تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

«من أين لك هذا؟»: شهد شاهد من أهلها (2) 

شارك :

نائلة السليني


قضية التمويل عند جماعة الإخوان المسلمين مثار اهتمام الباحثين المهتمين بشأن التنظيم، بما فيهم الأنظمة الحاكمة، ليتساءل الجميع: من أين تأتي الجماعة بكل هذه الأموال، للقيام بهذه الأنشطة الكثيرة، والمشاريع المتعددة، ومن أين ينفقون على حملاتهم الانتخابية؟ ولماذا كل هذه السرية التي تحيط بمواردهم المالية؟ وما حجم الفساد المالي الذي طال التنظيم من الداخل؟!
هذه أسئلة عامّة يمكن أن تلقى على أيّ ظاهرة سياسية كانت أو اجتماعية، لأنّها تمسّ لبّ الفساد الذي إذا ظهر في مجتمع فإنّه يظلّ ينخره مثل السوس ولا يتركه إلاّ جثّة أكلها الخراب.. ولأنّ الفساد لا يكون عنيفا إلاّ إذا قام على الأموال المغسولة واستشرى في الناس استشراء الداء في الأجساد.
نقف في هذا المقال على شهادة هامّة وخطيرة نقلها شخص كان من الحركة وخرج عنهم، شخص يشهد أنّ أباه وعائلته عانوا الويلات من زعيم النهضة الغنوشي، وإن انطلق لسانه أخيرا فلأنّ عقدة الخوف قد ذهبت ولأنّ من واجب كلّ من عانى ويلا أو ثبورا من الغنوشي التنديد به والتشهير بأعماله. بل نقف في تعليقاته على تهديد صريح للرجل بتتبعه والعمل على إزاحة قناع التقوى الذي ينشره بين مريديه. شهادات مراد النوري وردت في 8 حلقات، وهي مثبته في صفحته الخاصّة بالفايسبوك. ونعتقد أنّها من الشهادات القلائل التي وقف فيها صاحبها مكشوف الوجه، لا يبحث عن طريق ملتوية تحميه من سهام الغنوشي أو أتباعه. ونعتقد أنّها وردت عفوية لم تخضع لتبويب أو تنميق، ولعلّها في ذلك أكثر صدقا وعمقا. تداخلت فيها المعلومات وحشرت حشرا، حتى يكاد قارئها يتساءل أحيانا، وما علاقة هذه المعلومات بثراء الغنوشي؟ لكن سرعان ما تتضح الإجابة، فندرك أنّ الرجل حريص على تعرية الجذور لتتضح العلاقات ويتبيّن في بساطة، تُقلِق أحيانا، أنّ المسألة لم تعد في السؤال عن مصدر ثروة الغنوشي بل في الغموض الذي يفتح باب الحديث عن ثروة فاسدة قامت على مال مسلوب نهب نهبا.
وفّر لنا مراد النوري مادّة غزيرة من المعلومات عن تنظيم الإخوان بتونس، وهي ثمينة لأنّها خرجت من داخل المعبد، وراويها كان قد تنفّس هواء التنظيم وعاش أطوار أزماته وتقلّباته.. لذلك رأينا من الصالح، أن نقصي الأخبار التي تتحدّث عن علاقات الغنوشي بغيره من القياديين في الحركة: فقد تعرّض النوري إلى مصير بعضهم، مثل محمد الأزرق الذي عهدت إليه مهمّة تمثيل الإخوان التونسيين بالخارج، والحبيب الضاوي الذي كلّف بإدارة التنظيم داخل البلاد.. و نعتقد أنّ النظر في تاريخ حركة الإخوان بتونس، في فترة الثمانينات مازال في حاجة إلى مزيد من التبصّر والتحليل، وبوجه خاصّ النظر في مكانة الغنوشي ودوره داخل التنظيم وخارجه في هذه الفترة، لأنّها ، وكما لمّح إلى ذلك النوري في شهاداته أنّ هذه الفترة كانت تحمل كثيرا من القلق والمواجهات والتشنّج بين قياديي التنظيم،  يقول في سياق حديثه عن محمد الأزرق : " هنالك ايضا ملف الشيخ محمد الأزرق الي كان متواجدا بالمملكة السعودية و الذي اختطف و اعدم في اوت 1986و المعروف عنه انه من اخطر الملفات التي واجهتها الحركة و خاصة انه فاقت مرتبة الغنوشي و لديه شعبية كبيرة في التنظيم الدولي للإخوان وهذا ملف آخر يمكننا العودة اليه ايضا في وقت لاحق و لكن اشير فقط بان الرجل كان على علاقة كبيرة و يحظى بدعم أغنى المجموعات المالية السعودية و خاصة مجموعة بن لادن. والغنوشي الى اليوم محرج ولا يريد التعامل مع هذا ملف الشيخ محمد الازرق بالوضوح ولكشف الحقيقة الازمة في هذا الشأن وحتى مع افراد اسرته والتي لا تعلم ليومنا هذا قبر والدهم".، وليس بالغريب أن تحيي قضية محمد الأزرق ذاكرتنا في ماض قريب جدّا، وسميت بحادثة شيخ شارنيكول، سيما وأنّ الرجل كان فارّا بالسعودية عندما حكم عليه بالإعدام.
ثابت إذن أنّنا لا نمتلك الحقيقة في كيفية انتقال الغنوشي من ناشط داخل هذه الحركة إلى مالك للـ"باتيندة" منذ التسعينات وإلى يومنا هذا فيتحوّل بقدرة قادر إلى الحاكم الواحد القاهر لكلّ مخالف.
