تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

وثيقة: نص الدعوى القضائية التي رفعتها ولاية تونس ضد «صندوق الزكاة»

شارك :

أثارت الخطوة التي أقدمت عليها بلدية الكرم، الشهر الماضي، بإفتتاح ما أسمته "صندوق الزكاة" جدلاً واسعاً في تونس، بين مساند ومعارض، داخل السلطة وخارجها. وفي سياق هذا الجدل الواسع، قانونياً ودينياً وسياسياً، تقدمت ولاية تونس العاصمة بدعوى قضائية ضد قرار بلدية الكرم، ولأن للدعوى جوانب دينية إلى جانب جوهرها القانوني، ينشر "صواب الرأي" نص الإعتراض الذي تقدم به والي تونس للمحكمة الإدارية، وحرره الأستاذ أحمد صواب، محامي الجانب المعترض، والذي يعتبر وثيقة تاريخية، في عمقها القانوني وتأصيلها الشرعي، حاولت الإحاطة بجوانب القضية فهماً وديناً وقانوناً:

إلى جناب الرئيس الاوّل للمحكمة الاداريّة
اعتراض على قرار بلدي

الموضوع: اعتراض والي تونس على قرار بلدية الكرم.
المعترض: والي تونس، محل مخابرته بمكاتبه بمقر الولاية، شارع الحبيب ثامر، تونس، محاميه الاستاذ احمد الصواب.
المعترض عليه: رئيس بلدية الكرم، عنوانه بمكاتبه بمقر بلدية الكرم، 11 شارع محمد الخامس، الكرم، ولاية تونس.
المصاحيب (نسخ مصورة):
محضر مداولات المجلس البلدي بالكرم في دورته الاستثنائيّة بتاريخ 21/11/2019. 
البيان التوضيحي الصادر عن الوالي بتاريخ 18 ماي 2020.
دعوة لحضور حفل تدشين و إفتتاح صندوق الزكاة بالكرم.
مكتوب الوالي الموجه الى المعترض عليه بتاريخ 20 ماي 2020.
تدوينة وزير الشؤون المحلية على صفحته الرسمية بتاريخ 19 ماي 2020.
محضر جلسة الدورة الاستثنائية للمجلس الجهوي بتونس بتاريخ 20/05/2020.
مكتوب من رئيس بلديّة الكرم الى والي تونس بتاريخ 22/05/2020 "حول تخصيص فقرة بميزانيّة البلديّة تخصّ الهبات والتبرّعات ذات الصبغة الدينيّة".
عريضة جماعيّة من 6 مواطنين يطلبون من والي تونس التدخّل لالغاء القرار المنتقد بتاريخ 22/05/2020.
صور من الحملة الاتّصالية للاعلان عن صندوق الزكاة.
مقتطفات من المؤلف: Entretiens d’Olivier Ravanello avec Rached Ghannouchi au sujet de l’islam
مقتطفات من المؤلف الجماعي: قراءات في دستور الجمهورية الثانية.
مقتطف من المؤلف: قراءة في مسودة مشروع الدستور: تقييم وإقتراحات.
مقتطفات من المؤلف: Tunisie une révolution en pays d’islam
مقتطفات من المؤلف: Ces nouveaux mots qui font la Tunisie
مقتطفات من المؤلف: قانون مدني: النظرية العامة للقانون النظرية العامة للحق.
مقال الأستاذ الناجي بكوش "حول صندوق الزكاة".
مقال الأستاذ معتز القرقوري "الفصل 49 من الدستور الجديد هبة للقضاء".
مقال الأستاذ معتز القرقوري "روح الدستور".
مقتطف من المؤلف الجماعي: الجماعات المحلية والحريات الفردية.

1

سيدي الرئيس
تحيّة طيّبة، وبعد
بمقتضى هذا، يعترض والي تونس على قرار بلدية الكرم بمختلف مراحله و إجراءاته وأعماله وآخرها يوم بعث صندوق الزكاة بتاريخ 19 ماي 2020، و ذلك طبقا لأحكام الفصل 278 من مجلة الجماعات المحلية (م.ج.م).
أوّلا- في الوقائع والاجراءات
إجتمع المجلس البلدي بالكرم في دورة استثنائية بمقر البلدية بتاريخ 21 نوفمبر 2019 (مصاحب عدد1)، و تداول في عديد النقاط و منها و في ما يهمنا الموضوع عدد 4 "إحداث صندوق الزكاة"، وانتهى الى إقرار مبدأ إحداث هذا الصندوق.
ابدت وزارة الإشراف (وزارة الشؤون المحلية و البيئة) رأيها في الموضوع، وأحالته على الوالي بتاريخ 10 فيفري 2020، و قد تضمن بالأساس ما يلي:
بعد التذكير بالفصل 4 من م.ج.م "تدير كل جماعة محلية المصالح المحلية وفق مبدأ التدبير الحر طبقا لأحكام الدستور والقانون مع احترام مقتضيات وحدة الدولة"، فإن الفصل 6 من الدستور إقتضى أن "الدولة راعية للدين"، مما يعني أن الشأن الديني من متعلقات الدولة دون سواها. 
إن النظام المالي للجماعات المحلية أحال بدوره لمجلة المحاسبة العمومية، وهي أحكام منظمة بدقة ولا مجال للتوسع فيها، مع التأكيد في هذا الخصوص أن التصرف في الحساب الخاص للجماعات المحلية يتم من قبل المحاسب العمومي وهو عون تابع للدولة و ليس للبلدية.
و تولى الوالي بدوره إحالة مكتوب وزير الشؤون المحلية و البيئة على رئيس بلدية الكرم بتاريخ 13 فيفري 2020.
وكل هذه الوقائع مضمنة بالبيان التوضيحي الصادر عن الوالي بتاريخ 18 ماي 2020 (المصاحب عدد2). 
وبينما كان الوالي ينتظر تراجعا في هذا القرار، أو على الأقل مده بتوضيحات في الغرض، فوجئ بتلقيه شخصيا "دعوة لإحياء شعيرة الزكاة وبمناسبة ليلة القدر المباركة لحضور حفل تدشين وإفتتاح صندوق الزكاة بالكرم (أول صندوق زكاة في تونس منذ الإستقلال) وذلك يوم الثلاثاء 26 رمضان 1441 الموافق لـ 19 ماي 2020 ...بمقر الإستخلاصات الكائن ...بالكرم الشاطئ" (المصاحب عدد 3).
وجّه الوالي مكتوبا الى المعترض عليه بتاريخ 20 ماي 2020 ، وذكّره فيه بمضمون مكتوب وزارة الإشراف الراجع ليوم 10 فيفري 2020، و خاصة بـ "أن الموضوع يمثل شأنا دينيا من متعلقات الدولة دون سواها"، و طلب منه "العمل بهذه المقتضيات، وذلك حفاظا على سلامة الإجراءات و ضمانا لمبدأ الشفافية و النزاهة و الحياد" (المصاحب عدد 4).
وفي نفس صباح حفل تدشين الصندوق، دون وزير الشؤون المحلية على صفحته الرسمية ما يلي: "یتحدث الفصل 138 من مجلة الجماعات المحلية عن الهبات التي تتلقاها البلدية و الزكاة ليست هبة" (المصاحب عدد 5).
انعقدت دورة استثنائيّة للمجلس الجهوي بولاية تونس في 20/05/2020 بخصوص 3 مواضيع، آخرق تعلّق بـ "النظر في موضوع احداث صندوق الزكاة ببلديّة الكرم" (المصاحب عدد 6). وسنتولّى عرض أهمّ ما ورد في محضر جلستها:
أكّد الوالي منذ البداية "على أنّ النقاش لا يتعلّق بموضوع الزكاة ومن معه ومن ضدّه، بل لمناقشة الاجراءات التي قامت بها البلديّة لاحداث صندوق وهل أنّ هذه الاجراءات قانونية أم لا" (ص 19).
ثمّ تدخّل رئيس البلديّة وأشار الى "أنّ هذا الموضوع لا يتعلّق بالزكاة ولا بالانتماءات والتجاذبات السياسية بل هو موضوع قانوني، ويعتقد أنّه والمجلس البلدي من أكثر المجالس البلديّة القادرة على تطبيق القانون، باعتبار أنّ رئيسهم محام وأستاذ جامعي ورئيس محاضرة التأطير بالمعهد الاعلى للقضاء والمعهد الاعلى للمحاماة ورئيس رسائل التخرّج والقائمة تطول..." (ص 19).
