تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

مقابلة مع الباحث محمد السويلمي: «الإسلاميون وإكراهات السياق التونسيّ»

شارك :

رامي التلغّ

لا يبدو أن الجدل حول الإسلام السياسي في تونس سينتهي قريباً، سياسياً وأكاديمياً. مع أن أكبر حركات الإسلام السياسي في البلاد، وهي حركة النهضة، قد أعلنت تخليها عن هذا "النوع" من الإسلام، وتوجهها نحو نسخة جديدة أطلقت عليها اسم "الإسلام الديمقراطي"، لكنها لم تفسر للعموم ماهيته ولم تكشف عن الفوارق بينه وبين "السياسي". في المقابل توجد "حالة جهادية" عنيفة ما زلت فاعلة على مستوى الخطاب والممارسة، على الرغم من تقهقرها، بعد العام 2016، بعد القضاء على خلافة داعش. لكن الخطاب المؤسس لهذه الحالة العنيفة مازال سائداً ويجد له منابر في الواقع وخاصة خلف الشاشات وفي الإنترنت. فإلى أين تسير كل هذه النسخ من "الإسلام" وماهي أفق حركتها؟

في هذه المقابلة، حاول الدكتور محمد السويلمي الباحث في الجماعات الإسلامية في الجامعة التونسية أن يفكّك مختلف هذه الإشكالات من زاوية نظر مختلفة. السويلمي متحصّل على رسالة دكتوراه في اختصاص الحضارة والفكر الإسلاميّ بأطروحة بعنوان "العورة في الخطاب الفقهيّ المعاصر"، له بحوث علميّة محكّمة " منها "الخطاب الدينيّ المعاصر وإعادة المأسسة: الإفتاء الإلكترونيّ نموذجا"، وبحث بعنوان "في بطريركيّة الخطاب الفقهيّ: الفقيه المعاصر وإعادة إنتاج المفاهيم" و"مفهوم التوحيد وإبدالاته في خطاب الإسلام السياسي" و"الخطاب الجهاديّ الإلكترونيّ وعولمة العنف المقدّس".

  • منذ وصول حركة النهضة للسلطة أول مرة سنة 2011، ظهرت لنا بوجوه مختلفة بين خطاب تطبيق حد الحرابة وخطاب المصالحة الوطنية الشاملة، ما هي تطلعات حركة النهضة؟ هل لازالت مسكونة بهاجس لتطبيع وجودها في المشهد السياسي التونسي؟