معلومات كثيرة متداخلة وتتنافس في القوّة، وخاصّة تلك التي تتعلّق بهذه الفترة التي لم تسلّط عليها الأضواء بعد: فأنت تجد وقوفا قصيرا عند المنصف بن سالم وقد اعتبره الشاهد من " أبرز القادة المحسوب على جناح الجهاز السري"، وذلك في سياق نقده لسلوك ابنه أسامة بن سالم وقد وصفه " بالابن العاق". 
 ففي فترة الثمانينات يشير الشاهد إلى مورو وهاشمي الحامدي، وقد أرسلهما إلى السعودية لطلب المال؛ ونقنع في هذا السياق بنقل شهادة النوري، وقد اجتنبنا تصويب الأخطاء حتى يكون نقلنا أمينا، ونترك للقارئ التفاعل مع ما يذكر، يقول:" " للاتصال خاصة بالدوائر المالية هنالك وتلقي الاعانات من هبات وزكاة خاصة ان بعض الامراء السعوديين آنذاك لم يكونوا مرتاحين لعلمانية الزعيم بورقيبة. ونعرفو فيما بعد سر الخلاف بين الغنوشي والحامدي تطور لنزاع مالي كما باقي النزاعات داخل التنظيم والتي لم تكن سوى خلافات مالية بالأساس. حيث ان الهاشمي الحامدي أصبح بفضل خبرته وعلاقاته قد جمع للغنوشي مبالغ مالية ضخمة و رأى من حقه ان يحتفظ بجزء منها الا ان جشع و طمع الغنوشي جعله ينتقم منه و يطرده من التنظيم هذا الذي دفع بالحامدي لأخذ اشد الاحتياطات الامنية لأنه مدرك ان لهذا الطرد يمكن أن تجرؤ عنه عواقب وخيمة قد تمس سلامته الجسدية". أمكن للحامدي أن يفلت من انتقام الشيخ، ولكن هل وفّق في حياة سياسية من خارج حماية الغنوشي؟؟ ألم يجعل منه شخصية تمثّل بحقّ صورة المهرّج الأحمق؟ فظلّ سجين ثروة مقتنصة، استنادا لما يروى عنه؟
لكن، هناك شخصيات أخرى كانت مصدر تبرّم من الغنوشي، ولكنّها لم ترق على مستوى منافسته وتهديد سلطته، فقد تعرّض النوري إلى شخصية أخرى، شاهدناها وعشنا نماذج من إبداعاتها الفكرية، إنّها شخصية الصادق شورو، وقد كان رئيسا للإخوان بتونس من سنة 1988 إلى حدود سنة 1991 تاريخ اعتقاله، وصدر في شأنه حكم بالسجن مدى الحياة. شورو هذا رضي له الغنوشي بكرسي في المجلس التأسيسي لا غير. ومرّة أخرى نقنع بشهادة الرجل في مرحلة أولى: " في نهاية 2008 وقع إطلاق سراح الصادق شورو بعد ان قضى قرابة 17سنة وكان الغنوشي يرتعش خوفا من ان تقع نوعا من المفاهمة بينه وبين بن علي يمكن ان تقضي نهائيا على التمويل و تقطع الطريق امام تدفقها في خزينة الشيخ فما كان الا ان احدث الغنوشي توترا كلاميا عبر تدخل قناة الجزيرة البوق الدعائي لمشيخة لندن و بثت كلاما لتعكير الجو سرعان ما افضى لإعادة شورو للسجن وبقضية حبكها زبانية الشيخ تؤكد اعادة احياء التنظيم بالداخل في تحدي واضح و استفزاز للنظام".
تلك هي أهمّ الشخصيات التي وقف عندها النوري في الحديث عن ثروة الغنوشي. ولعلّ الرجل كان مدركا لما قد يجول بخاطر سدنة المعبد والاحتجاج بأنّ هذا الحديث يصنّف في باب الخارج عن الموضوع، ولذلك يقدّم إجابة ضافية ليقول:
" فقد استحوذ الغنوشي على تنظيم الاخوان بتونس منذ نصف قرن و مرتبة امير التنظيم تعني انه هو من يحكم فعليا في التنظيم و لا ينازعه احد و البقية مهما علت مرتبتهم فهم مجرد مريدين لا حول لهم و لا قوة و كل ما يسمى بالشورى او بالهياكل التنظيمية ليس الا واجهة لا معنى لها و كلنا يعرف مصير من حاول معارضته داخل التنظيم او حتى التجرأ على ابداء رأي مخالف. الغنوشي دموي بطبعه وبنى تنظيمه على عقيدة الدم فكل من يسميهم بشهداء الحركة هم في الواقع ضحايا زج بهم للمحرقة في مواجهة الدولة التي حمت نفسها و قد حاول عديد المرات الانقلاب عليها من اجل افتكاك السلطة بقوة الحديد و النار.
هاته المقدمة ضرورية لكي نفهم حقيقة التنظيم وخاصة الامكانيات المالية التي تم تسخيرها لذلك. وتلك هي قضيتنا في المقال القادم الذي سنعنى بتفكيك ما توفّر لنا من معلومات في شهادات مراد النوري وهو، كما عرّف نفسه، " حقوقي و قيادي سابق في حزب المؤتمر من اجل الجمهورية و لاجئ سياسي سابق بباريس" وفي الوقت نفسه هو ابن الأستاذ محمد النوري عضو في حركة الاتجاه الإسلامي، همّش نتيجة موقفه من الغنوشي .شهادات خطيرة نشرت منذ أواخر 2019، والغريب أن تقابل بصمت رهيب من الغنوشي وحتى ممن ذكرهم النوري سواء بالتصديق أو التكذيب. ولعمري تلك دوافع شافية وضافية لأن يتساءل المرء عن مصدر ثروة الغنوشي ويبحث عن جواب عقلاني يجيب عن حقيقة ما حصل.
 

الكلمات المفاتيح:
شارك :