تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

:شارك

التنظيم الخاص لجماعة الإخوان المسلمين: الذرائع والوقائع

0
شارك :

عبيد الخليفي

قدّمت جماعة الإخوان المسلمين لحظة تأسيسها سنة 1928 بقيادة حسن البنّا (1906-1949) شعارها المركزي: "الله غايتنا، الرسول قدوتنا، القرآن دستورنا، الجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا"، وهذا الشعار يختزل ثلاثة مفاهيم رئيسيّة تتعلّق بالحركات الإسلامية المعاصرة: العُصبة المؤمنة، الحاكميّة، والجهاد، وستتمّ ترجمة هذه المفاهيم في راية الجماعة: سيفان متقاطعان أعلاهما صورة مصحف القرآن وأسفلهما كلمة: "وأعدّوا" التي تحيل على الآية 60 من سورة الأنفال التي تحرّض على الإعداد الحربي العسكري لقتال الآخر "عدوّ الله"، ولعلّ رؤية حسن البنّا كانت تفترض محاكاة نموذجيّة للتجربة النبويّة في التمييز بين مرحلة الدّعوة والإعداد ومرحلة المواجهة والصدام لتحقيق حلم الدولة الإسلاميّة المنشودة.

لا يكاد يغيب عن النص الإخواني المؤسّس مفهوم الجهاد، فقد منح حسن البنّا لأتباعه "رسالة الجهاد" كي تكون زادا للأخ في السياق السياسي والمدني المصري، وزاد على ذلك بأن جعل من كل خطبه إنعاشا للمفهوم في سياق التحريض والإعداد النفسي للإخوان لتحمّل أعباء التأسيس، وظلّ حسن البنّا خلال 13 سنة من الدّعوة يمارس ذلك الإعداد ليعلن في المؤتمر السادس لجماعة الإخوان سنة 1941 أنّ "جماعة الإخوان لم تعد جمعيّة خيريّة أو طريقة صوفيّة. بل صارت جماعة للعقيدة والعمل لتغيير الأوضاع نحو الحل الشامل لأزمات المجتمع"، ولذلك أصدر حسن البنّا "رسالة التعاليم" وهي رسالة موجّهة للتنظيم الخاص من المجاهدين في جماعة الإخوان، وهذه الرسالة كانت أكثر وضوحا حين خاطب جماعة التنظيم الخاص بصفتهم الحربيّة "الجنود بدل الإخوان" كما خصّ نفسه بصفة "القائد" بدل المُرشد، وهو يرى أنّ مسار الجماعة ينقسم إلى ثلاثة مراحل: التعريف، التكوين، والتنفيذ، وأنّ الجماعة بلغت مرحلة التنفيذ حيث "يكون جهاد لا هوادة فيه"، فهل كان لجماعة الإخوان المسلمين جيش قادر على التنفيذ والتغيير؟

أسّس حسن البنّا ما يسمّيه "فرق/كتائب الرحلات" اللبنة الأولى لجيش الإخوان، "فقد أنشئت عقب نشأة الدّعوة. وقد ألفت بنفسي أوّل فرقة، وكنت أزاول تدريبها بشخصي.."، وخلال خمس سنوات أقرت الجماعة تعميم مشروع "كتائب الفرق والجوالة"، وفي المؤتمر الثالث تمّت المصادقة على الرتبة الرابعة لمراتب الإخوان وهي "الأخ المجاهد" (الأخ المساعد، الأخ المنتسب، الأخ العامل)، وفي نفس المؤتمر طُلب من الفروع الإخوانية تخصيص يوم للتدريب يسمّى "يوم المعسكر" من أجل التدريب الجيد على المهارات القتاليّة وتحسين المؤهلات الجسديّة للمجاهدين، وقد صرّح حسن البنّا أنّ غايته تكوين جيش إسلامي يأتمر بأوامره، وعند نهاية الحرب العالميّة الثانية كان جيش الجوالة قد بلغ 45 ألف جوّال، ولم يكن هذا الجيش هو التنظيم/الجهاز الخاص للجماعة، فتعداد التنظيم الخاص كان محدودا جدّا لا يتعدّى العشرات الذين يتم اختيارهم بعناية ويتمّ عزلهم عن الجماعة، فلا علاقة لهم بأنشطة الجماعة الدعويّة والسياسيّة.

