تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

:شارك

الإسلاميون في تونس ومصائر العائدين : مقابلة مع «عمر الخضراوي» من جامعة هامبورغ

0
شارك :

رامي التلغّ

تحول الحديث عن المقاتلين العائدين من بؤر التوتر في تونس إلى هاجس شعبي مخيفـ، وخاصة بعد الأرقام التي كشفتها اللجنة الوطنية لمكافحة الإرهاب في الآونة الأخيرة، وبالتحديد حول نسبة الطلقاء من بين الألف مقاتل الذين عادوا إلى البلاد منذ العام 2011، والتي تناهز التسعين في المئة، وفقاً للعميد المتقاعد مختار بن نصر، رئيس اللجنة.

حول هذا الملف، وعلى هامشه الجدل الذي يثيره الإسلاميون في البلاد، يتحدث الباحث التونسي في جامعة هامبورغ الألمانية، عمر الخضراوي لــ «صواب»، مفككاً الظاهرة، ومتحدثاً حول مصير الحركات الجهادية وأبرزها تنظيم داعش في ظل خارطة سياسية دولية تتسم بالتحوّل المستمر إثر تغير موازين القوى وفقدان تنظيم داعش لأغلب مناطق نفوذه. ويعمل الخضراوي باحثاً متخصّصاً في الجماعات الإسلامية في جامعة هامبورغ وصدر له كتاب «التحولات الهيكلية في الحركات الجهادية: ما بعد 11 سبتمر2001».

 

كيف ترون وضعية الأحزاب الإسلامية التي تولت السلطة بعد موجة التغيرات السياسية في العالم العربي؟

إن أهم استنتاج يمكن أن نستخلصه من نتائج الانتخابات التي جرت في بلدان ما يعرف بالربيع العربي هو مدى شعبية وعمق الحركات ذات الخلفية الإسلامية جماهيريا في البلدان العربية، هذا بالإضافة الى صعوبة تناولها وتحليلها مؤسساتيا وإيديولوجيا لمقولات الـ «ما بعد» ورهاناتها التحليلية. لنأخذ مثالي حركة النهضة في تونس وجماعة الإخوان في مصر كنموذجين نبني عليهما هذا التحليل المقتضب.

في مصر مثلا، و عملا بنظرية "الحقول" التي صاغها الفيلسوف و عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو، فإن جماعة الإخوان المسلمين التي مكنتها الانتخابات التشريعية و الرئاسية من السيطرة على مفاصل الحكم و بالتالي الأخذ بزمام الحقل السياسي في مصر فشلت في مسايرة الحقلين الاقتصادي (كبار رجال الأعمال و كبار الجنرالات الذين يسيرون شركات القوات المسلحة المصرية) و الحقل الإعلامي الذي يسيطر عليه رأس المال علماني/عسكري، و بالتالي تم اعتبار جماعة الاخوان دخيلة على مثلت السلطة ( نظرية مثلث السلطة التي صاغها رايتس تشارلز ميلز المتمثلة في كبار الجنرالات و مالكي الشركات الناشطة في الصناعات العسكرية، السياسيين و رجال الأعمال) فتم بالتالي تحييدها و استئصالها، ما زاد من تعقيد وضعية الجماعة هو الوضع الإقليمي المشحون ضد حركات الإسلام السياسي بجميع أطيافها نتيجة لتنامي الخطر الإرهابي المتمثل في حركات الجهاد الاسلامي على مختلف تسمياتها. فشلت جماعة الإخوان في مصر في الحفاظ على تماسكها وثباتها مؤسساتيا وجماهيريا بفشلها في التأقلم مع الواقع المصري وعدم قدرتها على استيعاب مدى نفوذ الجيش وكبار رجال الأعمال وقدرتهم على التحكم في قواعد اللعبة السياسية.

أما في تونس، فالوضع كان ولايزال أفضل بكثير لحركة النهضة التي تعد ممثلا لتنظيم العالمي للإخوان المسلمين في تونس، وإن كانوا يرفضون تلك التسمية ويشدد قياداتها على فصلهم الدعوي عن السياسي ومدنية الحزب. يعتبر حزب حركة النهضة أحد أفضل نماذج الأحزاب تماسكا ونظاما مقارنة بالأحزاب السياسية الأخرى في تونس.

