تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

إلى متى سنظلّ عبيد شوراهم؟

شارك :

بات جليّا أنّ تونس انفصلت إلى قسمين: قسم تجد فيه النافذين والمقرّرين المقرّبين.. وآخر يضمّ بقية الشعب بجميع أطيافه وفئاته.. وبجميع أصنافه الجاهل مثل العالم.. ينتظر ما يراه صالحا أصحابنا الذين نصّبوا أنفسهم أولياء أمرنا..
في الحقيقة يحتار المرء في نعت أصحاب الشورى الإخوانية: هل هم الحكماء؟ لكن الحكيم يدلي برأيه وينآى عن التجاذبات.. هل هم من الكهنوت الذين كانوا دعامة الكنيسة؟ بل أدهى فهم من حازوا البلاد والعباد.. وانتصبوا بدهاء ومكر من جهة وبفضل من سعى إليهم من السياسيين بحثا عن رضا وطمعا في دعم..
هل عاشت بلاد مثل ما نعيشه نحن بتونس؟؟ حزب يمتلك الرقاب ، واستولى على دواليب الدولة وهو يوهم البسطاء أنّهم الثائرون. منذ 2011، ونحن نواجه ألوانا من التجارب التي حرص الإخوان على تطبيقها علينا، تجارب باحثة عن وصفة تؤهّلهم لتطبيق مشروع مرشدهم الأوّل البنّا ومن والاه، وتجارب لها من القدرة على التأقلم بحسب الأوضاع في تغيّرها سواء داخل البلاد أو إقليميا..
دخلوا البلاد من كلّ فجّ وصوب، وأقاموا المنصّات لمحاكمة المخالف ، وولّوا علينا فقهاء غازين بتعاليم دين قيل لنا إنّه الدين الصحيح والطريق الأصوب إلى مغفرة من الله.. فإذا بالساحات امتلأت وعدا ووعيدا.. وإذا بسياط ألسنتهم تسبق سياط أيديهم.. فخاف الضعيف الجاهل وواجههم القويّ العالم الرافض. وإذا تأمّلنا قليلا لتبيّن لنا أنّ قوّتهم لم تكن البتة في صلابة موقفهم وقدرتهم على القرع بالحجّة بقدر ما هي قوّة تتغذّى من يسار متردّد.. ضعيف مفرغ من حوافز الأمل والطموح وقانع بتحالف مع يميني لا يرى في موقفه تطرّفا وإرهابا بقدر ما يرى فيه رمزا لفترة تحالف فيها الاتجاهان في مقاومة نظام بن علي.. قوّة الإخوان يستمدّونها ممّن امتلأت بهم شوارع السياسة ببلدنا. ولا يحرّكهم سوى الفاقة الكبرى التي تدفعهم إلى الجري وراء الكراسي.. أو وراء غطاء يتوارون تحته تخفّيا من ماض حفظ لهم ملحمتهم في الانتهازية..
خرجوا علينا بألوان من الأقنعة : قناع التواضع وقناع السلام.. قناع الصبر وقناع الرصانة.. قناع التحابب وقناع التعايش.. هي أقنعة كثيرة ولكنّها ألبست بأسماء سرعان ما تبنّاها الناس نيابة عنهم .
اختزلت الأقنعة في شعار جامع ظلّ حاضرا في كلّ مبادرة لتكوين حكومة:
إنّه شعار " الوحدة الوطنية" وقد قام على معاني ثانوية وظّفت في الخطاب السياسي باعتبارها مرادفات مثل " حكومة الوحدة الوطنية" وحكومة الكفاءات". و ولعلّ أوّل ظهور لهذه العبارة كان في 2011 مع محمد الغنوشي الوزير الاول في حكومة الرئيس السابق بن علي .ثمّ طفا الشعار من جديد في 7مارس 2011 مع الباجي قايد السبسي عندما كلّف بتكوين حكومة . ويكون الإخوان بهذه البدعة قد سطّروا خطّا أحمر يتعذّر تجاوزه في كلّ مرّة تتغيّر فيها الحكومة. وبروح الوحدة الوطنية عرض الإخوان باكورة رجالهم حمادي الجبالي في ديسمبر 2011.. وبنفس هذه المقاربة تقرّب الإخوان بعلي العريض في 2013، عندما واجهوا غضب الشارع إثرى استشهاد بلعيد واتهام المجتمع الصريح التنظيم بتواطئه في عملية الاغتيال.
