تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

مقابلة مع حسين الديماسي: سنشهد تنامي لمظاهر البؤس والفقر في حال لم تتفاعل الحكومة بشكل سريع

شارك :

عبد السلام الهرشي

قالت غيتا غوبيناث، المستشارة الاقتصادية ومديرة إدارة البحوث في صندوق النقد الدولي أنه إذا افترضنا أن الجائحة وما يتبعها من إجراءات احتواء، ستبلغ الذروة في الربع الثاني من العام بالنسبة لمعظم البلدان، فإننا في أفاق الاقتصادي العالمي، لشهر أفريل، نتوقع أن يتراجع النمو العالمي في 2020 بنسبة 3%، وهو تراجع بـ 6.3% نقطة عن شهر جانفي لهذا العام. في ما يتعلق بتونس توقع الصندوق انكماشا في الاقتصادي التونسي سيفضي إلى تراجع بنسبة 4.3 بالمائة في نسبة النمو هذا إضافة إلى الارتدادات الاجتماعية لأزمة فيروس كورونا. مدى تأثير هذه الأزمة في الاقتصاد التونسي والعالمي وأزمة النفط ومصير المؤسسات التونسية في ظل هذه الأزمة إضافة إلى عدة قضايا أخرى يطرحها صواب الرأي على وزير المالية الأسبق والخبير الاقتصادي حسين الديماسي.

كيف ستكون تداعيات كورونا على الاقتصادات العالمية؟

أهم مؤشر يمكن أن نركز عليه هو نسق النمو، التداعيات الاقتصادية للفيروس ستكون مختلفة بدرجات من دولة إلى دولة لكن إجمالا فيروس كورونا ستكون له تداعيات كبيرة على الاقتصاد العالمي بصفة عامة، وحسب توقعاتي نسبة التراجع فيه ستكون سلبية بأكثر من 3 بالمئة.

 هل يمكن أن يحدث تغيير في التوازنات العالمية؟ هناك من يتحدث عن انهيار وشيك للاتحاد الأوروبي؟

التجمعات الاقتصادية كلها مهددة اليوم وليس فقط الإتحاد الاوروبي، أمريكا والإتحاد الأوروبي سلموا في كل ما له علاقة بالإنتاج للدول الأقل كلفة مثل الدول الأسيوية واقتصروا فقط على التكنولوجيا وهو ما يجعلهم عرضة لهزات اقتصادية وارتفاع في نسب البطالة. الصين أيضا مهددة لأن اقتصادها مبني بصفة كلية على التصدير وأسواقها الأساسية هي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وهم بدورهم سيعيشون انكماشا في السنوات المقبلة وهو ما سيؤثر بشكل مباشر عليها. في النهاية الدول والتحالفات الاقتصادية جميعا سيعيشون أوضاعا صعبة في السنوات المقبلة.

هل يمثل فيروس كورونا تحديا للرأسمالية العالمية؟

على مدى قرون طويلة أمامنا ستبقى الرأسمالية هي منظومة الاقتصاد الأساسية، ما يمكن أن يتغير اليوم هو طريقة التعديل للرأسمالية. منذ أكثر من 30 سنة أصبح السوق هو المحدد الوحيد للمنظومة الرأسمالية، قبل ذلك كان هناك مجال لتدخل الدولة، لكن طوال الفترة الماضية وحتى اليوم أصبح السوق هو المحرك الرئيسي للاقتصاد ما نتج عنه تداعيات كبيرة على الاقتصاديات الرأسمالية العالمية، وهو ما مكن الصين من أن تصبح مصنع العالم. إذن في ظل هذه الأزمة يمكن الرجوع إلى حد أدنى من دور الدولة في تعديل الاقتصاد وليس التخلي عن الرأسمالية ككل.

 كيف تفسر توازي أزمة النفط مع أزمة كورونا؟

هناك القليل من الصدفة في الموضوع، ولكن في ما يتعلق بأزمة النفط هناك شيء مفتعل، بعض البلدان قاموا بهذه العملية للإضرار ببلدان أخرى في السنوات القليلة القادمة سنرى عكس ما سيحدث الآن، في ظل الأسعار الحالية سينخفض الاستثمار او البحث عن حقول جديدة، لا يوجد أي مؤسسة في العالم يغريها الاستثمار في مجال النفط في الوضع الحالي وهو ما سيؤثر على سعر النفط في السنوات القادمة مثلما حصل في السبعينات سيرتفع الطلب و يتراجع العرض مثلما حصل في السبعينات. لكن هذا التوازي بين أزمة النفط وفيروس كورونا عمق أزمة النفط وجعل خام تكساس مثلا يسقط إلى ما تحت الصفر لأنه بسبب هذا الفيروس شهدنا تراجعا للطلب العالمي على النفط خاصة من الصين.