حيث نجحت حركة النهضة في ما فشل فيه الإخوان في مصر، تمكنوا من تجاوز أزمتي اغتيال المعارضين بلعيد والبراهمي واعتصام الرحيل في صيف 2013 بأقل الأضرار، خرجوا من الحكومة في جانفي 2014 إثر الحوار الوطني دون الخروج من الحكم، وتمكنوا من الوصول الى انتخابات 2014 دون أن يتم إقصاؤهم كما حدث لإخوانهم في مصر وهذا يحسب لرئيس الحركة ومستشارَيْه منار الإسكندراني ولطفي زيتون، كما تمكنوا من الحفاظ على تماسك الحزب جماهيريا ومؤسساتيا بالنظر الى تفتت خصومهم السياسيين وتشرذمهم.

تعتبر حركة النهضة لاعبا أساسيا في اللعبة السياسية التونسية وإن كان قد خسر تعاطف عدد لا بأس به من الناخبين، إلا أن وضعيته مختلفة تماما عن الإخوان في مصر الذين زج بهم في السجون وحوكموا بتهم الإرهاب والتآمر على أمن الدولة، بينما لا تزال حركة النهضة رقما صعبا في المعادلة السياسية التونسية، وهي بصدد الاستعداد حاليا لخوض غمار الانتخابات التشريعية والرئاسية، ويمكن اعتبارها الداعم الرئيسي لحكومة الشاهد في الوقت الراهن.

هل هي بداية نهاية رهان الغرب وخاصة أمريكا على مشروع الإسلام والديمقراطية بعد فشل أغلب التجارب في المحافظة على استقرار الدول؟

في الحقيقة، تتحمل أحزاب الإسلام السياسي التي حكمت تونس ومصر و جزئيا في ليبيا الفشل في المحافظة على استقرار دول عرفت بالثبات و الاستقرار على مدى عقود وكانت بمثابة حراس لحدود أوروبا الجنوبية، كما اعتبرت هذه الأحزاب مسؤولة عن حالة التسيب والانفلات التي عرفتها حدودها مما سهل خروج آلاف المقاتلين من هذه الدول و الالتحاق بكل من العراق و سوريا وهو ما ساهم زعزعة استقرار منطقة البحر المتوسط ككل، و بداية موجات تاريخية من اللجوء و الهجرة من منطقة ما بين نهري الفرات و دجلة نحو أوروبا التي استقبلت ملايين اللاجئين بين 2014 و 2018. مع وصول ترامب إلى السلطة ورفضه لسياسة سلفه على رأس الإدارة الأمريكية باراك أوباما من دعم للأحزاب ذات المرجعية الإسلامية السنية لأسباب واعتبارات يطول شرحها لكن أهمها مقاومة النفوذ الايراني، ازدادت عزلة الأحزاب الإسلامية المنبثقة عن جماعة الإخوان أو التي تدور في فلكها. بالنسبة للغرب فإن الظرف والسياق التاريخي قد تغير عما هو عليه خصوصا بعد تنامي الخطر الإرهابي وتنفيذ عديد الهجمات الإرهابية في فرنسا وألمانيا وبريطانيا، كذلك تنامي شعبية أحزاب اليمين في أوروبا وحصدها لمقاعد برلمانية على الصعيدين الوطني والأوروبي، كل هذه العوامل أدت إلى مزيد التباعد بين القوى الغربية والأحزاب ذات المرجعية الاسلامية.

هل يمكننا الحديث في تونس عن سياسة وطنية واضحة المعالم لمقاومة التطرف أما أنها مجرد تحركات أمنية؟

للأسف فإنه وعلى الرغم من تعرض تونس الدائم للخطر الارهابي، فإن تعاطي السلطات التونسية مع الخطر الارهابي لا يعدو أن يكون تعاطيا أمنيا في شكل ردة فعل. فالخطر الحقيقي الذي يجب ألا نغفل عنه هو التطرف، في ظل غياب سياسة وطنية شاملة لمقاومة التطرف تبدأ من مكافحة هذه الآفة عند الناشئة عن طريق وضع برامج تعليمية وتثقيفية تدرب العقول على التفكير والتحليل بعيدا عن ثقافة النقل وتقديس النصوص التي صاغها فقهاء في إطار تاريخي معين. إن مكافحة الإرهاب هو مسار متعدد الأبعاد يبدأ من محاربة التطرف وتغذية ثقافة القبول بالآخر والتعايش السلمي في ظل الاختلاف، والحرص على تحييد المساجد من الخطاب الديني العنيف والمتطرف إلى المعالجة الأمنية والتدخل القضائي في صورة ترجمة هذا التطرف الى فعل إرهابي قولي أو مادي.

