تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

صحيفة تركية: كيف نفهم الموقف الجزائري الغامض في ليبيا؟

شارك :

تجد الجزائر نفسها خارج إطار الصراع الدائر في الجار الليبي بعد صمت مطول على اتساع نفوذ ميليشيات تيار الإسلام السياسي والتدخلات الخارجية وآخرها التركي الذي جلبه رجب طيب أردوغان لتنفيذ مخططات توسعية تستهدف إقامة قواعد دائمة لنظامه في بلد يتمتع بساحل عريض على المتوسط ويمتلك مخزونا هاما من النفط في قلب شمال أفريقيا.
وبدت مساعي الجزائر المكثفة لتفعيل وساطتها بين فرقاء الأزمة الليبية محاولة لاستعادة دور مفقود في الساحة منذ سقوط نظام العقيد الليبي الراحل معمر القذافي، على الرغم من التهديدات المتتالية التي تمس أمنها القومي وتهدد حدودها الطويلة مع الجار الليبي.
وظهرت تلك المساعي الجزائرية بمثابة محاولة لعرقلة وساطة أخرى تقودها مصر لإنهاء الأزمة بين حكومة الوفاق المدعومة من تركيا والجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، خاصة مع غياب موقف جزائري حاسم من نشر أنقرة لمرتزقة والاستعانة بجماعات إرهابية لدعم ميليشيات طرابلس.
وطوال سنوات الأزمة الليبية لم تخف سلطات الجزائر مخاوفها من انتشار السلاح والاستحواذ عليه من طرف جماعات إرهابية تعمل على استغلال الوضع الأمني المتدهور لتوسيع نشاطها في المنطقة. وعملت خلال السنوات الأخيرة على رفع جاهزية قواتها العسكرية على طول الحدود مع ليبيا.
وعبر الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون عن مخاوفه من تكرار سيناريوهات كارثية في ليبيا مثلما جرى الأمر في سوريا والصومال، إلا أنه لم يسجل للجزائر اتخاذ موقف واضح من تيار الإسلام السياسي والتدخل التركي الذي فتح الباب أمام تعقيدات إضافية لملف الأزمة الليبية، إضافة إلى استقبال تبون لنظيره التركي المتهم بتنفيذ خطط توسعية في المنطقة ستكون على حساب دول الجوار الليبي بما في ذلك الجزائر نفسها.
وسجلت خلال الفترة التي تلت عملية التوقيع على اتفاق للتعاون العسكري بين أنقرة وحكومة فايز السراج، الذي سمح بالتدخل التركي في ليبيا، زيارات مكوكية متتالية لمسؤولين أتراك بارزين التقوا تبون ونظراءهم الجزائريين، حيث بدت تلك الزيارات بمثابة تنسيق مسبق بشأن هذا التدخل ومحاولة تركية لاستمالة الجزائر في ملف الأزمة الشائك.
تجد الجزائر نفسها في صدام مع مبادرات إقليمية تسعى لإيجاد مخرج للأزمة المتفاقمة في ليبيا، حيث كثفت السلطات الجزائرية من تحركاتها في محاولة أخيرة لاستعادة الدور في ملف الأزمة الليبية خشية من وصول شرارة الفوضى إليها بعد تزايد أعداد المرتزقة الذين أرسلهم نظام أردوغان إلى ليبيا. فالدبلوماسية الجزائرية رغم نشاطها الأخير إلا أنها بدت مقتصرة على حكومة طرابلس والداعمين الرئيسيين لها ولم تشمل الجهات الرافضة للتدخل التركي.
ورغم تأثيرات الوضع الداخلي الجزائري والتغييرات التي جرت في أعقاب تنحي الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، فإن الجزائر تعمل للتسويق لمبادرتها الخاصة للوساطة بين فريقي الأزمة في ليبيا وتحاول أن تجد لها دعما من مصر وتونس، وإظهار نفسها كدولة فاعلة في الملف الليبي بعد غياب طويل. ودأبت دول الجوار الليبي خلال السنوات الثلاث الأخيرة على طرح مبادرات فردية وتمسكت كل دولة بمبادرتها ما فتح الباب أمام التدخلات الخارجية وفوّت أي فرصة لحل إقليمي للصراع.
وطرحت مصر مبادرة خاصة لحل الأزمة دعت لوقف إطلاق النار وتشكيل مجلس رئاسي يرمي إلى رفع الغطاء عن تركيا وتحث الأمم المتحدة على إلزام الجهات الأجنبية بإخراج المرتزقة من كافة الأراضي الليبية وتفكيك الميليشيات وتسليم أسلحتها حتى يتمكن الجيش الوطني الليبي بالتعاون مع الأجهزة الأمنية من الاضطلاع بالمسؤوليات والمهام في البلاد.
وتلقى المبادرة المصرية تأييدا عربيا وإقليميا واسعا إلا أن حكومة طرابلس المدعومة من نظام أنقرة رفضت تلك المبادرة وكثفت من تحركاتها صوب الجزائر في محاولة لضرب التحرك المصري الهادف إلى وقف التمدد التركي في البلد الذي يشترك معها في حدود شاسعة.
ولا يتوقع مراقبون أي نجاح للمبادرة الجزائرية لتحريك ملف المصالحة الليبية – الليبية في ضوء “الانحياز” لطرف ضد طرف آخر، أو التغاضي غير المبرر عن التمدد التركي واتساع نطاق التدخلات الخارجية في الملف الليبي.