 إلي أي مدى يمكن أن يؤثر فيروس كورونا في الاقتصاد التونسي؟

من المؤكد أن تأثير فيروس كورونا على نسق نمو الاقتصاد التونسي سيكون سلبيا، فنسبة التراجع حسب صندوق النقد الدولي ستكون بين 4 و5 بالمئة. لكن المقلق في المسألة هو انعكاسات هذه الأزمة اجتماعيا فهناك عدة مؤسسات ستجد نفسها في وضعية سيئة للغاية في مجالات السياحة والصناعة الخدمات، وهذه المؤسسات سيضطر بعضها إلى إشهار إفلاسه وسيضطر البعض الأخر إلى التخلي عن بعض الموظفين وهو سيتسبب في ارتفاع نسبة البطالة. هناك الكثير من المؤشرات العالمية التي تتحدث عن احتمالية تفشي الجوع في بعض البلدان، في ما يتعلق بتونس هذه الاحتمالية مرتبطة بالحكومة وكيفية توزيعها للميزانية وكما نعرف الميزانية التونسية تعاني مشاكل عديدة. وهنا، أطلب من الحكومة أن تحاول تفادي قدر الإمكان السقوط في التداين الخارجي، لأن تونس وضعها الحالي صعب جدا في ما يتعلق بالديون، وزيادة نسبة الدين الخارجي سوف تؤثر بشكل كبير على البلاد في السنوات المقبلة، كما اطلب منها وضع خطة للمحافظة على النسيج الاقتصادي و المحافظة على المؤسسات من شبح من الإغلاق و الإفلاس. نقطتان مهمتان في المرحلة المقبلة، أعتقد أنهما سيؤثران في مسارنا الاقتصادي والاجتماعي.

ماذا يعني تراجع نسبة النمو إلى 4 بالمئة؟ ماذا سنرى في الواقع؟

في حالة لم تمتلك الحكومة القدرة والشجاعة للبحث عن موارد إضافية بدون السقوط في فخ التداين الخارجي لإنقاذ الاقتصاد فيمكن أن نرى تنامي لمظاهر البؤس والفقر والشقاء وغلق مؤسسات وارتفاع لنسب البطالة. لقد قدمت بعض المقترحات بمعية بعض الخبراء للحكومة من أجل مساعدتها للخروج من أزمة ما بعد كورونا دون اللجوء إلى التداين الخارجي. أما في حالة بقيت ميزانية الدولة بهذه الطريقة التقليدية وواصلت الاعتماد على التداين الخارجي فحسب توقعاتي ستكون السنوات المقبلة صعبة جدا على تونس.

كيف سيكون تأثير الأزمات الاقتصادية التي ستشدها دول العالم على تونس؟

الاقتصاد التونسي مبني على 3 محركات، أولا التصدير ثم الاستهلاك الداخلي وثالثا الاستثمار. أهم حرفاء تونس هو الإتحاد الأوروبي. وحالة الغلق التام التي يعيشها الإتحاد الأوروبي ستجعل واردته تنخفض بشكل كبير وبالتالي هناك نسبة كبيرة من الصادرات التونسية ستتأثر.

أما في ما يتعلق بالاستهلاك الداخلي فأتوقع أنه سينخفض بشكل ملحوظ، ففيروس كورونا أحدث رجة في نفسية التونسي خاصة في ما يتعلق بتأثيراته الاقتصادية وحالة اللهفة التي شاهدناها على المواد الغذائية، سينتج عنها فقدان الثقة والشعور بالخوف ورؤية المستقبل بصورة قاتمة وهو ما سيجعل التونسيين يدخرون أكثر ويستهلكون أقل. وذلك ما سينتج عنه ضرب ثاني أهم محرك للاقتصاد التونسي وهو الاستهلاك الداخلي. أما بالنسبة للاستثمار فهو في سبات عميق منذ سنوات طويلة، أضف عليه الأزمة التي تعيشها دول العالم اليوم وهو ما يعني أن المستثمرين حتى وإن وجدوا، فلن توجد لديهم أي رغبة في الاستثمار في وضع مثل الوضع الذي نعيشه.

 ما هو تقييمك للعمل الحكومي اليوم؟

لم تكد الحكومة الجديدة تحظى بثقة مجلس النواب حتى اندلعت أزمة فيروس كورونا وهذا يعتبر عائقا كبيرا. لكن في المقابل بالنظر إلى المسار التي تشكلت فيه الحكومة لا أعتقد أنها قادرة على إحداث تغيير إيجابي. فمثلا قرارات الفريق الحكومي الحالي لا تحتوي على أي تناسق. يتخذ رئيس الحكومة قرارا لمساعدة الفئات الهشة والضعيفة بمبلغ قدره 200 دينار، بعد أيام يطل علينا وزير الفلاحة ليعلن الزيادة في أسعار الماء والغريب أن النصيب الاكبر من الزيادة يمس الفئات الفقيرة وتنخفض نسبة الزيادة كل ما زاد الاستهلاك. ليأتي بعدها وزير الطاقة ليعلن تخفيضا في أسعار المحروقات. فوضى كبيرة وقرارات متناقضة.

ما هي الحلول التي تقترحها الآن للحد من الأزمة؟

أولا اقترحت مع بعض الخبراء أن تقترض الحكومة من الداخل بقرض يسمى قرض وطني يساهم فيه الأثرياء في تونس بنسب فائدة مقبولة وأعتقد أن هذه العملية ستوفر مبالغ محترمة للدولة. أيضا هناك قطاعات تحقق أرباحا كبيرة جدا مثل البنوك وشركات الاتصال والمساحات التجارية الكبرى ـ أعتقد أنه على الدولة في الوضع الحالي توظيف ضريبة على هذه القطاعات، على الأقل وقتية لتوفير التمويل للميزانية. ثالثا يمكن للبنك المركزي حماية للمؤسسات التونسية من خلال تقديم قروض بنسب فائدة منخفضة بعد اتفاق بين الحكومة والبنك المركزي بضمان الدولة. كما يمكن للحكومة تحويل بعض المصاريف المضمنة في الميزانية لأهداف غير مؤكدة، إلى مصاريف مؤكدة.

هل يمكن للدولة استغلال أزمة كورونا اقتصاديا؟

هذا كلام بعيد كل البعد عن الواقع. هذا الفيروس أحدث انهيارا اقتصاديا يقارن بأزمة الثلاثينات لا يمكن لأي دول استغلاله اقتصاديا.

الكلمات المفاتيح:
شارك :