وأضاف بعد ذلك "...وهؤلاء الاشخاص المستثنين الذين لهم فريضة شرعية لتأديتها وهي الزكاة. كافة المسلمين لهم نسبة على ثروتهم والتي بلغت النصاب ومرّة عليها سنة يجب اخراجها في شكل زكاة. وهذه الزكاة ليست يمعنى الهبة العامة التقليدي، بل تؤدّى بشروط وهذه الشروط تمّ تحديدها بفقه الزكاة لمصاريف محدّدة، حيث أنّ المبلغ المزكّى..." (ص 20). واردف في نفس الصفحة "انّ التصرفّ في الاموال... بعد أن يتمّ النظر فيها من قبل اهل الاختصاص في فقه الزكاة"، مواصلا "...بناء على ذلك تمّ تكوين هذه الهيئة الشرعيّة"، و "...يتمّ الاعلان عن دعوى عامة لايداع المطالب للانتفاع بمبالغ الزكاة ثمّ يقع التثبّت في وضعيّة الراغبين للانتفاع ويتمّ عرض ملفّاتهم على الهيئة الشرعيّة... وفي هذا السياق تمّ التمشّي في مقاربة اخرى اعتبارا وانّه في اذهاننا لا نفرّق بين الزكاة والصدقة، وهما شيئان مختلفان حيث أنّ الصدقة تجوز على أيّ شخص أما بالنسبة للزكاة فلديها نظام خاص".
وأشار كذلك بالصفحة 21 الى "... نقطة اختلاف تتمثّل فيما سمّي أو يريدون تسويقه بطريقة اسقاطية وهي مدنيّة الدولة، حيث نصّ الفصل الاوّل من الدستور بأنّ الدولة دينها الاسلام... وبالتالي فإنّه يتعيّن علينا التوفيق بين الفصل الاوّل والثاني حيث أخذنا من الفصل الأوّل مقتضيات الشريعة وتمكين الاشخاص من ممارسة شعائرهم الدينيّة...".
وبخصوص السلطة المحليّة تمسّك في نفس الصفحة بأنّها "سلطة، ومعنى ذلك فهي في نفس المستوى ونفس القدر والحجم من السلطة التنفيذيّة والقضائيّة والتشريعيّة... وهي ليست سلطة تابعة وليست تحت رقابة أو وصاية أحد... وهذه الاستقلالية تكون على الميدان بالتدبير الحرّ، ولم يقع ربط هذا التدبير الحرّ بأيّ شيء".
وفيما يتعلّق بالوثائق الاداريّة وفي علاقة بصندوق الزكاة وفي اطار "الفصل 138 سيتمّ اعتماد في الاوراق الرسميّة على تسمية الهبات... ولكن على الاوراق الخاصة داخل المجلس البلدي والتي تنتدرج في تنظيمه الداخلي وتخضع للتدبير الحرّ والتي لا تخضع الى وصاية اي طرق ورقابة اي طرف حيث نسمي ما نشاء، نريد تسميته صندوق التوفيق صندوق الخير نحن احرار لاعتماد ايّ اسم... حيث في الميزانية الداخلية سنجد اسم مزكي ومزكى عليه وزكاة... باعتبار أنّ الزكاة ليست في نفس المقام من الهبة بل هي فريضة شرعيّة يتمّ تأديتها في باب الحرص على أن تكون عبادة سليمة... وبالتالي نمكّن المواطن من تأدية هذه الشريعة التي بقيت مغيّبة على المؤسسات، ومن العار ثمّ من العار أنّ اليوم لا نسمع اذا تمّ تغيير تسمية صندوق الزكاة باسم آخر لتمّ قبول الوضعيّة، بل بالعكس فنحن فخورين بهذه التسمية وهو شرف للبلديّة التي دخلت التاريخ من الباب الكبير حيث حققت للشعب التونسي حلما كان يتنظره على مدى عقود اذ اصبح يشعر الشعب التونسي انه اكتملت اليه حلقات الشعائر الدينية التي يؤمن بها بموجب الفصل الاوّل من الدستور الذي ينصّ على انّ تونس دينها الاسلام، والاسلام بني على خمسة فرائض: الشهادة، الصلاة، الصوم، الزكاة والحجّ" (آخر الصفحة 21 والصفحة 22).
حضرت النائبة يامينة الزغلامي عن حزب حركة النهضة وتوجّهت بسؤال الى رئيس البلديّة "باعتباره محام ورجل قانون كيف انه اليوم يتولى ويعلن انه بالوثائق الرسميّة... يتولى توثيق كلّ التبرّعات في جانب الهبات، وفي الوثائق الداخلية ينصّ بأنّ ذلك يندرج في مجال الزكاة. وهل هذا يمسّ بوحدة الوثائق الرسمية للدولة التي يجب أن تكون شفافة... وبالتالي لا بدّ من الاجابة عن هذا الموضوع باعتبارها لا يمكن ان تقبل بهذا كنائبة شعب..." (الصفحة 23).
كما حضر النائب أسامة الخليفي عن حزب قلب تونس وطالب بتمكينه بنسخة من مراسلة البلديّة لوزارة الماليّة واجابتها التي "مكّنته من فقرة بالحساب اسمها هبات ذات صبغة دينيّة" (الصفحة 23).
وأخذ رئيس البلديّة الكلمة "وبيّن انّ هذه الجلسة ليست محاكمة... وبالنسبة لهذا الحزب... وما يمثّله هم عصابة ولا أجيب على تساؤلاتهم وهذه العصابة مكانهم الطبيعي السجن انتهى"، فطالب الوالي رئيس البلديّة بسحب عبارة "عصابة" والاّ سيتمّ رفع الجلسة، وهذا ما تمّ على اثر رفض السحب.
هذه المقتطفات لأهمّ ما ورد في محضر الجلسة المصاحب، وبالنظر لأهميّته يلزمنا بتقديم الملاحظات التالية:
تمسّك رئيس البلديّة في بداية تدخّله أنّ مداخلته ستكون مقتصرة على القانون فقط، الا أنّ كلامه الذي فاق كلّ حصص بقيّة الحاضرين كان الغالب فيه الخطاب والفقه الدينيين.
لئن كان من حقّ البلديّة استشارة من ترى فائدة منه، فإنّه لا يحقّ لها احداث لجنة شرعيّة في الانطلاق وفي الختام بتدخّلها في توزيع الزكاة.
ارتكب رئيس البلديّة في نظرنا أخطاء فادحة في فهمه لمؤسسة السلطة المحليّة، في مخالفة بيّنة كما سنحلّله لاحقا للدستور وم.ج.م ومجلة المحاسبة العمومية، وصولا الى المساواة بين هذه السلطة والسلط التشريعية والتنفيذية والقضائيّة.
أمّا ما تبقّى من مقتطفات مداخلة رئيس البلديّة، ومن سبب رفع الجلسة قبل انهاء غرضها، فإنّنا نظنّ أنّها لا تحتاج الى أيّ تعليق.
امتنع رئيس البلديّة عن الاجابة عن الاسئلة الموجّهة له من النوّاب يامينة الزغلامي وعبير موسي وأسامة الخليفي.
مع الاشارة الى أنّنا سنتولى مناقشة كلّ الاسانيد، في حدود القانونيّة منها، التي تمسّك بها رئيس البلديّة في الجزء الثاني المتعلّق بالنقاش القانوني.
تلقّى والي تونس مكتوبا من رئيس بلديّة الكرم بتاريخ 22/05/2020 "حول تخصيص فقرة بميزانيّة البلديّة تخصّ الهبات والتبرّعات ذات الصبغة الدينيّة" (المصاحب عدد 7)، وكان مرفقا ببعض الوثائق المالية الداخليّة وأخرى بخصوص بداية اجراءات فتح الحساب الخاص لدى أمين المال الجهوي بتاريخ 20/02/2020، ولم تتضمّن ما يؤكّد اتمام هذه الاجراءات، طبق ما تقتضيه مجلّة المحاسبة العموميّة والتراتيب ذات العلاقة.
وردت على ولاية تونس بتاريخ 22/05/2020 عريضة جماعيّة من 6 مواطنين بخصوص طلب التدخّل لالغاء القرار المنتقد، وهم من سكّان عين زغوان التابعة لبلديّة الكرم (المصاحب عدد 8)، وتعتبر الولاية أنّ هذه العريضة تعدّ مطلب اثارة، على نحو ما جرى عليه قضاء المحكمة الادارية في مادّة الاجراءات والآجال.
يستنتج أنّ النزاع الماثل يشكّل عمليّة مركّبة (opération complexe)، انطلاقا من المداولات مرورا بقرار الاحداث وباجراءات فتح الحساب الخاص وصولا الى الاحداث المادي والواقعي.
ثانيا- في النقاش القانوني
في طبيعة قرار احداث صندوق الزكاة و صبغته ؟
انّ السياق العام لصندوق الزكاة المحدث ببلديّة الكرم، في دورته الاستثنائية بتاريخ 21/11/2019، يبيّن أنّه في جوهره وفي مقاصده يتنزّل في اطار ديني خالص.
ويتأكّد هذا القول بالمؤشّرات الواردة في محضر الجلسة المعنيّة، وهي التالية:
انّ جدول اعمال الجلسة تضمّن 9 نقاط، وفيما يهمّنا النقطة 4 "احداث صندوق الزكاة"، والنقطة 9 والاخيرة والمتعلّقة بالمتفرّقات وهما اثنتان واوّلهما "مقترح امضاء اتفاقية مع جمعية علوم الزكاة".
ولا حاجة للاشارة للرابطة البديهية بين المسألتين المذكورتين.
