تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

«مورو» خارج المشهد: مرارة «الخذلان» وغدر «الإخوان»

شارك :

أحمد نظيف

ليست المرة الأولى التي يستقيل فيها، عبد الفتاح مورو، من حركة النهضة، ويبدو أنها لن تكون الأخيرة. فالرجل، الذي يعتبر شريكاً مؤسساً للحركة مع الغنوشي نداً للند، منذ أن كان اسمها «الجماعة الإسلامية» في العام 1969، لم يكن يوماً مرغوباً فيه من صقور التنظيم السري، بالرغم من شعبيته الجارفة على مستوى القاعدة، لكن التمييز، الذي تعرض له خلال السنوات الأخيرة، لم يكن مسبوقاً خلال نصف قرن من نشاطه الحركي.

مورو قال في تصريحات صحافية، إنه «أصبح الآن مواطنا عاديا يبلغ من العمر 72 عاما ويجني خبزه اليومي من عمله العادي كمحامٍ، مبرزا أنه «مهتم بالشأن العام مثلما يهتم به كل تونسي ولم تعد له أي صفة حزبية في صلب الحركة الإسلامية». لكن هل يجب أن نصدق كل ذلك؟ فهذه ليست المرة الأولى التي يستقيل فيه ويعلن عن توجهه للشأن العام، وكأنه كان مبعداً عن هذا الشأن قسراً، عندما كان في صفوف النهضة. ويبدو ذلك، في وجه من وجهوه، صائباً إلى حد ما، فالرجل قد منح منصباً «شبه إداري» في أعقاب انتخابات 2014، وهو نائب رئيس مجلس النواب عن حركة النهضة، كما جرد من أي سلطة فعلية داخل الحركة. فبعد مؤتمرها العاشر في العام 2016، انتخب نائباً للرئيس (الغنوشي) مكلفاً بالعلاقات الخارجية، لكن ذلك بقي مجرد منصب شرفي، فقد أسند الغنوشي مهمة الإشراف على العلاقات الخارجية لصهره، رفيق عبد السلام (وزير الخارجية الأسبق)، وقد عبر مورو عن شعوره بالإحباط في أكثر من مرة، داخل مؤسسات الحركة. وذهب الأمر بالقيادي محمد بن سالم (أحد معارضي الغنوشي) إلى الاحتجاج على تمثيل عبد السلام للحركة في مؤتمر للأحزاب الإفريقية، مطالباً باحترام تراتبية المناصب التي أفرزها المؤتمر!!

1

وقبل ذلك، كان عبد الفتاح مورو، قد خرج من حركة النهضة مستقيلاً في العام 1991. في أعقاب عملية باب سويقة، التي استهدفت مقرا حزبياً للتجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم في تونس، ليلة 17 فيفري 1991، أعلنت ثلاث قيادات إسلامية بارزة، في 8 مارس 1991، عن تجميد عضويتها في حركة النهضة، وهم عبد الفتاح مورو وفاضل بلدي وبن عيسى الدمني. ثلاثة من بين خمسة مؤسسين للحركة الإسلامية نهاية ستينات القرن الماضي. شكلت الخطوة ضربة موجعة لقيادة حركة النهضة وقواعدها، ومنعرجاً للحرب الدائرة بين الحركة والنظام. وقبل نشر قرار التجميد في الصحف، أرسل عبد الفتاح مورو بالتشاور مع بلدي والدمني ونور الدين البحيري برقية تعزية بتاريخ 24 فيفري إلى عبد الرحيم الزواري، الذي كان يشغل منصب أمين عام حزب التجمع، ونشر نسخة منها في جريدة الصباح اليومية. بعد ذيوع خبر التجميد، حاولت قيادة النهضة في الداخل والخارج إقناع القيادات المغادرة بالعدول عن قرارها، خاصة وأنها كانت تدير معركة طاحنة في مواجهة النظام. وفي هذا السياق أرسل الغنوشي رسالة خاصة لعبد الفتاح مورو ورفيقيه طغت عليها لهجة العتاب والغضب والتقريع واصفاً فعلهم بأنه هدية لــ «أعداء الإسلام والكافرين». ويواصل الغنوشي هجومه على رفيق الأمس قائلاً: «إنكم تسنّون سنة خطيرة ستبوؤون منها بإثم كبير إن لم تتداركوا الأمر خلاصتها: إعطاء نظام الإرهاب والكفر فرصة امتحان وفتنة كل أعضاء الحركة وقياداتها وتمزيقها بين متبرئ من إخوانه. بحجة التبرؤ من العنف أملا في الفوز بالنجاة…ولا تغرنّكم مكانتكم فإنما هي بتزكية الجماعة فإذا سحبتها بسبب قعودكم لها، مفرقين ومخذولين، فلن تكونوا شيئا مذكورا خارجها».

