تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

تونس وليبيا والقرن الإفريقي: الحضور التركي في إفريقيا يتعاظم في 2019

شارك :

طيلة العام 2019 ظلت عين الحكومة التركية على القارة الافريقية، تستثمر في ازماتها تارة وتستفيد من عقد الصفقات مع دولها تارة وتتدخل عسكريا بأشكال من الدعم تارة اخرى بالإضافة الى التواجد على الارض.محادثات واتفاقيات وزيارات متبادلة بين مسؤولين أتراك وأفارقة شهدها العام 2019 الذي يمضي نحو نهايته محمّلا بانتعاشة ملحوظة بالعلاقات الثنائية، في خطوة تعتبر ثمار الانفتاح على القارة السمراء.

استراتيجية متعددة الأقطاب تتبنى على الصعيد الدبلوماسي نهج التقارب والتعاون والشراكة مع مختلف البلدان الإفريقية، ذلك ما تتحدث عنه وكالة انباء الاناضول في موضوع مفصل عن علاقة تركيا بالقارة الافريقية.زيارات عديدة قام بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لقارة افريقيا وكذلك زار انقرة العديد من المسؤولين الأفارقة.

لتركيا وجود تمثيل دبلوماسي في 42 بلدا إفريقيا، وتربطها علاقات تجارية مع 26 منها، إضافة إلى تنظيم شركة الخطوط الجوية التركية رحلات الى نحو 37 بلدا في القارة. وسعت تركيا لتعزيز علاقاتها السياسية والاقتصادية مع البلدان الإفريقية، منذ 2003، عبر وضع استراتيجية تطوير العلاقات التجارية والاقتصادية مع البلدان الإفريقية.

وفي سياق التغلغل التركي في إفريقيا، بدأت الوكالة التركية للتعاون والتنسيق - تيكا، الأربعاء، إجراء عمليات لـ 275 مصابا بمرض المياه الزرقاء "الجلوكوما" على العين، في مخيم داداب للاجئين شمال شرقي كينيا. ويقع المخيم على بعد 474 كم من العاصمة نيروبي، وهو مكان قاحل ومساحات من الرمال البركانية، وغالبية القاطنين فيه صوماليون غادروا بلادهم بعد اندلاع الحرب الأهلية فيها عام 1991.

وفي يوليو الماضي، أجرى أردوغان زيارة إلى جنوب إفريقيا شارك خلالها في قمة مجموعة بريكس (جنوب إفريقيا، البرازيل، روسيا، الهند، الصين) كما أن بعض الوفود الرسمية التي زارت تركيا من جنوب إفريقيا ضمت شخصيات سياسية رفيعة المستوى وأخرى ذات علاقة بالتكنولوجيا.وبحسب السفيرة التركية في جوهانسبيرغ أن "وفدا رفيع المستوى من إدارة العلاقات الدولية والتعاون الدولي زار تركيا استعدادا للجنة الثنائية المزمع عقدها بين جنوب إفريقيا وتركيا في عام 2020".

في 2019، احتفلت تركيا وأوغندا بالذكرى الخمسين لتأسيس العلاقات الدبلوماسية الثنائية.وفي وقت سابق من ديسمبر الجاري، زار تركيا رئيس وزراء أوغندا روهاكانا روغوندا والمتحدث باسم البرلمان، وعدد من الوزراء.وفي تصريحات أدلى بها في حينه للأناضول، قال السفير التركي لدى أوغندا، كرم ألب، إن "العلاقات بين البلدين في أفضل حالاتها". وأشار أن تركيا وأوغندا تبادلتا عددا من المسودات والنصوص التي ستشهد مزيدا من التعاون في العديد من المجالات بمجرد التوقيع عليها.

وفي إطار الدعم العسكري التركي لبعض الدول الإفريقية، وبخاصة الصومال، يأتي تخريج ثالث دفعة ضباط، وأول دفعة ضباط برتبة ملازم أول، الأربعاء، من مركز تدريب تركي في الصومال، وذلك منذ انهيار الحكومة المركزية بالبلد الأخير منذ نحو 3 عقود، بحسب ما أفادت الأناضول. وتتكون هذه الدفعة من 80 ضابطا برتبة ملازم أول، وهي أول دفعة تلقت تدريبات داخل البلاد بعد انهيار الحكومة المركزية العام 1991.

لا يكاد يكتمل التمدد التركي في القارة الافريقية من دون المرور بأوغندا ومالي وغامبيا والسنغال وصولا الى الجزائر وتونس والسودان واخيرا ليبيا.تتواجد تركيا عسكريا في ليبيا وتتدخل بشكل مباشر في ادارة الحكم والصراعات بينما تمتلك قاعدة عسكرية هي موضع جدل في السودان.تتصاعد الاطماع التركية في القارة الافريقية يمينا وشمالا ولا تترك فرصة سانحة الا وكانت سبّاقة لاستثمارها في افريقيا ويبدو ان العام 2020 سوف يحمل معه المزيد من التطورات.

تتبوأ أولوياتِ السياسة الخارجية التركية سوريا ومنطقةُ البحر المتوسط والعلاقاتُ المعقدة مع الولايات المتحدة وروسيا وأوروبا (بما في ذلك الدخول إلى الاتحاد الأوروبي) وتسويقُ أسلوبها الخاص من العمل السياسي الديني في منطقة الشرق الأوسط المتغيرة. ويأتي القرن الأفريقي في مرتبة أدنى، لكنّه ما دام مرتبطاً بسياق استراتيجي أوسع، يرى أخصام تركيا خطوات أردوغان في المنطقة على أنها دليل على أجندة “عثمانية جديدة” خطيرة، وكثيرة هي الخطابات التي يطلقها أردوغان والتي تدعم هذه الادعاءات.