ورد في الصفحة 11 من المحضر المذكور ما يلي:
"الموضوع: حول احداث صندوق الزكاة"
"تناول السيّد...عرض موضوع حول احداث صندوق الزكاة..."
مما يعني أنّ المسألة تتعلّق في منطلقها و جوهرها، ان لم نقل حصريّا، بموضوع صندوق للزكاة.
كما ورد بنفس الصفحة وفي اطار شرح الاسباب ما يلي:
"واعتبارا لما تمثّله فريضة الزكاة من قداسة باعتبارها ركنا من اركان الاسلام يسعى كلّ مسلم الى تطبيقه لاكتمال ايمانه..."
نصّ محضر الجلسة بالصفحة 12، على قرار المجلس البلدي في هذا الخصوص، كما يلي:
"وافق المجلس البلدي باجماع الحاضرين على احداث حساب خاص بالهبات يفتح ضمنه فصل تحت مسمّى فصل تحت مسمّى "صندوق الزكاة"...".
ويبرز معه انّ الظاهر هو صندوق يتضمّن عدّة فصول، فإنّ تسمية الصندوق باسم احد فصوله بعبارات و مضامين دينية بحتة، يكشف انّ الغرض الحقيقي هو الاحداث الحصري لصندوق الزكاة، والاّ لما غلب الفرع الاصل.
يلاحظ أنّ البلديّة لم تقم بـ "احداث حساب خاص بالهبات..." الا بمناسبة مناقشة احداث صندوق الزكاة، بما يبيّن نية المناورة القانونية.
ويتدعّم هذا الرأي من خلال:
العمل الإتصالي الذي سخّرته البلدية للدعاية لهذا الصندوق منذ قرار المجلس البلدي وصولا الى احداثه يوم الثلاثاء 19/05/2020، ولصندوق الزكاة لا غير (لافتات، مقرّ، رخامة حائطية تذكارية، ندوة صحفية، كتاب في الغرض بقلم رئيس البلدية، حفل إفتتاح...) (المصاحب عدد 9).
نصّ الدعوة النموذجية موضوع المصاحب عدد 3 والتي تضمنت العبارات التالية: "دعوة لإحياء شعيرة الزكاة و بمناسبة ليلة القدر المباركة لحضور حفل تدشين و إفتتاح صندوق الزكاة بالكرم".
ويستنتج من كلّ ما سبق، انّ قرار البلدية، وان كان في ظاهره قانونيا، فإنّه في جوهره ومؤدّاه عمل يخصّ شعيرة اسلامية وبالتالي هو عمل ديني في اسسه ومقاصده، طبق ما هو بارز أعلاه انطلاقا بالاساس من مؤشّرات شكليّة ومضمونية مثبتة في محضر جلسة المجلس البلدي للكرم، وهذا المحضر هو اساس احداث صندوق الزكاة، علاوة على المؤشرين سابقي الذكر.
في جواز الاحتجاج بالدستور
هل يجوز مناقشة دستورية القرارات الادارية ؟
انّ نظرية القانون الحاجب (la théorie de la loi écran) وهي السائدة في فقه قضاء المحكمة الادارية الى حدود الثورة، تمنع على القاضي الاداري مناقشة دستورية القرار الادارية اذا كان هذا القرار مطابقا للقانون (يراجع المؤلف الجماعي "الأحكام الكبرى في فقه القضاء الإداري- محمد رضا جنيح و المنتصر الوردي و سهام بوعجيلة و أحمد سهيل الراعي و فاضل المكور-  مركز النشر الجامعي – 2007- ص380 الى 382).
الا اننا نرى انه لا عمل بهذه النظرية في ظلّ غياب قانون حاجب، طالما انّ مجلّة الجماعات المحليّة لم تتعرّض لصندوق الزكاة و بصفة عامة لأي نشاط ديني مهما كانت إجراءاته أو أشكاله، وعليه جاز مناقشة مدى احترام قرار بلدية الكرم في هذا الخصوص لدستور البلاد.
الا انه ومهما كانت الحالة، وحتى على فرض وجود هذا القانون الحاجب (مجلة الجماعات المحلية)، فقد فرضت المجلة وجوب احترام الدستور عند اعمال مبدأ التدبير الحرّ، مما يعني معه انه من الجائز ان يناقش القاضي الاداري دستورية قرارات البلدية التي تستند على التدبير الحرّ.
اذ اقتضى الفصل الرابع من المجلّة ما يلي: "تدير كلّ جماعة محليّة وفق مبدأ التدبير الحرّ طبقا لاحكام الدستور والقانون...".
مع التأكيد انّه نادرا ما ورد في القوانين وبأحكام صريحة مبدأ احترام الدستور.
عن المطعن الأول المتعلق بمخالفة مبدأ الدولة المدنية الوارد في 3 مواضع بالدستور
في مخالفة التوطئة: 
لئن ورد في التوطئة (الفقرة 2) تمسّك الشعب التونسي "بتعاليم الاسلام ومقاصده"، فقد ورد لاحقا (الفقرة 3) التأسيس "لنظام جمهوري ديمقراطي تشاركي، في إطار دولة دولة مدنيّة".
ويستنتج ممّا سبق، أنّه وفي كلّ الحالات، تبقى الدولة المدنيّة الاطار الذي يستوعب القانون الإسلامي (تعاليمه ومقاصده...)، خاصّة وأنّ عبارة "التأسيس" بالنسبة للأولى (الدولة المدنية) تفيد هذا المعنى مقارنة بعبارة "التمسّك" بالنسبة للثانية (تعاليم الاسلام ومقاصده)، فضلا عن أنّه بالرجوع الى الاصول وبالتحديد تأسيس دولة الاسلام بالمدينة المنورة، يتأكد و بتصريح رئيس حركة النهضة و رئيس البرلمان الأستاذ راشد الغنوشي "إن الإسلام أسس دولة في المدينة بميثاق سياسي، يمكن أن يكون اليوم دستورا تعدديا، ممضى من المسلمين و اليهود و البقية" (يراجع كتاب Entretiens d’Olivier Ravanello avec Rached Ghannouchi au sujet de l’islam  - دار النشر إرتحال – 2015- ص.99). (المصاحب عدد 10)
 في مخالفة الفصل 2 من الدستور:
 
قياسا بما ورد بالتوطئة وامتدادا له، ولئن نصّ الفصل الأوّل أنّ "تونس... الاسلام دينها..."، فقد تضمّن الفصل 2 من الدستور أنّ "تونس دولة مدنية...".
و على خلاف ما يراه البعض من أن عبارة الإسلام مرتبطة بالدولة، فإننا نرى أن هذا التأويل خاطئ ضرورة:
أن الدولة لا دين لها، بإستثناء الدول الدينية (ايران)،
أن القبول برأي هؤلاء يجرنا الى التناقض مع الفصل 2، إذ سنواجه دولتين: دولة دينية (الفصل الأول) و دولة مدنية (الفصل الثاني)،
و بالنظر الى المبدأ القائل بأن المشرع منزه عن العبث، فإنه لا يمكن القبول بالمنطق القانوني و خاصة السياسي، الا بأن الإسلام يخص الشعب و بأن المدنية تخص الدولة (يراجع في الخصوص مقال الأستاذة لمياء ناجي- مدنية الدولة- مؤلف جماعي – قراءات في دستور الجمهورية الثانية- منشورات مدرسة الدكتوراه بكلية الحقوق بصفاقس – 2017- ص.37) (المصاحب عدد 11).
في مخالفة الفصل 49 من الدستور: 
لقد أقر هذا الفصل لا فقط مبدأ "الدولة المدنية الديمقراطية"، بل أقره كذلك حماية ضد المساس من جوهر الحقوق و الحريات.
بناءا على ما سبق، نلاحظ أن مفهوم الدولة المدنية ورد ثلاث مرات بالدستور، و من النادر أن نجد مثل هذا التكرار الذي يفهم منه التأكيد على مبدأ مدنية الدولة من قبل السلطة التأسيسية.  
في وجوب التذكير بالإطار التاريخي و السياسي لمفهوم الدولة المدنية
سنعرض سلسلة من الأسانيد لإثبات أن الدولة المدنية هي إبداع دستوري تونسي (على شاكلة مفهوم الأمن الجمهوري) ناتج عن سياقات وطنية، و من دون إيماء النظم الدستورية المقارنة و إسقاطاتها في الموضوع (منع شبه كلي للشعائر الدينية في الأنظمة الشيوعية و العلمانية Sécularisme في الأنظمة الأنقلوسكسونية و اللائكية Laïcité في النظام الفرنسي)، و من هذه الأسانيد:
"لم ينص دستور 1959 صراحة على مدنية الدولة، و مع ذلك فرضها الآباء المؤسسون لتونس الحديثة عبر عدة قوانين" (يراجع في الخصوص مقال الأستاذة لمياء ناجي – المذكور أعلاه - ص.35)،  في نفس الإتجاه إعتبر الأستاذ غازي الغرايري أن "الجمهورية التونسية منذ دستور 1959 دولة مدنية، لكن من دون أي إقرار دستوري مكتوب بذلك" (يراجع المؤلف: قراءة في مسودة مشروع الدستور: تقييم و إقتراحات- 2013- يوم دراسي عبد الفتاح عمر بالمكتبة الوطنية- ص.60) (المصاحب عدد 12).