تعوّد الإخوان على من يعرض صدره نيابة عنهم  سواء من اليسار أو حتى من المنظّمات الوطنية التي بمشاركتها في الحوار الوطني في أواخر 2013 تكون قد حمت الإخوان وإن بطريقة غير مباشرة من نار المواجهة مع الشارع. وبنفس الشعار يدخل الجميع قبّة التوافق لاختيار حكومة وحدة وطنية ليعيّن مهدي جمعة رئيسا للحكومة في جانفي 2014 ، فينال ثقة المجلس التأسيسي يوم 29 جانفي 2014 بأغلبية 149 صوتا. ومرّة أخرى يحيد المجلس عن الهدف الذي انتخب من أجله لينتصب برلمانا يشرّع القوانين ويزكّي الحكومات.. ومرّة أخرى نقف على الدور الهزيل إن لم نقل السلبي لليسار الذي صدّق فيما يبدو لعبة " حكومة الكفاءات " التي اختفى وراءها الإخوان ليحافظوا على مكانتهم في الحكم، لكن من وراء حجاب.
ولم ينج المجتمع من اختيار الإخوان التوافقَ مصيرا له، رغم فوز السبسي وحزبه النداء  في انتخابات 2014. فإذا بدار لقمان على حالها، وإذا بالتوافق والوحدة قدر الجميع الحامي لوجود الإخوان .
التزم السبسي بهذا الاتفاق حتى بعد أن نجح في انتخابات 2014، ويعلن الحبيب الصيد عن تركيبة الحكومة الجديدة .تركيبة مكوّنة من خلطة عجيبة من النداء والإخوان و آفاق تونس والإتحاد الوطني الحر. وتحت نفس الراية يعين السبسي يوسف الشاهد بدلا عن الصيد تحت غطاء “حكومة وحدة وطنية” وذلك سعيا منه إلى شمّاعة يعلّق عليها تنكّره لوعوده الانتخابية وتشبّثه، غير المفهوم ، بالتحالف مع الإخوان في الحكم وتكوين الحكومات، وفي الأثناء أيضا لا وجود لليسار، ولا نقف على تأثير فعليّ لحضور نوابه بالبرلمان. والدليل على ذلك منح الثقة للحكومة الجديدة التي تضم 26 وزيرا و14 كاتب دولة بأغلبية 167 صوتا .
 وتتواصل سيرة الشاهد الملحمية باعتباره رئيسا للحكومة ..سيرة تميّزت بالوفاء للتنظيم، رغم سلالته المعروفة في مجال النضال لأجل الحرية والمساواة. فضمن لحكومته البقاء، وتمكّن من أن يسند ظهره إلى التنظيم حتى يظلّ واقفا في وجه السبسي الذي يعود إليه الفضل في أن عيّنه رئيسا للحكومة بعد أن كان مجرّد عضو منتم إلى حزب لا غير. ولذلك بقي الشاهد رئيسا للحكومة إلى جانفي 2020، أي إلى ما بعد الانتخابات الثالثة التي تمرّ بها البلاد بعد 2011. فاكتفى في 11 سبتمبر 2017 بتحوير وزاري  لتصبح التركيبة الحكومية متكونة من 28 وزيرا و15 كاتب دولة. وهي حكومة مركّبة من مزيج عجيب من أعضاء في التنظيم ووزراء من النداء وأخرين انتقاهم من أحزاب أخرى.