حركة النهضة بوصفها مكوّنا في الإسلام السياسيّ تعيش تمزّقا بين الوفاء للمرجعيّات الأيديولوجيّة الأثيلة التي تشكّلت على امتداد عقود من ناحية، وإكراهات السياق التونسيّ بمختلف تقاطعاته من ناحية أخرى. فحركة النهضة تنطوي في أدبيّاتها وتاريخها على مخيال سياسيّ مكين تؤثّثه حشود من المفاهيم كالحاكميّة والشريعة والجاهليّة والأصالة والآخر العلمانيّ أرساها الآباء المؤسّسون والمنظّرون الأيديولوجيّون من المودوديّ إلى سيّد قطب. هذا المخيال السياسيّ يشدّها إلى أفق منغلق وحذر من منتجات الحداثة كالمواطنة وحقوق الإنسان والحرّيّات الفرديّة والعلمانيّة وحرّيّة الضمير والاختلاف. غير أنّ لتحوّلات السياقات المحليّة والعالميّة استتباعاتها التي تفرض على الحركة أن تتكيّف وتعدّل خطاباتها وأدواتها، ولا أقصد ههنا أن تعيد مراجعة أدبيّاتها بشكل جذريّ وإحداث قطيعة بنيويّة ومنهجيّة مع هذه المرجعيّات. فالخطابات المعلنة في كثير من الأحيان يشوبها التعميم والتباس المعاني ويعتريها التناقض الذي يبدو متعمّدا للحفاظ على القاعدة الانتخابيّة وهي في أغلبها تقليديّة وشعبيّة تتبنّى تصوّرات محافظة. هذه السياقات تقوم على إنتاج صورة إعلاميّة وترويجها في الأوساط الشبابيّة في الداخل، فضلا عن تسويقها على صعيد عالميّ للاستجابة لاشتراطات القوى العالميّة الفاعلة. كلّ هذا لخّصه "آصف بايات" Asaf Bayat في مصطلح "ما بعد الإسلامويّة" Post-Islamism الذي يشير إلى تحوّلات الإسلام السياسيّ من استراتيجيّاته التقليديّة التي تقوم على رفض الديمقراطيّة وممانعة الانخراط في مؤسّسات المجتمع إلى استراتيجيّات تكتيكيّة طارئة تستفيد من البدائل السياسيّة التي يتيحها المجتمع المدنيّ. ويبدو أنّ حركة النهضة قد استوعبت سريعا تجربة الإسلام السياسيّ في تركيا وماليزيا واتّعظت من تجربة الإسلام السياسيّ في السودان ومن سقوط حركة الإخوان في مصر. فغيّرت في خطاباتها وخفّضت من منسوب التصعيد والمواجهة وأبدت ليونة سياسيّة وفكريّة في محاولة للتناغم وهذه الإكراهات وعدم الزجّ بنفسها في موقع المناوئ للمتطلّبات المجتمعيّة في مجال الحقوق والحرّيّات. ولكن هل خطابات القيادات تتناغم مع مواقف القواعد الحزبيّة والمتعاطفين؟ وهل تمتلك الحركة منظورا موحّدا ومشتركا في قضايا المجتمع الحارقة؟ قد لا تعكس طوبى الخطابات حقيقة الرهانات المجتمعيّة للحركة وقد تكّذب مآزق الممارسة هذه الادّعاءات قياسا على نموذج حزب العدالة والتنمية التركيّ في انقلابه من الإقرار بعلمانيّة الدولة إلى الاستبداد الجديد. الظاهر أنّ حركة النهضة واعية بمخاطر الحكم السياسيّ منفردة ولا تريد لشعبيّتها أن تتآكل بمفعول الغضب الشعبيّ وضخامة التحدّيّات، لهذا فهي تبحث عن الشراكات السياسيّة التي تمكّنها من الإفلات من المحاسبة والمعاقبة الانتخابيّة والاجتماعيّة وترى في الصيغة الائتلافيّة مخرجا ذكيّا لتخفيف الأعباء والتقليص من الخسارات في سياق محلّيّ وعالميّ متقلّب.

  • المتابع للمشهد السياسي التونسي يلاحظ محاولة حركة النهضة تجنب التطرق لقضايا مثل المساواة في الميراث، هل يدخل هذا التمشي في إطار التخوف من عواقب أي موقف يقع اتخاذه سواء داخليا مع القواعد او خارجيا ما من شأنه ان يؤثر في صورة الحركة أمام المجتمع الدولي؟