و تضيف الأستاذة لمياء ناجي "فمدنية الدولة لا تتعارض مع أن يستلهم القانون أحكامه من الدين، كما أنها لا تمنع عناية الدولة بالمؤسسات الدينية و إحترام تعاليمها، على العكس يصبح تدخل الدولة للحفاظ على الدين و رعايته حقا للدولة كممثل للشعب حتي لا يحتكره فرد أو فئة أو مجموعة" (ص34). و في ربطها بين الجمهورية الأولى و الجمهورية الثانية، تؤكد الجامعية على ما يلي "و ما إحاطة الفصل الثاني و الفصل 49 بحصانة من التعديلات الدستورية الا تأكيد على التمسك بمدنية الدولة التي إرتآها واضعوا دستور 1959 و التي أصبحت جزءا من الهوية التونسية. فالدستور الذي لا يجمع كامل مكونات المجتمع و لا يعكس هويته بإختلاف أطيافه، لا أمل في أن يقع إستبطانه من قبل الحاكم و المحكوم" (ص.48). و يتبين معه أن المفهوم التونسي للدولة المدنية يعكس مباشرة تاريخ تونس الحديث و تراكماته و إرهاصاته، و بالتالي فهو ليس مستوردا، كما يتبين أنه ليس في قطيعة مع تاريخ الإنسانية و حضاراتها، "و بذلك يكون الفصل الثاني قد كرس المفهوم الأصلي للمدنية (civitas) التي إرتبطت منذ الرومان بالحرية وبالشعب" (ص.47).
وفي هذا الموضوع، و من دون معاينة تعارض مع طرح الأستاذة لمياء ناجي، تمسك الأستاذ راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة التي رشحت رئيس بلدية الكرم على رأس قائمتها بالمكان، بما يلي: 
« Ce n’est pas à l’Etat d’imposer une religion aux gens, d’imposer l’islam : la question de l’islam relève de la société . Le rôle de l’Etat est de préserver la paix civile et de présenter des services. Et n’est pas d’imposer un type particulier de pratiques religieuses, ni un type particulier de modernité » 
(يراجع كتاب الأستاذ عياض بن عاشور- Tunisie une révolution en pays d’islam – دار سراس للنشر- 2016 – ص.135) (مصاحب عدد 13)، و يرى الأستاذ عياض بن عاشور في هذه الأقوال:
« Une véritable profession de foi démocratique et laïque » وبخصوص الحداثة المثارة من قبل الأستاذ راشد الغنوشي أعلاه، فإنه يحصرها في مبدأين "بالنسبة لي، الحداثة تتأسس على مبدأين: الحرية و العلم" (Entretiens d’Olivier Ravanello avec Rached Ghannouchi au sujet de l’islam – المرجع المذكور أعلاه – ص.103).
وفي نفس السياق، و من دون أن يخالف كذلك هذه المرة الأستاذ عياض بن عاشور، يفهم من الأستاذ راشد الغنوشي أنه ضد الخيار الفرنسي (اللائكية) وقريب من الخيار الأنقلوسكسوني (العلمانية) الذي هو ليس في حرب ضد الدين، فلكل تاريخه، كما يضيف أنه لا وجود لوسيط بين الإنسان و الخالق، فلكل شخص علاقة مباشرة مع ربه ويحاسب أمامه. (المرجع الأخير في الذكر – ص.47 و 48). وقدم الأستاذ راشد الغنوشي تقريبا نفس هذه الآراء في مؤلف آخر (Ces nouveaux mots qui font la Tunisie- هادية بركات و ألفة بلحسين – دار سراس للنشر- 2016- ص.188 و 189) (المصاحب عدد 14).
أما الأستاذ عياض بن عاشور و في مؤلفه المذكور أعلاه، فقد تحدث بخصوص الفترة التأسيسية عن توافق بتبني مفهوم الدولة المدنية، وهو توافق في الآن نفسه إرادي و إجباري، يجنب إتهام البعض باللائكية و ما تعنيه العبارة من عدم الإيمان و الإلحاد، و البعض الآخر بالدولة التيوقراطية (ص.238 و 239). و يستنتج في الأخير و في قراءة تناسقية بين الفصلين 1 و 2 من الدستور:

« Un « peuple musulman » constitue une description de culte, de mœurs, de cultures et de civilisation pour la majorité. Un « Etat civil » constitue une prescription de constitution de droit et de loi pour la nation »
(ص.343).  
أما الأستاذ علي المزغني فيعتبر:
« L’Etat civil est un néologisme… Or l’Etat moderne ne peut qu’être séculier et laïc, car articulé autour de la loi et non de la foi. Avec cette garantie le référent religieux auquel renvoi par ailleurs la constitution est dépouillé de sa notion normative ».
(المؤلف Ces nouveaux mots qui font la Tunisie، ص.188).
وبناءا على ما سبق، فإن المحكمة الإدارية سبق لها و بخصوص دعوى أصلية بنيت على أساس الشريعة الإسلامية التي تقتضي أن شهادة المرأة تساوي نصف شهادة الرجل، أن رفضت على أساس أن الدستور نص على مبدأ المساواة بين الجنسين (طعن ضد مناظرة عدول إشهاد – قرار ت.س علي عمامو ضد وزارة العدل في 10 مارس 1998).
وهذا لا يعني أن القانون الإسلامي لا يشكل مصدرا من مصادر القانون، فالثابت أن آثاره موجودة في عديد النصوص التشريعية، و على وجه الخصوص "قانون العائلة أو في نظرية الحقوق الشخصية أو في ما يتعلق بالحقوق العينية... و كتب في هذا الشأن David Santillana  في التقرير الذي تصدر مشروع مجلة الالتزامات و العقود ... و لا يوجد بالمشروع أي أثر لما هو مخالف لمذهب أشهر فقهاء الإسلام " (يراجع مؤلف الأستاذ محمد كمال شرف الدين- قانون مدني: النظرية العامة للقانون النظرية العامة للحق- طبعة ثانية 2017- مجمع الأطرش للنشر- ص.61 و 62) (المصاحب عدد 15).
وفي ما يتعلق بالمادة المالية و البنكية، فقد وقع إدراج الصيرفة الإسلامية صلب القانون المتعلق بالبنوك و المؤسسات المالية المؤرخ في 11 جولية 2016 تحت عدد48، و القانون المتعلق بضبط النظام الأساسي للبنك المركزي عدد 35 المؤرخ في 25 أفريل 2016، و القانون المتعلق بصناديق الإستثمار الإسلامية عدد48 في 9 ديسمبر 2013، و القانون المتعلق بالصكوك الإسلامية عدد30 المؤرخ في 30 جويلية 2013.  
كما أن ولاية المظالم كانت مؤثرة عند إحداث المحكمة الإدارية في تونس، و في هذا الإتجاه كتب الأستاذ عياض بن عاشور "هذه بعض الفوارق التي تميز (والي) المظالم عن القضاء نقلنا أهمها لا لسبيل الذكر المجرد و الإطلاع على تاريخ النظم (القضائية)، و لكن للتشابه المذهل بين المبادئ التي قام عليها هذا اللون من القضاء الإداري في تاريخ الحضارة الإسلامية، و تلك التي تسود على الأنظمة المعاصرة ...(يراجع مؤلفه القضاء الإداري و فقه المرافعات الإدارية في تونس- طبعة ثانية- مركز النشر الجامعي- ص.38).
و يضاف الى هذا أن "رسالة سيدنا عمر الى القاضي ابي موسى الأشعري" بما تضمنته من مبادئ أهمها: المساواة بين المتقاضين و قواعد الإثبات، كانت موجودة في مداولات الهيئات القضائية بالمحكمة الإدارية و كذلك في روح فقه القضاء الإداري. 
و يستنتج من كل ما سبق، أن الدولة المدنية مفهوم تونسي، بعيد عن النظام الفرنسي و قريب من النظام الأنقلوسكسوني. و هي ليست في مواجهة مع الدين الذي يشكل أحد مصادرها في التشريعات الوطنية، بإرادة الشعب (الفصل 2 من الدستور) صاحب السيادة التي يمارسها عبر الإستفتاء أو ممثليه (الفصل 3 من الدستور)، مع التأكيد على أن الدولة المدنية تشكل أحد آليات حماية الحقوق و الحريات (الفصل 49 منه).  
وعليه يكون قرار بلدية الكرم في احداث صندوق للزكاة مخالفا لتوطئة الدستور وللفصلين 2 و 49 منه، طالما انّ المضمون يضلّ دينيّا ويعارض مبدأ مدنية الدولة، فضلا عن غياب أي سند نصي وطني في الغرض، علاوة على ان الإبقاء على صندوق الزكاة المذكور لن يزيد من إسلام التونسيين وفي المقابل فإن إلغاءه لن ينقص منه لديهم. 