2

ليتعرض مورو بعد ذلك إلى عملية عزل سياسي واجتماعي من حركته التي أسسها تواصلت حتى بعد سقوط بن علي في 2011، فقد ترشح منفرداً للانتخابات التشريعية وفشل في الوصول إلى المجلس التأسيسي. ويقول الدكتور أحمد المناعي، العارف بتاريخ النهضة: «الحقيقة إن عبد الفتاح لم يجد مكانه في النهضة المنتشية بالانتصار في انتفاضة لا علاقة لها بها فأزاحت كل الذين خرجوا عن خط الانقلاب بداية التسعينات ومنهم مورو الذي دخل الانتخابات في قائمة مستقلة وفهم أن حظه منها سيكون الصفر».

ورغم ذلك، وفي أول فرصة سنحت له بالعودة إلى حركة النهضة، قرر مورو العودة، فقد وجد نفسه في حالة عزلة فرضتها عليه النهضة عندما كان خارجها، فالغنوشي لا يرى حقاً لأي قيادي في الحركة بالنشاط خارجها، وقد حدث ذلك مع أكثر من مسؤول كان في التنظيم وانشق عنها، بداية من احميدة النيفر وصولاً إلى حمادي الجبالي، الأمين العام السابق (استقال في 2013) مروراً بالقيادي البارز، صالح كركر، الذي فصله الغنوشي في العام 2002، لأنه طالب بفصل بين النشاط السياسي والنشاط الديني داخل الحركة، فطرد بتهمة " منازعة الحركة في منهجها التغيري"، مع أن الغنوشي نفسه عاد وفصل بين الدعوي والسياسي في العام 2016 (أو هكذا زعم).

مع عودته إلى حضن النهضة، تمتع مورو ببعض الامتيازات الشكلية، كما فتحت له أبواب العمل الدعوي في الخارج ضمن شبكات يرعاها التنظيم الدولي لجماعة الإخوان، مثل المشاركة في المؤتمرات التي تنظمها المراكز الإسلامية الإخوانية في الغرب وفي بعض الدول الخليجية، وكذلك الرحلات الدعوية وغيرها من النشاطات الشعبية التي يرتاح فيها الرجل أكثر من العمل السياسي المباشر، الذي كل ما اقترب منها وجد عراقيل من طرف صقور التنظيم. فمورو، حسب زعمها كان دائماً مغيباً عن النشاط التنظيمي في الحركة منذ تأسيسها، وهو الزعم الذي بنى عليه استقالته في العام 1991، والزعم نفسه الذي أنكر من خلالها وجود "الجهاز الخاص" للحركة. فقصة الرجل مع قضية الجهاز الخاص لحركة الاتجاه الإسلامي (النهضة لاحقاً) غريبة جداً. فمرة ينكر نهائياً وبشكل قاطع وجود هذا الجهاز أو وجود محاولة انقلابية كانت الحركة تخطط لها في نوفمبر 87، معللاً ذلك بأن «صالح كركر لم يكن يملك أسباب النجاح ومواقع التأثير في البلد وخاصة الإذاعة والتلفزيون والقصر الرئاسي، كي يقدم على ذلك» ولا أدري ما وجاهة هذه الحجة؟ الشيخ مورو قال إنه لم يكن على علم بوجود أي جناح عسكري وأن الشيخ راشد كان سيعلمه بذلك لو وجد هذا الجناح. وهي نفس السردية التي قدمها في أعقاب عملية باب سويقة 1991 والصدام مع النظام. مع أن عدم علم الشيخ مورو بوجود تنظيم أو جناح عسكري للحركة لا ينفي وجوده في الأصل، وهو الغائب أو المغيب – كما قال – عن التنظيم السري للحركة ويلعب دور الواجهة الشعبية والدعوية لها. وذلك خلال الجزء 12 من شهادته على العصر على قناة الجزيرة القطرية (تاريخ البث: 14/6/2015.) لكن الشيخ قال في البرنامج ذاته لكن في الجزء العاشر حرفياً: «كان لدينا جناح عسكري. لكن لم يكن هدفه القيام بانقلاب عسكري أو عمل مخالف للقانون. كان هذا الجناح حمايةً للحرية فقط». (تاريخ البث: 31/5/2015)، وتتماهى الحرية في هذا الموضع عند مورو مع الحركة، مع أن وجود جناح عسكري لأي طرف سياسي، حتى وإن كان لحماية الحرية وهي وظيفة غامضة، بحد ذاته أمر مخالف للقانون. لكن بالمنطق البسيط، كيف للرجل الثاني في التنظيم الإسلامي وأحد مؤسسيه الثمانية ووجه الشعبي والدعوي الأول أن يكون مغيباً عن وجود تنظيم عسكري-أمني منذ نهاية السبعينات!!