لا بدّ أوّلا من الإشارة إلى خصوصيّة تميّز السياق التونسيّ وهي الحراك المدنيّ والحقوقيّ الذي تمثّله هيئات ومنظّمات وشبكات العمل المدنيّ. وهو ما يمثّل فاعلا سياسيّا وإعلاميّا أساسيّا أظهر مقدرة فائقة في التجربة السياسيّة للترويكا منذ 2012 ولا يزال مسهما في كلّ جدال فكريّ حقوقيّ وكلّ حراك سياسيّ مجتمعيّ. هذا العامل المحليّ يتظافر مع اعتبارات دوليّة تمسّ مفهوم الديمقراطيّة والمواطنة وما لهما من اشتراطات ومقوّمات لا بدّ من الإذعان لها وتقمّصها. وقد يكون لتحوّلات السياسة الأمريكيّة أثرها البليغ في سياسات الحركة خاصّة وأنّ إدارة ترامب تعدّ لمشروع يصنّف جماعة الإخوان المسلمين تنظيما إرهابيّا ممّا سيكون له تبعات ماليّة وقانونيّة وإعلاميّة تريد حركة النهضة أن تنأى بنفسها عنها. لكنّ الحركة في تقديري الخاصّ تمتلك القدرة على المناورة السياسيّة والانخراط في التوجّهات المجتمعيّة ـ ولو صوريّا في شكل خطابات داعمة ـ حتّى تتجنّب الإحراجات السياسيّة ولا تخيّب أفق الانتظار داخليّا وخارجيّا. فالحركة تتبنّى الدستور الذي يقرّ صراحة ودون مواربة في ديباجته العامّة بالمساواة المجتمعيّة، والحركة صوّتت لصالح قوانين تجرّم التمييز والعنف ضدّ النساء. بل إنّ نائبة كيامينة الزغلامي كانت قد طالبت وزير التربية بإدماج التربية الجنسيّة في المدارس، وراشد الغنّوشي لا يرى حرجا في حرّيّة المثليّين الجنسيّة. ولكن أتمثّل هذه التصريحات حقّا عن إيمان مبدئيّ بمنظومة حقوق الإنسان؟ إنّ كثيرا من مواقف حركة النهضة تكتيكيّة أكثر منها استراتيجيّة بمعنى أنّ الخطابات تساير النزعة المجتمعيّة السائدة وتتجنّب مزالق المواجهة مع الداخل والخارج وتنظر بحساسيّة إلى المغنم والخسارة معا. ويكفي تتبّع تصريحات قيادات الحركة في مسألة المساواة في الميراث لنتبيّن ثلاثة حقائق: 1 ـ خطابات تفتقر إلى وضوح العبارة ودقّة الدلالة وتأتي غالبا مشروطة باعتبارات تزيدها التباسا وغموضا وانفتاحا على قراءات شتّى بالنسبة إلى الجمهور والمتابعين. 2 ـ خطابات تتباين حسب الأشخاص والسياقات بما يعني أنّ كلّ قيادة حزبيّة تخاطب طرفا مخصوصا ممّا يضمن للحركة ألّا تخسر أنصارها على اختلاف مواقفهم ومواقعهم. 3 ـ خطابات متحوّلة من الرفض إلى الاستعداد للموافقة وكأنّما الحركة لا تتبنّى موقفا ثابتا يعبّر عن ثوابتها بل عن احتياجات آنيّة وظرفيّة.

  • في إطار آخر، صدر لكم مقال علميّ محكّم بعنوان "في الإرهاب والإرهاب الإلكترونيّ: التباسات المفهوم وتقاطع المقاربات" بمجلّة "قضايا التطرّف والجماعات المسلّحة". فكيف ساهمت الإنترنت في سرعة انتشار الخطاب الأصولي، خاصة من خلال السياسة التعبوية التي تعتمدها الجماعات الجهادية؟ 

لا يولد العنف من عدم ولا يمكن ردّه إلى سبب مخصوص بعينه، بل من الضروريّ فهمه في سياقاته الخاصّة وتتبّع منابعه وموارده وأشكاله وأدواته لنتمكّن من تفهّمه وتفكيك آليّاته للوصول إلى بدائل تخفّف منه ولا أقول تقضي عليه. وإذا وصلنا الجهاديّة المعاصرة بالتحوّلات العالميّة وخاصّة موجة العولمة التي انطلقت في سبعينات القرن الماضي فهمنا أنّ حركات التطرّف العنيف ذات أصول اجتماعيّة وسياسيّة وثقافيّة. وهنا يكون السؤال الجوهريّ: هل المنصّات الإلكترونيّة هي التي ولّدت الجهاديّة ودعمتها وأسهمت في عولمتها أم أنّها كانت مجرّد بيئة تمكين سرّعت تغوّلها وعزّزت دمويّتها وانتشارها؟ ارتبطت الجهاديّة المعاصرة بالتجربة الأفغانيّة التي تنزّلت في إطار صراع المعسكرين الغربيّ الرأسماليّ والشرقيّ الاشتراكيّ الذي تدخّلت فيه قوى عالميّة وإقليميّة بالمال والفتوى والدعاية والتسليح والتنظيم. وللباحث "فواز جرجس" كتاب هامّ بعنوان "كيف أصبح الجهاد عالميّ؟" حلّل فيه بدقّة العوامل السياقيّة التي أسهمت في عولمة الجهاديّة وظهور مفهومي "العدوّ القريب" Near Enemy و"العدوّ البعيد" Far Enemy. لهذا أرى أنّ الجهاديّة صناعة أيديولوجيّة أنتجتها عوامل متنوّعة من إخفاق الدولة الوطنيّة وسياسات الاستبداد إلى الاحتضان الفكريّ والماليّ والتنظيميّ لقوى إقليميّة ودوليّة. وبهذا فالإنترنت بيئة اتّصاليّة مكّنت لهذه الجماعات من عبور الحدود والحواجز الثقافيّة واللغويّة والمجاليّة واستثمار ما يتيحه الفضاء الإلكترونيّ من إمكانات اتّصاليّة سريعة وحرّة وغير مراقبة ومحدودة التكاليف والمجهود في الترويج لسياسة المظالم وتسويق فكرة الجهاد الأثيرة في الذاكرة والوجدان. وحتّى تفلح الجماعات الجهاديّة في تحويل الفضاء السيبرانيّ إلى مجال تعبئة وتحشيد وتنظيم لا بدّ من وجود فراغ اجتماعيّ وخواء فكريّ واستعدادات نفسيّة، فالتهميش وفشل المشاريع التنمويّة ولّد أجيالا من الساخطين، وانعدام حقل سياسيّ ديمقراطيّ دفع إلى التطرّف العنيف، ووجود أيديولوجيا دينيّة تبرّر للجهاد وتنظّر له أكسب هذا الإرهاب الشرعيّة والوجاهة. لذا فالإنترنت سياق محفّز وليس مولّدا للجهاديّة الإسلاميّة.