أيمكننا القول إن تنظيم داعش يشهد بداية الأفول إثر قرب التوصل إلى تسوية في سوريا؟

ظهر تنظيم داعش أو الدولة الإسلامية على الساحة الإقليمية مع تفاقم الأزمة السورية في سنة 2013، "سطع نجمه" في الأوساط الجهادية بسرعة قياسية وسحب البساط من تحت أقدام تنظيم القاعدة بإعلانه الخلافة إثر السيطرة على مدينة الموصل ثاني أكبر مدن العراق. على الرغم من وفرة عدد المقاتلين والعدة والعتاد والتمويلات الضخمة المعلنة وغير المعلنة، إلا أنه ونظرا لعديد الاعتبارات، فشل في الحفاظ على الأراضي التي سيطر عليها وتراجع أمام ضربات الطائرات الروسية ونيران بنادق الجيش العربي السوري والمليشيات التابعة له.

إنه من أهم العوامل التي ساهمت في تراجع التنظيم هي أنها لم تنجح في عقد تحالفات مجدية مع مختلف اللاعبين المؤثرين في الساحة السورية، فداعش كان العدو الأول لقوات سورية الديمقراطية المدعومة من الغرب على رأسهم الأمريكيين والفرنسيين، كما استعدى فصائل إسلامية سنية أخرى مثل جيش تحرير الشام المدعوم من تركيا. خلاصة القول، لا يمكن أن تحسم حربا يكون فيها الجميع عدوا لك، فتاريخيا لم ينجح هذا التوجه حتى مع جيش الرايخ النازي على عظمة عدته وعتاده وتفوقه التكنولوجي في تلك الحقبة.

زمن داعش انتهى، والأزمة السورية في طريقها الى الانفراج بعد تحييد العنصر الجهادي واتفاق جميع الأطراف على ضرورة إيجاد حل سياسي لا يكون للبنادق والمدافع فيه نصيب، وهي اللغة التي لا يتحدثها داعش. قد يمتد تواجد التنظيم على أراضي ليبيا التي لا تزال تعاني تبعات إفرازات فترة ما بعد 2011 حيث تغيب الدولة في مناطق مختلفة من البلاد فضلا عن سيطرة المجموعات المسلحة على عدّة مراكز حيوية.

 ما هو مصير إرهابيي المنطقة المغاربية في ظل غياب سياسة واضحة للتعامل مع العائدين؟

في الحقيقة هذه المعضلة القديمة/الجديدة إذ تعود هذه الظاهرة الى تسعينيات القرن الماضي إثر نهاية الغزو السوفياتي لأفغانستان وصعود طالبان للحكم.

في حقيقة الأمر، كلما حققت قوات التحالف الدولي تقدما ضد داعش في العراق وسوريا وليبيا، تعالت الأصوات في الدول التي ينتمي إليها مقاتلو التنظيم بضرورة وضع سياسة واضحة واستباقية للتعامل مع عودتهم إلى بلدانهم الأصلية، وهي مخاوف عززها تقرير للمركز الأوروبي لمحاربة الإرهاب بكشفه عن إمكانية عودة ثلث المقاتلين من تنظيم  داعش إلى بلدانهم، الأمر الأكيد أن هؤلاء المقاتلين هم حاملون لفكر جهادي أصولي متطرف، لن يكون عودتهم لأنهم ندموا أو تابوا بل لأن مشروعهم الجهادي الشمولي الأصولي قد فشل و سقط و بالتالي سيبحثون عن إعادة التغلغل في مجتمعاتهم الأصلية و لم لا محاولة تغييرها حسب رؤيتهم و تصورهم إن لم يكن بالقول فسيكون بالسلاح، و لعل أفضل مثال على ذلك المدرسة القرآنية المكتشفة مؤخرا بمدينة الرڨاب جنوب تونس، عديد الأخبار تؤكد أن من مرتاديها مجاهدون سابقين بالعراق و لبيبا وهذا ليس بالغريب، كنت قد قرأت منذ مدة في أحد التقارير ما يفيد أن مجلس شورى داعش أصدر تعليمات إلى مقاتليه في الخط الأول ممن يسمون ب"المهاجرين وأهل الخاصة" بالعودة إلى دولهم بعد أن أمرهم التنظيم بتشكيل ولايات عربية سرية في دولهم ومهاجمة المقار الحكومية.