لذا يتعين قبول هذا المطعن.
عن المطعن الثاني المتعلق بمخالفة الفصل 6 من الدستور
لقد اقتضى هذا الفصل وفيما يهمّنا ما يلي: "الدولة راعية للدين".
غني عن البيان أن الدولة قطعا لا تعني البلدية، و لا تشملها قانونا أبدا:
فمن وجهة نظر القانون الدستوري، تشتمل الدولة على ثلاثة مكونات  (الإقليم – السكان – السلطة المركزية الحاكمة)، و لا وجود للجماعات المحلية مكان فيها.
أما من وجهة نظر القانون الدولي، تعني الدولة ذاتا من ذوات هذا القانون، و يمثلها رئيس الجمهورية، و الدولة في هذا الخصوص لا تشمل الجماعات المحلية.
و في ما يتعلق بالقانون الجبائي، فأن الدولة لها مجلاتها و قضاء مخصوص، أما البلدية فلها مجلة مستقلة و قضاء مختلف. 
و أخيرا وفي ما يتعلق بالقانون الإداري، فإن الجماعات المحلية بأصنافها الثلاثة تشكل شخصيات معنوية عمومية مستقلة عن الدولة التي تتكون من السلطة المركزية و فروعها، بدليل أن المكلف العام بنزاعات الدولة هو محامي الدولة أمام الأقضية الثلاثة ( العدلي و المالي و الإداري)، أما البلدية فهي تمثل نفسها.
و يمكن القبول بأن الجماعات المحلية تشكل جزءا من الدولة، لكن في حدود الزاوية السسيولوجية و السياسية، على خلاف الزاوية القانونية و خاصة إذا كانت دستورية و في هذه الحالة لا يمكن إعتبار البلدية قانونا من مكونات الدولة. 
 يتأكد هذا الرأي بموقف وزير الإشراف السابق (السيد مختار الهمامي) و هو وزير مستقل، و كذلك بموقف وزير الإشراف الحالي (السيد لطفي زيتون)، طبق ما سبق ذكره أعلاه بالحجة الموثقة.
يزداد هذا الرأي متانة، لما نعلم أنه أثناء مداولات اللجنة المختصة بمناقشة مشروع م.ج.م أثيرت مسألة إدراج "العناية بالمساجد" ضمن إختصاص البلديات، غير أنه تم إستبعاد هذا المقترح نظرا للفصل 6 من الدستور (يراجع المصاحب عدد2 و 5).
وقد شهد الأستاذ ناجي البكوش على هذه المداولات، مؤكدا على الإلحاح في هذا الإدراج مع القبول لاحقا بإستبعاده "بقناعة ظاهرة لكل السادة النواب الحاضرين و كان يومها عددهم كبير"، في مقاله "حول صندوق الزكاة" بتاريخ 19 ماي 2020 (المصاحب عدد 16).
وبناءا على ما سبق، نطلب قبول هذا المطعن على أساس عدم الإختصاص البين في إحداث صندوق الزكاة من قبل البلدية المعترض عليها، و تعد المسألة من متعلقات النظام العام و يجوز بالتالي للقاضي إثارتها و لو تلقائيا. 
عن المطعن الثالث المتعلق بمخالفة الفصل 9 من الدستور
لقد اقتضى هذا الفصل وفيما يهمّنا ما يلي: "الحفاظ على وحدة الوطن... واجب مقدّس على كلّ المواطنين"، بصرف النظر عن الفقرة الرابعة من التوطئة التي نصت على "الوحدة الوطنية" التي تلتها عبارات "المواطنة و الأخوة و العدالة الإجتماعية" التي جاءت مطلقة بما يعني أن الوحدة الوطنية ليست حكرا على المسلمين و فيما بينهم فقط.
وتعني عبارة وحدة الوطن اللحمة الوطنية، ويبرز ذلك خاصة من الترجمة الفرنسية الرسمية للدستور (la préservation de l’unité nationale) (يراجع الرائد الرسمي – عدد خاص 20/04/2015).
ومن الثابت أنّ الجدل الذي تلى الاحداث المادّي لصندوق الزكاة ببلديّة الكرم يعكس الانقسام الحدّي والعنيف بين مناصريه ومعارضيه، على المستويات القانونية والفكرية والدينية و الصحافية.
ووصلت دائرة المعارضة حتّى الى الحزب ذي المرجعية الاسلامية (حركة النهضة) الذي رشّح رئيس البلديّة على رأس قائمته في الانتخابات البلدية بالكرم، ومن المعنيين لطفي زيتون القيادي بالحزب وخاصّة وهو وزير الشؤون المحليّة (سلطة الاشراف على البلديّة) كما سلف بيانه أعلاه.
كما تمسّكت النائبة بمجلس نوّاب الشعب عن حركة النهضة اثناء انعقاد المجلس الجهوي لولاية تونس في 20/05/2020، بالتساؤل عن قانونية مسك وثائق داخلية بالبلديّة بعنوان صندوق الزكاة تتضارب مع الوثائق التي تصدرها نفس البلدية في نفس الموضوع بعنوان هبات ومدى مساس الأمر "بوحدة الوثائق الرسمية للدولة التي يجب ان تكون شفافة".
ويستنتج من كلّ ما سبق، أنّ آثار هذا القرار نالت من مبدأ الوحدة الوطنيّة، ووصلت انعكاساته الى حدّ المساس من وحدة مكوّنات الوطن (الاحزاب، البرلمان، المجلس الجهوي، وزارة الاشراف، المجتمع المدني...):
بما في ذلك الحزب الذي شكّل الرافعة السياسية لصعود رئيس البلديّة الذي كان الحاسم في احداث صندوق الزكاة، 
مرورا بخلق مواجهات بين مؤسسات الدولة (المجلس البلدي ضدّ والي تونس) (المجلس البلدي ضدّ بعض أعضاء المجلس الجهوي) (المجلس البلدي ضدّ وزير الاشراف) (المجلس البلدي ضدّ كتل بالبرلمان)،
دون الاغفال عن وصول الخلافات حتّى مع بعض مكوّنات المجتمع المدني،
مما يخلق القناعة بأنّ هذا القرار عوض ان يدعّم او على الاقل يحافظ على وحدة الوطن، فإنّه ادّى الى النيل من هذه الوحدة، حتّى انّ البعض يرى أنّه آل الى  بث الفتنة. وتزداد المرارة لمّا نعلم أنّ مقاصد الزكاة تتمثّل في "التضامن... ونشر السلم الاجتماعي" (ومن المفارقات انّ هذه المقاصد وردت في محضر الجلسة المعني).
و تزداد المخاطر لما نعلم:
أن إمكانية إحداث الحساب الخاص مكفول لكل أصناف الجماعات المحلية، ذلك أن الفصل 138 أساس النزاع قد ورد في باب الأحكام المشتركة لكل هذه الإصناف،
أن الفرضية قائمة على إحداث "صندوق 26-26" إذا كانت الأغلبية في المجالس المعنية لمصلحة الدستوريين و التجمعيين، أو على إحداث "صندوق للكلكوز و السفكوز" إذا كانت الأغلبية يسارية، و قس على ذلك،
بحيث يمكن أن تصبح تونس محكومة عبر هذا الإجراء بطوائف بلدية و جهوية و إقليمية ربما تكون في مواجهة فيما بينها، و يقينا في مواجهة صريحة ضد الدولة. 
وبناء على ما سبق، يتجه قبول هذا المطعن.
عن المطعن الرابع المأخوذ من مخالفة الفصل 14 من الدستور
لقد إقتضى الفصل المذكور أن "تلتزم الدولة بدعم اللامركزية و إعتمادها بكامل التراب الوطني في إطار وحدة الدولة".
وقد سبق أن بينا أعلاه أن الدولة تشكل وحدة مستقلة عن البلدية، دستوريا وإداريا وجبائيا وقضائيا...، ولا سبيل بالتالي لدمج المؤسستين، بما يعني أنه عند التناقض تكون العلوية للدولة و لوحدتها.
وأكد الأستاذ عصام بن حسن في هذا الخصوص في مقاله المتعلق ب " الدستور و السلطة المحلية" أن مجال تدخل الجماعة الترابية يجد حدا له في المواد المسندة حصريا للدولة.    و يضيف أن التدبير الحر ينتهي عندما تفرض الأهداف ذات المصلحة الوطنية نفسها، فالتنظيم الإداري للدولة الموحدة (Etat unitaire) يفرض رقابة من الدولة على الجماعات الترابية لضمان علوية المصالح الوطنية و إحترام القوانين (يراجع الكتاب المذكور– قراءات في دستور الجمهورية الثانية- الجزء الفرنسي، ص.41 و 44). 
لذلك يتعين قبول هذا المطعن.
عن المطعن الخامس المتعلق بمخالفة الفصل 15 من الدستور و الفقرة 3 من توطئته وكذلك الفصل 75 من م.ج.م
لقد أقر الدستور في توطئته أن "حياد الإدارة" هي من أسس "النظام الجمهوري الديمقراطي التشاركي في إطار الدولة المدنية". 