  • في ظل تقهقر جيوب التطرف سواء في ليبيا أو في سوريا، كيف ترون تأثير هذه التحولات على المشهد التونسي؟ 

يخامرني سؤال: هل دحر جيوب التطرّف كفيل بالقضاء عليه أم إنّ مشاريع إعادة إنتاج الإرهاب قادرة على استدامة حالة العنف؟ تثبت تجربة الجهاد الأفغانيّ ثمّ الجهاد العراقيّ ثمّ الجهاد السوريّ من ناحية، وتعاقب أجيال القاعدة وتناسل الجماعات في سياقات مختلفة في أوروبا وأفريقيا وآسيا من ناحية أخرى أنّ القضاء العسكريّ على هذه التنظيمات على محدوديّتها يضلّ عاجزا عن اجتثاث التطرّف العنيف وإبادته بشكل نهائيّ. وهذا سيخلق معضلات عميقة للدول المجاورة لبؤر التوتّر مثل تونس، فالحدود الممتدّة تتيح هوامش لتسلّل المقاتلين وتمركزهم في مناطق القتال داخل المرتفعات وفي المدن خاصّة في ظلّ وجود شبكات تهريب نشطة وتمتلك قدرات لوجستية هائلة ناهيك عمّا يمكن أن يحدث بسبب تدفّق أمواج اللاجئين إلى التراب التونسيّ. والواضح أنّ الأعداد الهائلة من الجهاديّين التونسيّين في سوريا وليبيا ستجد بدائل وفرصا لها في المجال التونسيّ وبإمكانها النجاح في دخول هذا المجال بطرق عدّة حتّى الرسميّة منها ما دامت لها حواضن قتاليّة وشعبيّة تيسّر لها الأمر. مع العلم أنّ الدولة التونسيّة ستواجه مشكلات كبيرة نتيجة لنقص المعلومات الاستخباراتيّة (انعدام علاقات ديبلوماسيّة مع سوريا أو أنشطة أمنيّة تعاونيّة، وفي ليبيا مشكلة التعامل مع حكومة طرابلس والجماعات المسلّحة). كلّ هذا يضع الحكومة التونسيّة أمام تحدّيّات جسيمة في مواجهة جماعات متمرّسة بميادين القتال وتمتلك خبرات عسكريّة هائلة ودعما داخليّا وخارجيّا. وبمعنى آخر فإنّ فلول الجهاديّين ستبحث عن تموقعات جديدة وبؤر لممارسة أنشطتها الإرهابيّة ومنها تونس التي قد تساعدها ظروفها السياسيّة المتقلّبة أو وجود نويّات تنظيميّة جهاديّة أو الحدود الغربيّة مع الجزائر أو عمليّات الهجرة غير القانونيّة على الحركة والنشاط واستئناف الأعمال الجهاديّة.