من المهم جدا لدول المغرب خاصة تونس والجزائر والمغرب أن يوحدوا جهودهم لوضع سياسات مشتركة في مجابهة هذا الخطر الداهم من الشرق، أقترح بناء وحدات إيقاف خاصة في بلد واحد قد يكون الجزائر تشرف عليه هيئة قضائية عسكرية جزائرية تونسية مغربية يكون الهدف منها محاولة إعادة تأهيل العائدين من بؤر التوتر عن طريق وضع برامج لاستئصال الأفكار المتطرفة عن طريق مختصين وباحثين في مكافحة التطرف.

كيف ترون وضعية الأحزاب الإسلامية التي تولت السلطة بعد موجة التغيرات السياسية في العالم العربي؟

إن أهم استنتاج يمكن أن نستخلصه من نتائج الانتخابات التي جرت في بلدان ما يعرف بالربيع العربي هو مدى شعبية وعمق الحركات ذات الخلفية الاسلامية جماهيريا في البلدان العربية، هذا بالإضافة الى صعوبة تناولها وتحليلها مؤسستيا وإيديولوجيا لمقولات الـ «ما بعد» ورهاناتها التحليلية. لنأخذ مثالي حركة النهضة في تونس وجماعة الإخوان في مصر كنموذجين نبني عليهما هذا التحليل المقتضب.

في مصر مثلا، و عملا بنظرية "الحقول" التي صاغها الفيلسوف و عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو، إن جماعة الاخوان المسلمين التي مكنتها الانتخابات التشريعية و الرئاسية من السيطرة على مفاصل الحكم و بالتالي الأخذ بزمام الحقل السياسي في مصر فشلت في مسايرة الحقلين الاقتصادي (كبار رجال الأعمال و كبار الجنرالات الذين يسيرون شركات القوات المسلحة المصرية) و الحقل الاعلامي الذي يسيطر عليه رأس المال علماني/عسكري، و بالتالي تم اعتبار جماعة الاخوان دخيلة على مثلت السلطة ( نظرية مثلث السلطة التي صاغها رايتس تشارلز ميلز المتمثلة في كبار الجنرالات و مالكي الشركات الناشطة في الصناعات العسكرية، السياسيين و رجال الأعمال) فتم بالتالي تحييدها و استئصالها، ما زاد من تعقيد وضعية الجماعة هو الوضع الاقليمي المشحون ضد حركات الاسلام السياسي بجميع أطيافها نتيجة لتنامي الخطر الإرهابي المتمثل في حركات الجهاد الاسلامي على مختلف تسمياتها. فشلت جماعة الاخوان في مصر في الحفاظ على تماسكها وثباتها مؤسساتيا وجماهيريا بفشلها في التأقلم مع الواقع المصري وعدم قدرتها على استيعاب مدى نفوذ الجيش وكبار رجال الأعمال وقدرتهم على التحكم في قواعد اللعبة السياسية.

أما في تونس، فالوضع كان ولايزال أفضل بكثير لحركة النهضة التي تعد ممثلا لتنظيم العالمي للإخوان المسلمين في تونس، وإن كانوا يرفضون تلك التسمية ويشدد قياداتها على فصلهم الدعوي عن السياسي ومدنية الحزب. يعتبر حزب حركة النهضة أحد أفضل نماذج الاحزاب تماسكا ونظاما مقارنة بالأحزاب السياسية الاخرى في تونس.

حيث نجحت حركة النهضة في ما فشل فيه الإخوان في مصر، تمكنوا من تجاوز أزمتي اغتيال المعارضين بلعيد والبراهمي واعتصام الرحيل في صيف 2013 بأقل الأضرار، خرجوا من الحكومة في جانفي 2014 إثر الحوار الوطني دون الخروج من الحكم، وتمكنوا من الوصول الى انتخابات 2014 دون أن يتم إقصائهم كما حدث لإخوانهم في مصر وهذا يحسب لرئيس الحركة و مستشارَيْه منار الإسكندراني ولطفي زيتون. كما تمكنوا من الحفاظ على تماسك الحزب جماهيريا ومؤسساتيا بالنظر الى تفتت خصومهم السياسيين وتشرذمهم.