كما ورد في الفصل 15 أن الإدارة العمومية تعمل وفق عدة مبادئ و منها الحياد.
إن البلدية هي من أقدم المرافق العمومية (إحداث بلدية تونس سنة 1858) ومن أبرزها، وهي الأقرب الى المواطن، كل هذا يزيد من إلزامية مبدأ الحياد.
ولم تتغافل المجلة عن التذكير بهذا المبدأ الدستوري لما أدرجته في الفصل 75 منها، ضمن المبادئ التي يتعين على كل الجماعات المحلية إحترامها.
وبالرجوع الى عديد الأجزاء من عريضة الدعوى الماثلة، يتبين أن بلدية الكرم حادت جليا عن هذا المبدأ، من جهة إعمالها للعنصر الديني الذي يخرج بطبعه المرفق البلدي عن حياده.
لذلك يتجه قبول هذا المطعن.
عن المطعن السادس المتعلق بمخالفة الفصل 21 من الدستور والفقرة 3 من توطئته وكذلك الفصلين 25 و 75 من م.ج.م
لقد أقر الدستور في توطئته أن "المساواة في الحقوق و الواجبات بين جميع المواطنين و المواطنات" هي من أسس "النظام الجمهوري الديمقراطي التشاركي في إطار الدولة المدنية". و يتأكد نفس هذا المبدأ في الفصل 21 الذي أضاف العبارات التالية "و هم سواء أمام القانون من غير تمييز".
كما أكد الفصل 15 أن من واجبات المرفق العام إحترام مبدأ المساواة، و نرى أن هذا الفصل متفرع عن التوطئة و الفصل 21 الذي المذكورين.
ولم يتوان المشرع في إدراج ذات المبدأ في الفصلين 25 و 75 من م.ج.م.
و يتجه التذكير في هذا الخصوص أن المحكمة الإدارية و منذ إحداثها إستقرت في قضائها على التطبيق الصارم لمبدأ المساواة في القانون و أمامه و أمام المرفق العام.
وبالرجوع الى الملف الماثل، يتجلى أن نتائج القرار المنتقد تؤدي الى  خرق مبدأ المساواة:
بين المسلمين القائمين بشعائرهم و بين غير القائمين بها،
بين المسلمين و المعتنقين لديانات أخرى،
بين المسلمين و من لا دين لهم،
وستكون القائمة الإسمية التي ستعلن عنها البلدية بالضرورة إعمالا للمبدأين الدستوريين و المبدأين التشريعيين المتمثلين في الشفافية و الحوكمة المفتوحة، هي المصدر لخلق هذه الفئات و إشهارها، بما يمثل خرقا فادحا و مباشرا و متعمدا لمبدأ المساواة.
لذلك يتجه قبول هذا المطعن لصحة أسانيده الدستورية و التشريعية و المنطقية والواقعية.
عن المطعن السابع المتعلق بمخالفة الفصل 49 من الدستور
اقتضى هذا الفصل أن "يحدد القانون الضوابط المتعلقة بالحقوق والحريات المضمونة بهذا الدستور وممارستها بما لا ينال من جوهرها.
ولا توضع هذه الضوابط إلّا لضرورة تقتضيها دولة مدنية ديمقراطية وبهدف حماية حقوق الغير، أو لمقتضيات الأمن العام، أو الدفاع الوطني، أو الصحة العامة، أو الآداب العامة، وذلك مع احترام التناسب بين هذه الضوابط وموجباتها. وتتكفّل الهيئات القضائية بحماية الحقوق والحريات من أي انتهاك.
لا يجوز لأيّ تعديل أن ينال من مكتسبات حقوق الإنسان وحرياته المضمونة في هذا الدستور".
وبتطبيق هذا الفصل على النزاع الماثل، يتبين:
أن القرار المنتقد نال من جوهر عديد الحقوق والحريات (الحق في المساواة في القانون وأمامه وأمام المرفق العام، حرية المعتقد، حرية الضمير...).
أن هذا القرار إنبنى على ضوابط نالت من أسس الدولة المدنية (حرية المعتقد، حرية الضمير، تدخل البلدية في ممارسة شعيرة دينية).
ونشير في الغرض الى أن هذا الفصل ينطبق على حد السواء على النصوص التشريعية وعلى القرارات الترتيبية (حكم الدائرة الابتدائية للمحكمة الاداريّة بقابس – ت.ت – عدد 09200012 بتاريخ 05/11/2018).
ويتجه التأكيد على أن القضاء هو المتكفل بحماية الحقوق و الحريات، طبق صريح أحكام هذا الفصل، و يرى بعض الفقهاء في هذا السياق أن الفصل المذكور يشكل هدية للقضاة (يراجع مقال الأستاذ معتز القرقوري- الفصل 49 من الدستور الجدد هبة للقضاء- جريدة المغرب- 12 جويلية 2014- ص.9) (المصاحب عدد 17).
وبالنظر الى أن القرار المخدوش فيه قد نال من الفصل 49، في عديد الأوجه، نطلب قبول المطعن الماثل.
عن المطعن الثامن المأخوذ من مخالفة الفصل 146 من الدستور
لقد إقتضى الفصل 146 أن "تفسر أحكام الدستور و يؤول بعضها البعض كوحدة منسجمة".
وقد بينا أعلاه أن القراءة التقاطعية للفصول المعنية في الدستور، كما أن روحه طبق ما سنبينه لاحقا، يفرضان الجزم بأن القاعدة القانونية النافذة في تونس لا تكون الا جزءا من القانون الوضعي في إطار الدولة المدنية، من دون أن يمنع هذا من إدراج مواد من القانون الإسلامي في هذه القاعدة، كما بيناه أعلاه عبر عديد الأمثلة.
ويتدعم هذا القول من خلال قواعد التأويل التالية:
الفرع (البلدية) يتبع الاصل (الدولة)، ولا مناص من إعتبار أن الأصل في الملف الراهن هو الدولة، و أن الفرع هو البلدية، بما يعني بداهة و بالضرورة أن الدولة تعلو على البلدية.
قياسا على المبدأ الوارد بالفصل 557 من مجلة الالتزمات والعقود والقائل بأنّه "اذا تعارضت منفعة عامة ومنفعة خاصة ولم يمكن التوفيق بينهما قدّمت العامة"، جاز اعتبار أنّه اذا تعارضت مصلحة وطنية ومصلحة محلية ولم يمكن التوفيق بينهما قدّمت الوطنيّة. وعلى هذا الاساس، وانطلاقا من مبدأ وحدة الدولة، لا جدال في أنّ الهياكل الوطنيّة تتميّز بالعلويّة على الهياكل المحليّة وقراراتها، على شاكلة المبادئ المنظمة لمادة الضبط الإداري.
الاصل ارتكاب اخفّ الضررين، ذلك أنّ الاضرار المتأتّية من ابطال قرار احداث صندوق الزكاة اقلّ بكثير من الاضرار المتأتية من الابقاء عليه، خاصّة أنّ فريضة الزكاة لا تتوقّف على وجود الصندوق.
وان كان الاساس لهذا المبدأ هو الفصل 556 مجلة الالتزامات والعقود اي القانون المدني، فإنّنا نرى أنّه يجد تطبيقا له في مادة النزاعات الادارية عبر "نظرية الموازنة" (La théorie du bilan) التي تقتضي المقارنة بين المنافع والمضار لكلّ قرار اداري خاصّة اذا كان متعدّد الابعاد، ولا يقرّ القاضي الاداري بشرعيّة القرار المخدوش فيه الاّ اذا كانت الغلبة للمنافع، بما يعني انّ هذه الغلبة تكون مساوية لمفهوم المصلحة العامة (l’intérêt général) وتحقيقا لها، والعكس بالعكس.
وعليه يتبيّن انّ الطرح القائل بعدم دستورية هذا القرار هو الاقرب للمنطق ولقواعد التأويل القانوني سابقة العرض، سيما انّ العقد الاجتماعي والسياسي المشترك والرابط بين التونسيين هو الدستور لا غير.
لذا نطلب قبول هذا المطعن.
عن المطعن التاسع المتعلق بخرق روح الدستور 
إستقر القضاء على أن التشريعات عامة لها روح، و تعد المسألة من متعلقات النظام العام و يجوز بالتالي للقاضي إثارتها و لو تلقائيا (قرار في مادة ت.س عدد3289 بتاريخ 29 ديسمبر 1993، و كذلك الحكم الإستئنافي عدد27493 بتاريخ 24 ديسمبر 2010). 
وأكد في هذا الخصوص الأستاذ معتز القرقوري أنه "يمكن القول أن دستور 2014 هو دستور يفترض ثلاثة معطيات أو أسس تعكس روحه:
- النظام الجمهوري،
- النظام الليبرالي من جهة أنه يكرس الحقوق و الحريات لجميع أجيالها، 
- النظام الديمقراطي". 
(يراجع مقاله بجريدة المغرب – 2 سبتمبر 2014- ص.9) (المصاحب عدد 18).
بناءا على ما سبق نطلب قبول هذا المطلب الذي يتعلق بالنظام العام مما يجيز إثارته من القاضي و لو تلقائيا.