  • هل يمكننا أن نجزم أنّ داعش انتهى تنظيميا، وما تبقى منه غير بضعة ذئاب منفردة بلا تنظيم؟

لكي نتوقّع مآل داعش لا بدّ أن نعود إلى المنطلقات فالنهايات موصولة بالبدايات. تنظيم داعش ليس إلّا مرحلة جديدة من القاعدة وأغلب قياداته كانت تعمل في هذا التنظيم ونشأت في السياق العراقيّ. وقد يكون الاختلاف الوحيد بين الطورين أنّ القاعدة اكتفت بوجود سرّيّ يجعلها تمارس حرب العصابات أو العمليّات الخاطفة والانتقاميّة بينما تنظيم داعش سلك منهجيّة جديدة باستحواذه على مجال جغرافيّ واجتماعيّ وفّرته له طبيعة الجغرافيا العراقيّة السوريّة. وهذا يعني أنّ داعش نسخة جديدة ومحيّنة من تنظيم القاعدة ممّا يعني قدرته على استنساخ نفسه في أشكال جديدة ومجالات أخرى مختلفة.  وقد يكون السيناريو الأٌقرب في استشراف داعش أن يتحوّل إلى تنظيمات صغيرة ومحدودة العدد تعمل في أماكن مختلفة ولكن بنفس التكتيكات ونفس المظلّة الأيديولوجيّة لأنّ داعش في تصوّري كان صنيعة قوى محلّيّة وإقليميّة ودوليّة وفّرت له أرضيّة الانتشار والفعل وهي نفسها التي ستعيد زرعها في مجالات أخرى لاعتبارات استراتيجيّة كأفريقيا وآسيا. ولا يعني هذه أنّ خيار الذئاب المنفردة غير وارد، فمن السهل أن يحوّل التنظيم خسارته الكبرى إلى ردود فعل انتقاميّة متفرّقة تحت مسمّى داعش. ولكن هل المشكلة في التنظيم أم في الإرادات الدوليّة والإقليميّة؟ الإرهاب في الأفكار لا في الرصاص، والإرهاب حصاد لمشروع مقصود ومدعوم، فما دامت هناك سياسات داعمة لاستراتيجية إحداث الفوضى واستثمار الطائفيّة واستخدام المليشيات فمن العسير القول بموت التنظيم عمليّا وأيديولوجيّا بل سيكون كطائر العنقاء ينبعث من رماده في سياقات مختلفة ولكنّها مدروسة كلّما اقتضت الضرورات الاستراتيجيّة ذلك. بل إنّ استراتيجيا الذئاب المنفردة أكثر خطورة لعسر ضبطها وتحديد القائمين بها خاصّة إذا كانت أعداد المؤمنين بأيديولوجيا داعش كبيرة ويمكنها الحركة والتمويه على خلاف التنظيمات الجماعيّة التي يسهل مراقبتها ويمكن اختراقها وتوقّع مخطّطاتها.

  • هل توجد استراتيجية لمقاومة الإرهاب في تونس أم هي فقط مجرد ردود فعل أمنية؟

رغم أنّ الدول العربيّة والإسلاميّة هي الأكثر تضرّرا من الأنشطة الإرهابيّة بوصفها محاضن لبؤر التوتّر فقد أثبتت الوقائع أنّها الأقلّ جاهزة لمقاومته واستيعابه وتونس مثال حيّ ودالّ على ذلك. فأغلب الدول الغربيّة سارعت إلى تبنّي سياسات مخصوصة لمقاومة الإٍهاب تلائم سياقاتها واحتياجاتها وأجرت تعديلات مؤسّسيّة وأطر قانونيّة واستنهضت مراكزها البحثيّة وجنّدت علاقاتها الأمنيّة والاستخباراتيّة لمجابهة هذا الخطر الكامن والمتجدّد. ولكن ماذا عن تونس؟ يمكن تقسيم التجربة التونسيّة إلى طورين في مكافحة الإرهاب: طور أوّل حتّى سنة 2015 وتميّز بعجز الأجهزة الأمنيّة عن الاستباق وتفكيك هذه الخلايا وتواتر العمليّات الإرهابيّة، وطور ثان يمتدّ إلى الآن وفيه استرجعت مؤسّسات الدولة قدرتها على التوقّي والاختراق والمواجهة. وفي منظورنا التحليليّ فإنّ كلّ استراتيجيا لمقاومة الإٍرهاب تقوم على ثلاثة مكوّنات:

1 ـ الإرادة السياسيّة وهي التزام الفاعلين السياسيّين بنفس الرؤية والتمشّيّات.