وهكذا ضمن الشاهد البقاء رئيسا للحكومة في أحضان المرشد الإقليمي الغنوشي، بعد أن استقوى على من كان سببا في شهرته وإهداء كرسيّ الحكم إليه.
وذاك هو في اختصار مفهوم التوافق أو قل التحالف أو التعايش الذي كبّلوا به الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بتونس.. وذاك هو اللحن المشبوه الذي تغنّى به الناس عن وعي وعن غير وعي.. ولعلّ مصيبة البلاد كامنة في هذه الوصفة الإخوانية العجيبة..
لكن، توفّي السبسي، ليترك فراغا قاتما على الإخوان، فقد كان الدرع الحامي لهم.. فتح لهم أبواب تونس العميقة ليغوصوا فيها أحرارا دون قيود المسؤولية.. ولعمري ذاك ما كان يريده الغنوشي: أن يتحمّل السبسي وزر فعله. كانت الرزية  أعظم على الغنوشي من بقية المقربين من السبسي، لأنّ أنشودة التوافق والوحدة لا تتناغم أوتارها إلاّ بمعية رفيقه السبسي.
فكان لزاما البحث عن " العصفور النادر" قبيل الانتخابات، ولكنّه في الحقيقة ليس سوى ذاك المحلّل الذي استندت إليه الأحكام الفقهية ، وهو " التياس" في معجمنا التونسي.. وليس سوى " حصان طروادة" في الأسطورة الإغريقية.. ولا نأتي بالجديد عندما نقول إنّ الغنوشي عاش أيّاما عسيرة في البحث عن فارس الأحلام ليكون بديلا عن السبسي، وذلك في الالتزام بشروط الكاريزما، وحبّ الناس له رغم أخطائه.. بل والاطمئنان لمصيرهم بفضله.. حتى وإن كان هذا المصير غامضا كما كان الأمر في عهد السبسي..
كانت قصّة البحث عن طائرهم النادر ممزوجة بالتردّد والتوتّر، ليستقرّ رأي الغنوشي على مورو، والمجال لا يسع حتى نبحث في خلفيات هذا الاختيار دون غيره من المرشّحين الإخوان . فهل كان عن إيمان في مهارة الرجل السياسية؟ ولا أعتقد ذلك أم لأغراض سياسية تضمن إقصاء الرجل وإنهاء قصته معه ، دون تشويش أو صخب.
 لذلك لحق الإخوان قطار قيس سعيد في الدور الثاني، وأذاعوا خبر تدعيمه، بل حرصوا على  نشر الخبر بين الناس الأمر الذي دفعنا إلى توهّم أنّ سعيد هو " أمير أحلام الغنوشي" .. والمجال لا يسعنا حتى نقف عند تلك السرديات التي حلّلت خلفيات العلاقة السرية التي تربط سعيد بالإخوان.. وبدا مرشد الإخوان في مشيته مزهوّا كالمنتصر.. واكتمل له نصره بتنصيبه رئيسا للبرلمان ،والفضل في ذلك يعود إلى أولئك الباحثين عن تحالفات. هي خطوة عملاقة نحو اكتمال دولة الخلافة!!! صار بفضلها مرشد التنظيم رئيسا لبرلمان الشعب، أي وليّ أمر المؤمنين الذين تجب عليهم طاعته، وطاعة وليّ الأمر من طاعة الله، والخروج عنه كفر وزيغ.. فسكنه الاطمئنان إلى سعيد الذي بدا كأنّه غير مرتاح لكرسي رئاسة الجمهورية، وغير قادر على الخروج من جلد الأستاذ الملقّن.. والحكاية تطول أيضا في الحديث عن التجاوزات الجسام التي قام بها الغنوشي، وعن سعيه لأن تؤول إليه جميع السلط ، فانتصب حاكما بالداخل والخارج، يستقبل ويهاتف .. ويهنّي ويوجّه وينصح.... بل لم يجد حرجا في الاجتماع بوزراء من الحكومة للبحث في الشؤون العالقة بالبلاد. وجميع ما كان يفعله يتجاوز مشمولاته و لا يخضع لحسيب أو رقيب.. وبالمقابل، انطفأت أنشطة رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، وبدأ يظهر في الصورة السياسية مجلس شورى النهضة بإدارة الحاكم الجامع المانع : يقرأ وضع البلاد من منظور تموقع الإخوان وعلى أساسه يقرّر مصير العباد.. قرارات تصدر وأوامر تُملى وجميعها يعبّر عن اطمئنان الجماعة وثقتهم فيما يصدرون، كيف لا وقد رأوا أنفسهم في قوله تعالى " وأمرهم شورى بينهم" لتتحوّل تونس إلى معبد أزرق عملاق وقد جثم عليه التنظيم ليقطع أنفاسه الحرّة.. 