عن المطعن العاشر المتعلق بخرق الفصل 22 من م.ج.م 
لقد إقتضى الفصل 22 أن "تمارس الجماعات المحلية إختصاصاتها مع مراعاة مقتضيات الدفاع الوطني و الأمن العام"، يبقى أن ما أقدمت عليه بلدية الكرم أحدث تفرقة بين عديد المكونات السياسية و الإجتماعية، و كذلك حتي في الإعلام و لدى الرأي العام، مثلما ما بيناه أعلاه.
كما أن الأمور يمكن أن تزيد تعقيدا، و من المرجح أن تشكل لاحقا خطرا على الأمن العام المحلي و الجهوي و الوطني، إذا توسعت المبادرة موضوع النزاع أفقيا ثم عموديا. 
لذا نطلب قبول هذا المطعن لصحة أسسه القانونية و الواقعية.
عن المطعن الحادي عشر المتعلق بخرق الفصل 25 من م.ج.م
عن الفرع الأوّل
لقد اقتضى هذا الفصل في فقرته الأولى ما يلي: "تتمتع الجماعة المحلية بسلطة ترتيبية تمارسها في حدود مجالها الترابي وإختصاصها مع مراعاة أحكام النصوص التشريعية والترتيبية ذات الصبغة الوطنية".
ومن المسلّم به فقها وقضاء أنّ السلطة الترتيبية البلديّة هي سلطة منصهرة في منظومة قانونية قائمة وهرميّة. فهذه السلطة الترتيبية المحليّة مطالبة باحترام مبدأ هرميّة القواعد القانونيّة المشكّلة للتشريع الوطني، أي الدستور والقانون والسلطة الترتيبية العامّة، لذا جاز القول بأنّ البلديّة تتمتّع بهذا الخصوص بسلطة ترتيبيّة فرعيّة، أمّا السلطة الترتيبيّة الاصليّة فتبقى حكرا على صاحب السلطة المركزيّة.
وقد بينا أعلاه، كما سنبين أسفله، أن القرار المنتقد لم يراع أبدا عديد النصوص الوطنية (الدستور ومجلّة الجماعات المحليّة ومجلّة المحاسبة العمومية).
لذا، يتجلّى أنّ القرار المنتقد قد خرق مبدأ هرميّة القواعد القانونية الذي ضمنه الفصل المذكور.
عن الفرع الثاني
أمّا الفقرة الثانية من ذات الفصل فقد نصّت على أنّه : "تحرص الجماعات المحليّة عند ممارسة اختصاصاتها على التنسيق مع بقيّة الجماعات المحليّة المختصّة ترابيا".
ولا جدال كون المشرّع أقرّ مبدأ التنسيق عبر هذه الاحكام، بما يضمن تجنب التباين بين التراتيب الصادرة بين مختلف البلديات، من ذلك، وفيما يخصّنا، التراتيب ذات البعد المالي والتي تدخل في اختصاص الجماعات المحليّة.
وفي حالة عدم احترام هذا المبدأ، يمكن أن تقوم بلدية ما بالاعفاء أو التخفيض من بعض المعاليم أو الرسوم أو الحقوق، في حين تبقي بلدية أخرى على نفس المعاليم أو الرسوم أو الحقوق، بما من شأنه أن ينال من مبدأ المساواة، وهذا الامر هو الذي جعل المشرّع يربط بصريح النصّ وفي ذات الفصل بين مبدأ التنسيق ومبدأ المساواة.
لذا، يتجلّى أنّ القرار المنتقد قد خرق مبدأ هرميّة القواعد القانونية الذي ضمنه الفصل المذكور.
و عليه يتجه قبول هذا المطعن بفرعيه المتمثّلين في مبدأ التنسيق ومبدأ هرمية القواعد القانونية.
عن المطعن الثاني عشر المتعلق بخرق الفصل 109 من م.ج.م
لقد تضمن هذا الفصل أن البلدية تعمل على دعم الإقتصاد الإجتماعي و التضامني.
و تمسك رئيس البلدية في عديد تدخلاته أن من بين أهداف صندوق الزكاة تحقيق الهدف المذكور، و الحال أنه يبرز جليا أن توزيع مداخيل الزكاة لا يمكن أن تشكل تجسيدا لهذا الإقتصاد.
فمن المسلم به أن هذا الإقتصاد:
يعني المؤسسات و الشركات و التعاضديات و التعاونيات و الجمعيات من جهة،
كما أنه يتسم بالصبغة الإستثمارية و بإحداث مشاريع ليست بالضرورة ربحية من جهة أخرى.
و تطبيقا لهذا المبدأ يستنتج أن العنصرين المذكورين مفقودان واقعا و قانونا في صندوق الزكاة البلدي موضوع النزاع، فالتعاملات بخصوصه ستكون خاصة بالأفراد، و غريبة عن المشاريع.
و بناءا على هذا، نطلب قبول هذا المطعن.
عن المطعن الثالث عشر المتعلق بخرق الفصل 138 من م.ج.م 
عن الفرع الأول
إقتضى هذا الفصل أن الهدف من الحساب الخاص هو "تمويل مشاريع ذات صبغة عامة".
وبمناسبة إحداث صندوق الزكاة، كتب الأستاذ ناجي البكوش مقالا سبقت الإشارة اليه، وتمسك فيه بأن هذه المشاريع العامة تخص "وجوبا رياض الأطفال أو تجهيزات رياضية أو مكتبات أو مباني ثقافية أو دور للمسنين...، و بالتالي لا علاقة لهذا الحساب بالزكاة التي هي واجب ديني". ويزداد هذا الرأي قيمة وسلطة لما نعلم أن العميد ناجي البكوش كان من أبرز المساهمين في إعداد مشروع م.ج.م ومن الحاضرين في أغلب أعمال اللجان البرلمانية بخصوصه.
عن الفرع الثاني
لقد إشترط الفصل 138 من م.ج.م أن يتم في الغرض "فتح حساب خاص لدى محاسبها العمومي" الذي هو من عون "تابع للدولة" حسب صريح عبارات الفصل 129 من نفس المجلة، وليس تابعا البلدية.
وتقتضي مجلّة المحاسبة العمومية في فصلها 10 وما يليه، وكذلك التراتيب الاداريّة بوزارة المالية، أنّه لا يمكن احداث هذا الحساب الخاص الاّ لدى الخزينة العامة وبمصادقة هذه الوزارة ثمّ يسند له رقم خاص.
وقد ثبت لدينا أن المحاسب العمومي المعني ووزارة الماليّة رفضا فتح هذا الحساب، لأنه جاء مخالفا للقانون وللتراتيب المذكورة. وقد أكّد والي تونس هذا الامر في محضر جلسة المجلس الجهوي المصاحب.
وبخصوص مراسلة المعترض عليه للمعترض في الموضوع (المصاحب عدد 7)، والمتضمّنة لبعض الوثائق المالية الداخليّة وأخرى بخصوص بداية اجراءات فتح الحساب الخاص لدى أمين المال الجهوي بتاريخ 20/02/2020، فإنّها لا تقوم البتّة مقام فتح حساب خاص، طبق ما تقتضيه الاجراءات المشار اليها اعلاه.
وتتضّح خطورة هذه المسألة ووجوب إتّباع الاجراءات المنصوص عليها بالقوانين والتراتيب المعنيّة، خاصّة بالنظر الى العقوبات التي يسلّطها الفصل 95 من المجلّة الجزائية في الجرائم ذات العلاقة باستخلاص الموظفين العموميين للاموال غير الواجبة او قبضها او قبولها، وهو ما أكّده الأستاذ ناجي البكوش صلب مقاله المصاحب.
لذلك يتجه قبول هذا المطعن بفرعيه.
عن المطعن الرابع عشر المتعلق بخرق الفصلين 200 و 241 من م.ج.م
إن كل ما سبق ذكره يتعلق بالأحكام المشتركة بين أصناف الجماعات المحلية الثلاثة،   و الأمر يزداد وضوحا في الكتاب المتعلق بالبلديات، إذ يؤكد الفصل 200 على أن البلدية "تعمل على تنمية المنطقة إقتصاديا و إجتماعيا و ثقافيا و بيئيا و حضريا"، و في نفس الإتجاه ينص الفصل 241 على أن "يتولى المجلس البلدي دعم كل الأعمال التي ترمي الى تنشيط الحياة الإجتماعية و الثقافية و الرياضية و البيئية".
و يتجلى بقراءة عكسية للفصلين المذكورين، أن المشرع لم يتعرض أبدا للمجال الديني، بما يعني أن هذا المجال ليس من مشمولات البلدية، و يظل حكرا للدولة، على معنى الفصل 106 من الدستور و الذي تعرضنا أعلاه.
وعليه يتعين قبول هذا المطعن.
عن المطعن الخامس عشر المتعلق بخرق الفصل 221 من م.ج.م
إقتضى هذا الفصل في فقرته الثالثة ما يلي: "يجرى التصويت علانية... و تدرج أسماء المصوتين بمحضر الجلسة". 