وفيما يتّسم الحنين العثماني بطابع استفزازي ظاهري، هو موجّه أكثر للاستهلاك المحلّي كنقطة حشد قومية للهوية التركية في زمن من الاضطراب وركن من أركان الأسلوب الشعبوي المتباهي الذي يعتمده أردوغان. ويقول خبير تركي: “لهذا الخطاب قيمة عاطفية على الصعيد المحلّي، لكنّه لا يمثّل مسعى حقيقياً في السياسة الخارجية”. لكنّ هذا التفصيل الصغير ليس واضحاً للجميع في الخارج، وذلك نتيجة مزيج معقّد جداً من السياسات المحلّية والسياسة الخارجية المُعتمدة في ظلّ حكم أردوغان.

وما زال طموح أردوغان بالتربّع على عرش عالم مسلم منشّط سارياً، وعلى الأرجح أن تستمرّ نشاطات القوّة الناعمة. لكنّ المخاوف حول الفتوحات الاستعمارية الجديدة أو حتى فتوحات الأراضي مضخّمة. وقد يصبح التفريق بين هذه التفاصيل أصعب من قبل، ويتطلّب تفسير السياسة الخارجية التركية، بما في ذلك في القرن الأفريقي، نظرة معمّقة إلى ما هو داخل الحدود التركية حيث يجدر أخذ ثلاث ديناميات بعين الاعتبار.

أولاً، تجميع القوة في منصب الرئاسة التركية الجديد، وهذا أحدث تطوّر في منحى التراجع المستمر في الديمقراطية الذي تشهده البلاد. فعقب فوز انتخابي كبير في العام 2018، سرعان ما باشر أردوغان بتحويل نظام برلماني عمره يناهز القرن إلى نظام رئاسي مركزي جداً. فتَركّز صنع السياسات الخارجية في القصر الرئاسي أيضاً، فيما أُبعِد الجيش ووزارة الخارجية وغيرهما من المؤسّسات المهمة إلى الهامش.

وأحيلت وزارة الخارجية إلى العمل كـ ”وكالة تطبيق” فيما استلم مستشارو أردوغان، من ضمنهم مجلس أمن وسياسة خارجية مؤلّف من 11 عضواً، زمام وضع السياسات. وجرى ذلك بعد أن أقال أردوغان قرابة 25 في المئة من الدبلوماسيين من وزارة الخارجية، في انعكاس لعمليات تخفيض حكومية أوسع ضدّ المعارضين السياسيين المتصورين، وأعدادهم تصل إلى عشرات الآلاف، عقب محاولة الانقلاب في العام 2016. (كان الكثير ممّن أقيلوا يلقّبون بـ ”الغولنيين”. وطالت تداعيات محاولة الانقلاب هذه القرن الأفريقي أيضاً حيث تمّ تطوير الكثير من الروابط الأولية في مجالات الأعمال والتعليم والمنظمات غير الحكومية على يد أولئك ذوي الصلات بالمتّهم بالتخطيط للانقلاب وغريم أردوغان فتح الله غولن. فأقفل عدد كبير من المدارس بإدارة تركية فوراً بسبب انتمائها الغولني قبل نقل الإدارة لتصبح في يد مدراء مرتبطين بالحكومة).

ثانياً، وضع الاقتصاد التركي متأزّم، مما يترك الرئيس القوي مكشوفاً في الموضوع الوحيد الذي قد لا يتمكّن من إخضاعه لإرادته. فبعد سنوات من النمو الملفت، أفضت الإدارة الاقتصادية التفصيلية الرديئة والتغييرات المؤسساتية الكاسحة التي أدخلها أردوغان إلى ركود كبير في الصيف الماضي. وتفاقم الوضع عندما انهارت الليرة التركية بشدّة، وهو سقوط حاول أن يلقي أردوغان اللوم لحدوثه على متآمرين أجانب. فانخفضت ثقة المستثمر وارتفعت البطالة والتضخّم والأسعار بشكل هائل. فتمّ التخفيض من الموازنات التشغيلية وتخصيصات المساعدات الإنسانية، وهذا مجال كانت فيه تركيا في الصدارة سابقاً، وتمّ الحدّ من الأجندات على جميع أنواعها، بما في ذلك السياسة الخارجية.

أما الدينامية الثالثة، فهي هوس أردوغان: الانتخابات. سيعتمد المدى الذي إليه يستطيع أردوغان أن يمدّد نفسه في الخارج جزئياً على تخطّي الشكّ السياسي (بما في ذلك التشكيك في سياسته الخارجية) ومنح الاستقرار للاقتصاد في البلاد. وأدّت الانتخابات البلدية التي جرت على صعيد البلاد بأسرها في الربيع والتي تحوّلت إلى استفتاء لحكم أردوغان إلى تعرّض حزب الرئيس لهزائم بارزة، من بينها هزائم في أنقرة وإسطنبول. (تمّ إبطال نتائج التصويت في إسطنبول بضغط من أردوغان). علاوة على ذلك، أرغم أردوغان على القيام بخطوات صارمة، وبعضهم يقول إنها قصيرة النظر، لمحاولة تدعيم الاقتصاد قبل التصويت، وقد يخلّف ذلك هوّة أعمق ينبغي الخروج منها. فهل سيولي الرئيس انتباهاً أكبر في الداخل لمعالجة هذا التحدّي، أم سيلجأ مرة أخرى إلى شعبوية السياسة الخارجية للمساعدة على التعافي السياسي؟

الكلمات المفاتيح:
شارك :