لكن... نطق الصامت من حيث أيقنوا أنّه لن يكلّم إنسيا، وبُهت الذي كفر.. عاد بهم قيس سعيد إلى الدستور الذي حبّروا، بعد أن نمّقوا أحرفه وحفظوه في المدارج ليستبدلوه بدستور الإخوان قرآنهم الذي يحفظهم من الضلال.. ونسخ جميع المبادرات التي اعتادوا عليها منذ 2011 ليذكّرهم أنّ للدولة نواميس وأعراف لا يعلمها من جرى وراء التمكين والاستخلاف على الناس.. فإذا بالأوراق قد اختلطت.. وإذا بهم يدركون أنّ عهد السبسي قد راح وعليهم استقبال عهد جديد يقتضي منهم إعادة ترتيب البيت مع سعيد.. خاصّة أنّ الرجل رغم صلابته الظاهرة أرسى علاقة زئبقية مع الإخوان قوامها الحيطة والريبة.. وخاصّة أنّهم لم يعثروا على مسألة يمكن أن تعقل لسان الرجل.. ومن أين لهم بالعثور على زلاّت وهو الأستاذ الذي لا يملك سوى كلمة الحقّ والمبادئ التي طالما سخر منها أهل الفساد لأنّها لا تروي من ظمإ ولا تشبع من جوع؟..
لم يعد لشعار التوافق والاتحاد معنى، شعار ضمنوا به الستر والتقية من مواجهة المساءلة طيلة عشر سنوات. لكن فتحت أعينهم اليوم على حقيقة ما كانوا ليدركوها : فمن حيث سعوا إلى تهميش سلطة رئيس الجمهورية .. ومن حيث حرصوا على أن يمتلكوا بأيهم قيادة البلاد بفضل الامتيازات التي منحت إلى مجلس البرلمان، وقد رسخ في اعتقادهم أنّهم الأغلبية الناطقة بالمجلس إلى أن يأخذ الله الأرض وما عليها.... انقلبت عليهم تلك الفصول القليلة التي تمنح رئيس الجمهورية بعضا من السلطات ..وليس بالغريب على سعيد أن يستغلّها فيحسن استغلالها لصالح رئاسة الجمهورية ، فيمكنه بالقليل من القوانين أن يقلب المعطيات..
حال إخوان تونس اليوم هو أشبه بحال الفزع فكلّ ما غنموه في عهد السبسي ينفلت شيئا فشيئا، وفي نفس الوقت عادت الروح إلى سعيد وأصبحت بيديه جلّ الأوراق، بل لا نبالغ إذا قلنا إنّ الرجل في طريق مفتوح حتى يستقطب كلّ المعارضين بمن فيهم المتحفّظين من مواقف الدستوري الحرّ الذي لم يراجع نفسه إلى يومنا هذا.. وستبوح لنا الأيام بأسرارها.
 

الكلمات المفاتيح:
شارك :