وبالتدقيق في محضر الجلسة المعني و موضوع المصاحب عدد1، يتبين أنه جاء خاليا من هذه الصيغة الجوهرية، وإكتفى بعبارات "وافق المجلس بإجماع الحاضرين على إحداث حساب خاص". وفي غياب قائمة المصوتين له وإمضاءاتهم، فأنه لا يمكن الجزم بحصول هذا الإجماع، سيما أن هذا المستخرج ممضى من رئيس البلدية دون سواه، فضلا عن أنه حرر وأمضي في 29 نوفمبر 2019 أي بعد ثمانية أيام من إنعقاد الجلسة.
وعليه نطلب قبول هذا المطعن.
عن المطعن السادس عشر المتعلق بتضارب المصالح 
لقد قام رئيس بلدية الكرم بإصدار كتاب حول صندوق الزكاة، و صرح في قناة المتوسط في يوم 21 ماي 2020 أن مداخيله ستحول الى ميزانية البلدية، و أن مداخيله في المستقبل ستكون موضوع "وقف" لها، مما يشكل في حد ذاته إحياء لمؤسسة الأوقاف.
ويعتبر الأمران خرقا للفصل 280 من م.ج.م و الذي يقتضي أنه " يمنع على كل عضو بالمجلس البلدي إبرام عقود مع المجلس أو أن تكون له معاملات مهما كان نوعها مع المجلس الذي هو عضو فيه إذا كان في وضعية تضارب مصالح على معنى التشريع المتعلق بتضارب المصالح". و يعني تضارب المصالح "الوضعية التي يكون للشخص الخاضع لأحكام هذا القانون مصلحة شخصية مباشرة أو غير مباشرة..." (يراجع الفصل 4 من القانون عدد46 المؤرخ في 1 أوت 2013 و المتعلق بالتصريح بالمكاسب و المصالح و بمكافحة الإثراء غير المشروع و تضارب المصالح).
ومن البديهي أن ما أقدم عليه رئيس البلدية يؤدي بالضرورة الى الزبونية، كما أنه يشكل إشهارا سياسيا و لو بعد حين. 
وعليه نطلب قبول هذا المطعن لوجاهته القانونية و الواقعية.
عن المطعن  السابع عشر المتعلق بخرق الوظيفة الإجتماعية للقاعدة القانونية 
من المسلم به أن القاعدة القانونية تتميز بعدة وظائف، ومنها الوظيفة الإجتماعية التي تتلخص في الإدماج، الا أن القرار الترتيبي المخدوش فيه لم يخالف هذه الوظيفة فحسب، بل كان معاكسا لها، ذلك أن مؤداه هو الإقصاء والتفرقة بناءا على مكونه الرئيسي و هو شعيرة دينية، طبق ما سبق عرضه أعلاه. 
وعليه نطلب قبول هذا المطعن. 
عن المطعن الثامن عشر المأخوذ من الإنحراف بالسلطة و الإجراءات
إستقر القضاء الإداري على تعريف الإنحراف بأنه يتمثل في عديد المؤشرات من أعمال وأفعال قانونية وواقعية تتقاطع في الزمان والمكان والتي تشكل قناعة لدى القاضي بأن الإدارة إستعملت صلاحيات السلطة العامة ومنها إصدار قرارات أحادية وملزمة بهدف خدمة غريبة عن هذه الصلاحية أو عن المصلحة العامة.
وقد سبق أن عرضنا أعلاه عديد المؤشرات التي تثبت أن الهدف الاستراتيجي من وراء القرار المخدوش فيه هو إعطاء علوية للشريعة الإسلامية على القانون الوضعي، و قد سبق "...أن رفض بعض ضباط الحالة المدنية مسألة الحريات الدينية، ضرورة أن إبرام عقد زواج تونسية مع أجنبي غير مسلم يتعارض مع حرياتهم الدينية. وأكد ذلك رئيس بلدية الكرم الذي ربط ذلك بجانب ديني تزامن مع طرح فكرة المساواة في الإرث، مما أدى إلى تدخل السلطة المركزية لفرض التوجه العام للدولة" (المؤلف الجماعي: الجماعات المحلية و الحريات الفردية – تحت إشراف الأستاذ وحيد الفرشيشي- الجمعية التونسية للدفاع عن الحريات الفردية- 2019 – ص.56) (مصاحب عدد 19). كل هذا رغم حذف الحاجز الترتيبي المتمثل في منشور وزير العدل عدد216 لسنة 1973 المتعلق بتحجير إبرام زواج التونسيات المسلمات بغير المسلمين، بإصدار وزير العدل منشورا في شهر سبتمبر 2017 يقضي بإلغاء منشور 1973، بناءا على مخالفته للفصلين 21 و 46 من الدستور و لعديد المعاهدات الدولية.
وعليه يتجلى أن ما قامت به بلدية الكرم بواسطة قرارها المخدوش فيه يشكل في مبناه و في مقاصده و في مؤداه إنحرافا مضاعفا، بمجرد إستعمال الحساب الخاص (الفصل 138 المذكور) لغير غرضه، و توظيف الدين و بالتحديد شعيرة نبيلة في حسابات سياسية ضيقة.
وعليه نطلب قبول هذا المطعن لوضوح الإنحراف.
عن المطعن التاسع عشر المأخوذ من غياب المشروعية عن القرار المنتقد
فصل الكلام، يكفي تونس ما تعيشه من مشاكل إجتماعية وإقتصادية كلية، و هي لن تحتمل أزمة سياسية و مجتمعية جديدة في ظاهرها قانونية، لكنها لا تخرج في باطنها عن رهانات أيديولوجية و سياسية.
لهذا  يبقى الأمل معقودا على القضاء الإداري الذي إتسمت منذ عقود سياسته القضائية ((Politique jurisprudentielle بإعلاء الدستور والقانون في ما لا يتعارض مع المصلحة العامة، كما إتسم قضاؤه السياسي (jurisprudence politique) بالحفاظ على السلم الإجتماعي والسياسي بالبلاد التونسية.
ونشير في هذا السياق وبالتوازي مع التوافق الضمني الحاصل بخصوص غياب المقبولية (المشروعية légitimité ) الكافية عند المجتمع التونسي بمشروع مجلة الحريات الشخصية بمبادرة من الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، فإن هذا الغياب ثابت بدوره بخصوص مقبولية صندوق زكاة وطني (رفض المشروع خلال المرحلة التأسيسية، وأخيرا أثناء مناقشة قانون المالية لسنة 2020). وعليه ومهما كانت الحالة ومن باب أولى و أحرى، لا يمكن القبول واقعا وقانونا بصندوق زكاة بلدي.
وعليه نطلب قبول هذا المطعن، لمساسه بمبدأ الملاءمة.
في وجاهة طلب القضاء بمعدومية القرار المنتقد
إن أوجه خرق الشرعية (الدستور و م.ج.م و مجلة المحاسبة العمومية) و المشروعية التي تضمنها القرار موضوع الطعن الراهن قد بلغت في تعددها و تظافرها و فداحتها من الجسامة ما يصير القرار المذكور، لا فقط مشوبا بمجرد بعض العيوب التي تجعله حريا بالإلغاء، بل تنحدر به الى مرتبة القرار المعدوم الذي لا أثر له.
وعلى نحو ما إستقر عليه فقه القضاء في هذا الخصوص، نطلب أصليا التصريح بإعتبار قرار بلدية الكرم معدوما و لا أثر له.
ثالثا- في الطلبات النهائية
حيث نطلب أوّلا وبصفة رئيسية استعجال النظر، باعتبار انّنا استبقنا كلّ الدفوعات او على الاقلّ اهمّها او معظمها والتي عرضها المعترض عليه في عديد وسائل الاعلام، وخاصّة خلال المجلس الجهوي الاستثنائي المنعقد في 20/05/2020، فضلا وعلى وجه الخصوص عن أنّ المسألة تتعلّق بالمصلحة الوطنيّة المتمثّلة في الاسراع في أن يقول القضاء القانون، سيما أن عددا من البلديات الاخرى بصدد النسج على منوال بلدية الكرم في هذا القرار المنتقد، علاوة على أنّ الاسراع في البت يخدم على حدّ السواء مبدأ الفصل في الآجال المعقولة (الفصل 106 من الدستور) كما مبدأ نجاعة القضاء الذي أقرّه فقه قضاء المحكمة الاداريّة.
ولكلّ هذه الاسباب، نتخلّى عن حقّنا في الردّ على تقرير الضدّ في حالة وروده على محكمتكم، وإحالة الملف مباشرة على جلسة المرافعة.
كما نطلب من الجناب القضاء إبتدائيا ب:
التصريح بمعدومية القرار المنتقد،
وبصفة إحتياطية، بقبول الإعتراض شكلا و أصلا وإلغاء القرار المنتقد.
حمل المصاريف القانونية على المعترض عليه.
وتفضّلوا سيدي الرئيس بقبول فائق عبارات التقدير والاحترام.
    والسلام
الأستاذ أحمد الصواب

الكلمات المفاتيح:
شارك :