليس مثل هذا المشروع دلالة صارخة على أنّ الإخوان قد وضعوا أيديهم على المساجد وعلى المربين؟؟ اليس هذا هو المعنى الحقيقي لتسرّب الإخوان في مجتمعنا العميق حتى يحكموا الإمساك برقبته؟؟؟ وفي الأخير من الحاكم في مصيرنا ؟ ألم نعد بعد دولة إخوانية تمكنت من الأجساد والعقول؟؟؟
حتى لا نبدو من المتحاملين، إليكم نموذجا من الدورات التدريبية التي نظمها المصمودي وجماعته في الولايات الخمس : 
دورة تدريبية في " تقنيات استعمال شبكات التواصل الاجتماعي ": قام الجماعة بتدريب أئمة ، خمس وجمعة.
ومن مضامين هذه الدورة :
 تعريف مواقع التواصل الاجتماعي
دور مواقع التواصل الاجتماعي في نشر الوعي
انشاء صفحات و طرق ادارتها
ما نستفيده من مثل هذه الدورات: هو أنّ الجماعة حوّلوا " جهادهم" من السلاح إلى التقنيات، وهم في ذلك يأتمرون بأوامر عالمهم القرضاوي الذي أكّد في موسوعته عن الجهاد أنّ أفضل سلاح في الجهاد اليوم هو التمكّن من المعلوماتية ومن مواقع التواصل ، وهي أقصر الطرق وأنفعها. ولذلك ترون أنّ العنصر الثالث قد أتى أكله منذ 2017 ، فقد انتشر ما صار ينعت اليوم " بالذباب الزرق" أو بسدنة النهضة الذين توظّفهم لتكفير المخالف وتوعّده..
هذا هو خطر مركز دراسة الإسلام و الديمقراطية، بدأ في إنجاز ما كلّف به منذ 2017، ومنظمات المجتمع المدني صامتة، وأنا أسأل اليوم إن لم نكن قد خسرنا الكثير بصمتنا وتخاذلنا.. فتونس بأبنائها رهينة بيد الخوانجية.
وفي الأخير، كان من الأفضل أن تنآى حكومة كندا بنفسها عن الانسياق وراء اختيارات إخوانية في التمكين، فالرجل اكّد أنّه تلقّى هبات مالية من الكندا، فنح مجتمع يواجه الأخطبوط الإخوانيّ منذ 10 سنوات، ووفقنا في شلّ حركتها بالفكر واللسان.. ولم نسع يوما إلى طلب إحسان من أيّة جهة كانت.. لذا فلتتركنا الكندا في حالنا لأنّنا نبادرهم بما ملكت أيدينا، ولها أن تحفظ هذه الهبات ليوم جلل بالنسبة إليها فتطرّف الإسلام الإخواني يمتدّ هناك في أرضها يوما بعد يوم.. وإن قبلت حكومة الكندا نصحنا باعتبارنا مجرّبين فإننا نقول لها : ألا أفيقي قبل فوات الأوان.. فلك فيما تعانيه أوروبا خير مثال.

الكلمات المفاتيح:
شارك :