بعد هذا المسار الطويل في حركة أسسها، لكنها نفرته، ما الذي يجعل قرار مورو بترك النهضة أقرب للتصديق؟

قطعاً، إن ما حدث للرجل خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة، كان صادماً ومحبطاً. فقد قرر الغنوشي عدم ترشيح الحركة لأي شخص من داخلها للرئاسة، لكن التيار المعارض داخل مجلس الشورى، حاصره وفرض عليه اقترح مرشح عن الحركة، فدفع بعبد الفتاح مورو للسباق مع توفير كل الظروف لكي يهزم!! وفي هذا السياق يقول محمد بن سالم القيادي في النهضة: «على القيادة التنفيذية أن تفسر لماذا عطلت حملة مورو وتلكأت في تسمية مورو مرشح الحركة، فهي كانت ضد هذا الترشيح بشراسة حتى أن عبد اللطيف المكي غادر من الشورى ورئيس الحركة كان من أكبر معارضي الفكرة وكان ضد ترشيح عبد الفتاح وكل المكتب التنفيذي كان يدافع باستماته ضد ترشيح أحد من الحركة ... لكن حينما لاحظ الغنوشي الانقسام اقترح اسم عبد الفتاح مورو، ولم يتم توفير إمكانيات اللازمة له كما لم يتم توفير مستلزمات الحملة والجهات لم تجد الإمكانيات للتحرك... هذه القيادة تتحمل معارضتها لترشيح مرشح من داخل الحركة منذ البداية وتعطيلها للحملة . أدعو راشد الغنوشي إلا العودة لرشده لقد كنا مليون ونصف وتقلصت شعبيتنا».

في محاضرة بمعهد السلام الأمريكي، في ديسمبر الماضي، قال عبد الفتاح مورو «تغير كل شيء في حركة النهضة، باستثناء ثلاثة أشياء: اسمها، رئيسها [الغنوشي]، وملابسي» (كان يرتدي جُبة). وكأنه أراد أن يقول ألا شيء قد تغير، لأن وجود الغنوشي بحد ذاته يعني اللاتغيير. فالرجل يشعر بأنه قد تعرض للغدر، وأقله الخذلان، من حركة أسسها بنفسه ومن الغنوشي رفيق التأسيس قبل خمسة عقود، ويشعر أنه قد التحق بقائمة المؤسسين الذين تخلص منهم الغنوشي بطرق مختلفة طيلة كل هذه السنوات، فالرجل يجثم رئيسا لحركة النهضة منذ تأسيسها العلني سنة 1981 و قبل ذلك أميرا سريا لها منذ بداية السبعينات ، حتى أن المرات القليلة التي تقلد فيها غيره منصب القيادة كانت بدوافع قسرية، حين دخل السجن في المرة الأولى و حين هرب خارج البلاد في المرة الثاني، بل انه سنة 1984 وحال خروجه من السجن سعى بأقصى سرعة إلى مؤتمر استثنائي في مدينة سليمان وجرد القيادة الوقتية من كل مسؤولية حزبية (حمادي الجبالي) و جمع بين منصب الرئيس و الأمين العام و رئيس المكتب السياسي، وفياً لقول، حسن الهضيببي، المرشد الثاني لجماعة الإخوان المسلمين :“إذا ولينا الحكم لن نتخلى عنه” (مجلة المصور، 24 أكتوبر 1952) .

الكلمات المفاتيح:
شارك :