تعتبر حركة النهضة لاعبا سياسيا أساسيا في اللعبة السياسية التونسية وان كان قد خسر تعاطف عدد لا بأس به من الناخبين، الا أن وضعيته مختلة تماما عن الاخوان في مصر الذين زج بهم في السجون وحوكموا بتهم الارهاب والتآمر على أمن الدولة، بينما لا تزال حركة النهضة رقما صعبا في المعادلة السياسية التونسية، وهي بصدد الاستعداد حاليا لخوض غمار الانتخابات التشريعية والرئاسية، وهي الداعم الرئيسي لحكومة الشاهد في الوقت الراهن.

هل هي بداية نهاية رهان الغرب وخاصة أمريكا على مشروع الإسلام والديمقراطية بعد فشل أغلب التجارب في المحافظة على استقرار الدول؟

في الحقيقة، تتحمل أحزاب الاسلام السياسي التي حكمت تونس ومصر و جزئيا في ليبيا الفشل في المحافظة على استقرار دول عرفت بالثبات و الاستقرار على مدى عقود وكانت بمثابة حراس لحدود أوروبا الجنوبية، كما اعتبرت هذه الاحزاب مسؤولة عن حالة التسيب والانفلات التي عرفتها حدودها مما سهل خروج الألاف المقاتلين من هذه الدول و الالتحاق بكل من العراق و سورية و هو ما ساهم زعزعة استقرار منطقة البحر المتوسط ككل و بداية موجات تاريخية من اللجوء و الهجرة من منطقة ما بين نهري الفرات و دجلة نحو أوروبا التي استقبلت ملايين اللاجئين بين 2014 و 2018. مع وصول ترامب الى السلطة ورفضه لسياسة سلفه على رأس الادارة الأمريكية باراك أوباما من دعم للأحزاب ذات المرجعية الاسلامية السنية لأسباب واعتبارات يطول شرحها لكن أهمها مقاومة النفوذ الايراني، ازدادت عزلة الاحزاب الاسلامية المنبثقة عن جماعة الاخوان او التي تدور في فلكها. بالنسبة للغرب فإن الظرف والسياق التاريخي قد تغير عما هو عليه خصوصا بعد تنامي الخطر الارهابي وتنفيذ عديد الهجمات الارهابية في فرنسا وألمانيا وبريطانيا، كذلك تنامي شعبية أحزاب اليمين في أوروبا وحصدها لمقاعد برلمانية على الصعيدين الوطني والأوروبي، كل هذه العوامل أدت إلى مزيد التباعد بين القوى الغربية والاحزاب ذات المرجعية الاسلامية.

هل يمكننا الحديث في تونس عن سياسة وطنية واضحة المعالم لمقاومة التطرف أما أنها مجرد تحركات أمنية؟

للأسف فإنه وعلى الرغم من تعرض تونس الدائم للخطر الارهابي، فإن تعاطي السلطات التونسية مع الخطر الارهابي لا يعدو أن يكون تعاطى أمني في شكل ردة فعل. إن الخطر الحقيقي الذي يجب ألا نغفل عنه هو التطرف، في ظل غياب سياسة وطنية شاملة لمقاومة التطرف تبدأ من مكافحة هذه الآفة عند الناشئة عن طريق وضع برامج تعليمية وتثقيفية تدرب العقول على التفكير والتحليل بعيدا عن ثقافة النقل وتقديس النصوص التي صاغها فقهاء في إطار تاريخي معين. إن مكافحة الارهاب هو مسار متعدد الأبعاد يبدأ من محاربة التطرف وتغذية ثقافة القبول بالآخر والتعايش السلمي في ظل الاختلاف، الحرص على تحييد المساجد من الخطاب الديني العنيف والمتطرف إلى المعالجة الأمنية والتدخل القضائي في صورة ترجمة هذا التطرف الى فعل ارهابي قولي أو مادي.

أيمكننا القول إن تنظيم داعش يشهد بداية الأفول إثر قرب التوصل إلى تسوية في سوريا؟

ظهر تنظيم داعش أو الدولة الإسلامية على الساحة الاقليمية مع تفاقم الأزمة السورية في سنة 2013، "سطع نجمه" في الأوساط الجهادية بسرعة قياسية وسحب البساط من تحت أقدام تنظيم القاعدة بإعلانه الخلافة إثر السيطرة على مدينة الموصل ثاني أكبر مدن العراق. على الرغم من وفرة عدد المقاتلين والعدة والعتاد والتمويلات الضخمة المعلنة وغير المعلنة، إلا أنه ونظرا لعديد الاعتبارات، فشل في الحفاظ على الأراضي التي سيطر عليها وتراجع أمام ضربات الطائرات الروسية ونيران بنادق الجيش العربي السوري والمليشيات التابعة له.

