تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

معركة النهضة القادمة: سحب بقية صلاحيات الرئيس

شارك :

في ظل عدم توفر الظروف والأليات الكافية، قانونياً وسياسياً لدى حركة النهضة وحلفائها لعزل الرئيس قيس سعيد من منصبه، كما يطالب قطاع عريض من قادتها، فإن الحركة قررت التوجه نحو خيار أخر هو سحب بقية صلاحيات الرئيس من خلال التفكير في تعديل النظام السياسي من "الرئاسي المعدل" إلى "البرلماني الخالص"، حيث سيتحول منصب الرئيس حينذاك إلى مجرد منصب شكلي.
في هذا السياق  اعتبر رئيس البرلمان وزعيم حركة النهضة راشد الغنوشي أن دور الرئيس "رمزي" فيما يرتبط بأزمة اليمين الدستورية للوزراء الجدد في التعديل الحكومي، في تصريحات تعمق الخلافات بين رئاسة الجمهورية ورئاسة البرلمان.
وينص الفصل 88 من الدستور على أنه ''يمكن لأغلبية أعضاء مجلس نواب الشعب المبادرة بلائحة معلّلة لإعفاء رئيس الجمهورية من أجل الخرق الجسيم للدستور، ويوافق عليها المجلس بأغلبية الثلثين من أعضائه، وفي هذه الصورة تقع الإحالة إلى المحكمة الدستورية للبت في ذلك بأغلبية الثلثين من أعضائها. ولا يمكن للمحكمة الدستورية أن تحكم في صورة الإدانة إلا بالعزل. ولا يُعفي ذلك من التتبّعات الجزائية عند الاقتضاء. ويترتب على الحكم بالعزل فقدانه لحق الترشح لأي انتخابات أخرى''.
وينتظر الشارع في تونس كيف ستؤول الأزمة الحالية مع تلويح الرئيس قيس سعيد بعدم قبول الوزراء الجدد لأداء اليمين الدستورية، بعد نيلهم الثقة في البرلمان في 26 من الشهر الجاري، بسبب تحفظه على البعض منهم ممن رشحهم رئيس الحكومة هشام المشيشي. وقال الغنوشي في حوار افتراضي على تطبيق زوم "الرئيس يمتنع عن أداء القسم للفريق الجديد من الوزراء وبالتالي هو رافض للتعديل الوزاري". وتابع "الرئيس يعتقد أن له الحق في أن يقبل بعض الوزراء ويرفض البعض الآخر، هذه إشكالية المزج بين النظام الرئاسي والنظام البرلماني".
وقال الغنوشي إن تونس نظامها برلماني ودور رئيس الدولة هو دور رمزي وليس دورا إنشائيا، وموضوع الحكم ومجلس الوزراء يعود إلى الحزب الحاكم وهو بالأساس مسؤولية الحكومة. وأوضح أن الحاجة هي إقامة نظام برلماني كامل يمنح مقاليد الحكم إلى الحزب الفائز في الانتخابات التشريعية. وتابع رئيس البرلمان "ربما الدرس الذي سنصل إليه هو أن نقيم نظاما برلمانيا كاملا فيه فصل حقيقي بين السلطات. والسلطة التنفيذية كلها في يد واحدة، في يد الحزب الفائز في الانتخابات وهو الذي يقدم رئيسا للوزراء".
وكان الرئيس قيس سعيد قد أشار إلى وجود شبهات فساد حول بعض الوزراء المقترحين، وسط مخاوف من حدوث أزمة دستورية غير مسبوقة في البلاد، في ظل التوتر المستمر بين قصر قرطاح من جهة، والبرلمان ورئاسة الحكومة من جهة أخرى. ويرى مراقبون أن تصريحات الغنوشي ستزيد من حالة الاستقطاب التي تشهدها البلاد في وقت وصل فيه المسار السياسي إلى حالة انسداد حاد، وسط انقسام متفاقم خاصة بعد حسم المشيشي خياراته بالميل صوب حركة النهضة. واستطاع المشيشي من خلال التحوير الوزاري المثير للجدل تمرير كافة الوزراء بالاستناد إلى التحالف الثلاثي بين حركة النهضة وحزب قلب تونس وائتلاف الكرامة، وهو التحالف الذي يوصف بالحزام السياسي والبرلماني للحكومة.
وبدأت الأزمة بين الرئيس قيس سعيد والحكومة التونسية وظهيرها السياسي تأخذ منعرجا خطيرا، في ظل تلويح بسحب الثقة من الرئيس التونسي في حال عطل التحوير الحكومي. وحذّر النائب عن كتلة قلب تونس عياض اللومي في مداخلته أمام البرلمان الثلاثاء رئيس الجمهورية من خرق الدستور، مشيرا إلى أن الدستور يمنح لمجلس نواب الشعب صلاحية سحب الثقة منه في حالة الخرق الجسيم.  وشدد اللومي على أن الدستور يعطي لرئيس الحكومة صلاحيات التحوير الحكومي.
وتبنت تونس في دستورها الجديد لعام 2014 النظام البرلماني المعدل الذي يمنح رئيس الحكومة، مرشح الحزب الفائز في الانتخابات، صلاحيات تنفيذية واسعة. ورئيس الجمهورية منتخب من الشعب بصفة مباشرة، ولكن صلاحياته تنحصر أساسا في مسائل الدفاع والأمن القومي والسياسة الخارجية.
ولمح الرئيس سعيد في حملته الانتخابية وفي الكثير من خطاباته إلى رغبته في تعديل النظام السياسي نحو نظام رئاسي مع  تعزيز الصلاحيات للحكم المحلي. ولا تتوقف الأزمة في تونس عند المسارين السياسي والدستوري، وإنما امتدت إلى المسار الاجتماعي الذي بات يتسم باحتقان شديد. وقد تزيد الأزمة الدستورية من تعقيد الوضع في تونس، التي شهدت اضطرابات ليلية قبل أسبوعين في عدة مدن واحتجاجات ضد الفقر والبطالة تسببت في توقيف أكثر من ألف شخص، وسط تواصل الاحتجاجات التي تلقي بثقلها على مجمل المشهد العام في البلاد، الذي دخل في حالة تخبط.

الكلمات المفاتيح:
شارك :