2 ـ القدرات التقنيّة واللوجستية والماليّة والقانونيّة التي تكفل للمؤسّسات العمل والتنسيق.

 3 ـ المنظور أو المنهاج الذي يقوم على معالجة شاملة ومتقاطعة تأخذ في الاعتبار كلّ العوامل والسياقات.

 لكنّ الدولة التونسيّة وجدت نفسها أمام مفارقات عجيبة: فهذه الجماعات الجهاديّة تتقاطع في أدبيّاتها ومواقفها من الآخر الغربيّ أو النمط المجتمعيّ مع قوى الإسلام السياسيّ في تونس على الأقلّ مع الجناح المتصلّب منها ومع القواعد المحافظة والتقليديّة. وتشهد كثير من الوقائع والمؤشّرات على أنّ حركة النهضة التي أدارت البلاد بعد 2011 قد وفّرت مجال عمل لهذه الجماعات في النشاط الدعويّ وفي المساجد والجمعيّات وبناء شبكات التمويل والتسفير وتقديم تسهيلات إداريّة ولم تقدم على كبح جماحها إلّا بعد حرق السفارة والمدرسة الأمريكيّتين وما أعقبه من ضغوط وسعي إلى التنصّل من هذه الجماعات. وفضلا عن ذلك فإنّ الفاعلين السياسيّين أبانوا عن عدم جدّيّة في تفكيك الأسس الاقتصاديّة والاجتماعيّة للجهاديّين وتحديدا شبكات التهريب التي تعمل على الحدود الجنوبيّة والغربيّة ممّا يوفّر قاعدة ماليّة وعمليّة لكثير من أعضائها ويكفل ديمومة التمويل واستمرار التسهيلات. وتثير علاقة القوى السياسيّة وحركة النهضة تحديدا بالجماعات المسلّحة في طرابلس كثيرا من الشكوك عن مضمون هذه الروابط واستحقاقاتها، وليس أدلّ على ذلك من اتّفاق وزير الداخليّة التونسيّ الحاليّ مع نظيره الليبيّ في حكومة الوفاق على استقبال الجرحى ومداواتهم في الحرب الدائرة الآن. أمّا ما تعلّق بأدوات مكافحة الإرهاب تقنيّا وعسكريّا ولوجيستيّا فإنّ تردّي الأوضاع الاقتصاديّة وتراجع قدرات الاقتصاد الوطنيّ يؤثّر سلبا في هذا الاستعداد ويحدّ من قدرات القوّات الأمنيّة التي تحتاج إلى إعادة هيكلة ومأسسة بما يستجيب للتحدّيّات الجديدة. وهو ما لا ترغب فيه القوى السياسيّة التي ترى في أجهزة الأمن غنيمة لا بدّ من اختراقها والسيطرة على مفاصلها وتوجّهاتها. بينما يظلّ المكوّن الثالث وهو المقاربة التقاطعيّة التي تشمل كلّ المناحي الاجتماعيّة والاقتصاديّة والثقافيّة أضعف المستويات في الاستراتيجية التونسيّة، فأحزمة البؤس المنتشرة في دواخل تونس وأحيائها الشعبيّة، وحالة الإحباط لدى فئات واسعة وخاصّة الشباب، وتزايد وتيرة البطالة، وضعف الأداء التربويّ كلّها عناصر تتشابك في خلق الأرضية الملائمة للأنشطة الإرهابيّة. والظاهر أنّ مؤسّسات الدولة ـ حسب تقرير دائرة المحاسبات ـ قد أسهمت في تبييض كثير من الأموال وعدم مراقبة التحويلات المصرفيّة المشبوهة من قبل البنك المركزيّ والنظام البنكيّ بصفة عامّة. وهذا يتلاقى مع الكمّ الهائل من الجمعيّات والشركات الوهميّة في توفير غطاء قانونيّ لكثير من الأنشطة المرتبطة صراحة أو ضمنيّا مع النشاطات الإرهابيّة بما يحمّل أطرافا سياسيّة بعينها مسؤوليّة هذا الانفلات المؤسّساتيّ. لذا فإنّ مقاومة الإرهاب إرادة سياسيّة ملتزمة وشفّافة وهو ما لا يتوفّر في السياق التونسيّ.

الكلمات المفاتيح:
شارك :