إنه من أهم العوامل التي ساهمت في تراجع التنظيم هي أنها لم تنجح في عقد تحالفات مجدية مع مختلف اللاعبين المؤثرين في الساحة السورية، بالإضافة الى الدور العسكري المهم الذي قام به الجيش العربي السوري وحلفائه الروس والايرانيين واللبنانيين من حزب الله، داعش كان العدو الأول لقوات سورية الديمقراطية المدعومة من الغرب على رأسهم الأمريكيين والفرنسيين، كما استعدى فصائل إسلامية سنية أخرى مثل جيش تحرير الشام المدعوم من تركيا. خلاصة القول، لا يمكن أن تحسم حربا يكون فيها الجميع عدوا لك، فتاريخيا لم ينجح هذا التوجه حتى مع جيش الرايخ النازي على عظمة عدته وعتاده وتفوقه التكنولوجي في تلك الحقبة. زمن داعش قد انتهى، والأزمة السورية في طريقها الى الانفراج بعد تحييد العنصر الجهادي واتفاق جميع الأطراف على ضرورة إيجاد حل سياسي لا يكون للبنادق والمدافع فيه نصيب، وهي اللغة التي لا يتحدثها داعش. قد يمتد تواجد التنظيم على أراضي ليبيا التي لا تزال تعاني تبعات إفرازات فترة ما بعد 2011 حيث تغيب الدولة في مناطق مختلفة من البلاد فضلا عن سيطرة المجموعات المسلحة على عدّة مراكز حيوية.

 ما هو مصير إرهابيي المنطقة المغاربية في ظل غياب سياسة واضحة للتعامل مع العائدين؟

في الحقيقة هذه المعضلة القديمة/الجديدة إذ تعود هذه الظاهرة الى تسعينات القرن الماضي إثر نهاية الغزو السوفياتي لأفغانستان وصعود طالبان للحكم.

في حقيقة الأمر، كلما حققت قوات التحالف الدولي و الجيشين العراقي والعربي السوري تقدما ضد داعش في العراق وسوريا وليبيا، تعالت الأصوات في الدول التي ينتمي إليها مقاتلو التنظيم بضرورة وضع سياسة واضحة واستباقية للتعامل مع عودتهم إلى بلدانهم الأصلية، وهي مخاوف عززها تقرير للمركز الأوروبي لمحاربة الإرهاب بكشفه عن إمكانية عودة ثلث المقاتلين من تنظيم  داعش إلى بلدانهم، الأمر الأكيد أن هؤلاء المقاتلين هم حاملين لفكر جهادي أصولي متطرف، لن يكون عودتهم لأنهم ندموا أو تابوا بل لأن مشروعهم الجهادي الشمولي الأصولي قد فشل و سقط و بالتالي سيبحتون عن إعادة التغلغل في مجتمعاتهم الأصلية و لم لا محاولة تغييرها حسب رؤيتهم و تصورهم ان لم يكن بالقول فسيكون بالسلاح، و لعل أفضل مثال على ذلك المدرسة القرآنية المكتشفة مؤخرا بمدينة الرڨاب جنوب تونس، عديد الأخبار تؤكد أنه من مرتاديها مجاهدين سابقين بالعراق و لبيبا وهذا ليس بالغريب، كنت قد قرأت منذ مدة في أحد التقارير ما يفيد أن مجلس شورى داعش أصدر تعليمات إلى مقاتليه في الخط الأول ممن يسمون ب"المهاجرين وأهل الخاصة" بالعودة إلى دولهم بعد أن أمرهم التنظيم بتشكيل ولايات عربية سرية في دولهم ومهاجمة المقار الحكومية.

من المهم جدا لدول المغرب خاصة تونس والجزائر والمغرب أن يوحدوا جهودهم ولم لا أن يعملوا بصفة موحدة على وضع سياسات مشتركة في مجابهة هذا الخطر الداهم من الشرق، أقترح بناء وحدات إيقاف خاصة في بلد واحد قد يكون الجزائر تشرف عليه هيئة قضائية عسكرية جزائرية تونسية مغربية يكون الهدف منه إن أمكن محاولة إعادة تأهيل العائدين من بؤر التواتر عن طريق وضع برامج لاستئصال الأفكار المتطرفة عن طريق مختصين وباحثين في مكافحة التطرف.

وسوم
شارك :