ويقول الباحث في مركز برشلونة للشؤون الدولية فرانسيس غيلس، إن “الدبلوماسية الجزائرية لعبت دورا رئيسيا في العديد من القضايا يوما ما، لكن ذلك الزمن أصبح الآن في طيّ النسيان”، مشيرا إلى أن “هذه الأيام، لم يعد هناك سوى ذكريات بعيدة مع ضعف الجيش الوطني الجزائري وتقويض الدبلوماسية الجزائرية”.
وعلى الرغم من أن الرئيس تبون تحدث في تصريحات نشرت أوائل مايو الماضي أنه “لن يكون هناك أي مسعى في ليبيا دون مشاركة الجزائر”، إلا أنه يُنظر إلى مبادرة بلاده لتفعيل وساطة قديمة بين الفرقاء الليبيين على أنها محاولة للظهور في الصورة وعرقلة الجهد المصري الهادف لإنهاء الأزمة.
وينص المقترح الجزائري لحلحلة الأزمة الليبية، انطلاقا من تجربة المصالحة الجزائرية، على جمع الأطراف كافة من دون استثناء وتفادي حصر المشكلة في جبهتين متنازعتين على السلطة، بالإضافة إلى فتح الحوار مع مناصري الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي.
ويعتبر غيلس أن “إمساك رمطان لعمامرة بزمام وزارة الخارجية في العام 2013 لم يمنع تهميش الجزائر في القضية الليبية التي نشطت فيها دول مثل فرنسا وإيطاليا وتركيا والإمارات وقطر”، ويشير إلى “انتكاسة فقدان الجزائر لمكانتها في العالم” بعد التصويت ضد ترشيح لعمامرة لمنصب المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في الملف الليبي بسبب الانحياز الجزائري.
ويصف مراقبون لعمامرة بـ ”الشخصية الجدلية” لعدة اعتبارات، أولاها علاقته بتيار الإسلام السياسي التي وصلت إلى درجة استدعاء الأمير السابق للجماعة الليبية المقاتلة ورئيس حزب الوطن حاليا عبدالحكيم بالحاج لحضور جولة من الحوار نظمتها الجزائر سنة 2014 بين الفرقاء الليبيين، كان حينها لعمامرة يشغل منصب وزير للخارجية.
يقول الباحث فرانسيس غيلس إن غياب الجزائر عن ملف الأزمة الليبية يتناقض مع الدور الحاسم الذي لعبته كل من فرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة في 2011. ويشير إلى أن القوات البرية الجزائرية خسرت فرصة فريدة للتأثير في مسار الأحداث في ليبيا.
وتعمل الجزائر حاليا على إعادة مراجعة الدستور لتمكين قواتها العسكرية من المشاركة في عمليات خارجية. لكن الرئيس تبون اعتبر في تصريحات صحافية في منتصف الشهر الجاري أن “تعديل الدستور في بلاده ليس له علاقة بليبيا”.
ويرى غيلس أنه كان في يد الجزائر أوراق اللعب اللازمة للتدخل عام 2011 حيث كانت تدير قوات برية مدربة وقوة جوية كبيرة وتتمتع بعلاقات إيجابية مع القبائل المحلية في غرب ليبيا وعدد من الدبلوماسيين البارزين، لكن الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة لم يكن صاحب تكتيكات كبيرة وتحرك مكانه الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي.
وتوجد على طول الشريط الحدودي بين الجزائر وليبيا والممتد على نحو ألف كلم، مصالح استراتيجية كآبار النفط والغاز وحتى خزانات المياه الجوفية والعديد من الشركات الأجنبية العاملة في إطار النشاط النفطي، وهو ما يشكل عبئا أمنيا واستراتيجيا على السلطات الجزائرية.
وأجبر الهجوم الذي استهدف مجمع عين أميناس في يناير العام 2013، الجزائر على إعادة نشر جيشها على نطاق واسع من الغرب إلى الشرق تحسبا للأخطار القادمة ودخول قوى إقليمية على خط الصراع في المنطقة وإمكانية جرها إلى حرب مدمرة.
وينفذ الجيش الجزائري بشكل دوري مناورات ميدانية بالذخيرة الحية، بإشراف مباشر من القيادات العليا في المؤسسة العسكرية، في إطار الاختبارات المتكررة للجاهزية الميدانية واليقظة العالية، تحسبا لأي اختراق أمني أو عسكري من الجانب المقابل، ولاسيما أن التضاريس الجغرافية تتطلب مسحا مستمرا لأي حركة مشبوهة على الأرض.
لكن مراقبين قالوا إن السلطات الجزائرية ترسل إشارات متناقضة بشأن الوضع في ليبيا، فهي لا تخفي انزعاجها من تسليح المجموعات الإرهابية، وهي مهمة تتولاها تركيا، فيما تحتفظ الجزائر بعلاقات متينة مع أنقرة، وتفتح بابا لتواصل شبه دائم بين الرئيس عبدالمجيد تبون ونظيره التركي رجب طيب أردوغان.
المصدر: صحيفة أفال التركية.

الكلمات المفاتيح:
شارك :