يذهب المؤرّخ عبد العظيم رمضان إلى أنّ محنة الجماعة سنة 1941 باعتقال المرشد ومساعديه كانت السبب في تأسيس الجهاز الخاص، ونعتقد أنّ التأسيس كان قبل ذلك بقليل مع بداية العشريّة الثانية للجماعة، فما بين 1938 و1948 كان التنظيم الخاص صفوة المجاهدين الذين تمّ اختيارهم وانتقاؤهم من كتائب الجوالة، وكان يتم عزلهم عن الجماعة وعن فرق الجوالة ليخضعوا إلى تدريب خاص تحت إشراف مباشر للمرشد العام للجماعة وبتفويض مباشر للمسؤول العسكري الأول وهو عبد الرحمان السندي، ولم تكن بيعة المجاهد في التنظيم الخاص كبيعة الأخ المنتسب للجماعة، فهي بيعة على المسدّس والمصحف في جو مشحون بالاستيلاب يستلهم تجربة الحشاشين "آلموت" في تعبئة الفدائيين.

ليس وجود التنظيم الخاص محلّ تشكيك، فالأدبيات الإخوانية تعترف به وتعترف ببطولاته، ونذكر هنا شهادتين ذات أهمية لقادة هذا التنظيم: شهادة محمود الصبّاغ والتي صدّرها المرشد الخامس مصطفى مشهور، وشهادة علي عشماوي الذي "تاب وانسلخ"، وتتحدث هذه الشهادات دور الجهاز الخاص ووظائفه: فهو مكوّن من عدّة أجنحة للمخابرات واختراق مفاصل الدولة والمنظمات والجامعات والأجهزة الأمنية والعسكرية والمنشآت والشخصيات السياسيّة..، وكل ذلك يدخل في سياسة التمكين ومعرفة قوّة العدو، وسيكون للجهاز الخاص دور أشمل وأعمق في قيادة جيش الجوالة ضدّ خصوم الإخوان، والقيام بالعمليات النوعيّة في اغتيال الشخصيات السياسيّة التي تمثّل عائقا أمام نجاح الدعوة والتمكين لها.

في 6 جويلية 1946 حدث صدام بين جماعة الإخوان وخصومهم السياسيين في بورسعيد، وتطوّر ذلك الصدام من المواجهة بالعصي والخناجر في رحاب الجامعات إلى استعمال القنابل والمتفجرات والذخيرة الحية فسقط قتيل وعدد كبير من الجرحى، وأدرك التنظيم الخاص والمرشد العام حسن البنّا أنّ المرحلة تقتضي المواجهة بما تقتضيه مصلحة القصر الملكي في التخلّص من خصوم القصر، فتمّ توسيع مجال التدريبات العسكرية لنخبة الجوالة وأفرادها، وأظهرت جماعة الإخوان المسلمين القدرة على مواجهة خصوم الدّاخل وخصوم الخارج حين وجّهت بنادقها ضد المستعمر الإنجليزي، فكبّدت الإنجليز خسائر كبيرة في عمليات نوعيّة كلّفت الإخوان عددا هاما من الشهداء (28 شهيدا في 4 مارس 1946)، وما بين الجهاد ضد الإنجليز والصهاينة ثم الخصوم السياسيين تجلّت جماعة الإخوان المسلمين أكبر من الأحزاب وبديلا للدولة ومؤسساتها.

كان قرار حلّ جماعة الإخوان المسلمين في 8 ديسمبر 1948 قرارا سياسيّا بامتياز لأنّ القضاء عجز عن تثبيت تهمة العنف للجماعة، لكنه كان يخفي شعورا بالتهام الجماعة للمجتمع والدّولة، بل إنّ الوقائع الميدانيّة تثبت أنّ الجماعة صارت تمتلك جيشا للمواجهة وتنظيما خاصّا اخترق دواليب الدّولة، فمارس النقراشي باشا "إرهاب الدولة" بشرعيّة الحفاظ على المجتمع، ومارست الجماعة عبر جهازها الخاص "إرهاب الجماعة" بشرعيّة الانتقام من التنكيل والتعذيب والاعتقال، فكان الاغتيال لرئيس الحكومة والاغتيال المضاد للمرشد العام ذروة الصراع الدموي بين علمنة الدولة وأسلمة الدولة.

تثبت الوقائع التاريخيّة أنّ التنظيم الخاص تغوّل داخل الجماعة بقيادة عبد الرحمان السندي، وليس من الثابت أنّه تمرّد على المرشد العام، بل ربّما كان لحسن البنّا إشارة إيعاز وتفويض بإزالة عائق النقراشي باشا أمام الدّعوة، كما كانت الدعوة بحاجة لطمس الوثائق السريّة لسيارة الجيب، وفي الغالب ظهر للتنظيم الخاص الجاهزيّة في تنفيذ الاغتيالات والتفجيرات في باب جهاد الدّعوة، بل سيأكل هذا الجهاز بعضا من أفراده عشية ثورة الضباط الأحرار وكيفية التعامل معها فكان اغتيال الرجل الثاني للجهاز بطرد ملغوم السيّد فايز في 18 نوفمبر 1953، ويبدو أن المحن السياسيّة التي عرفتها الجماعة زمن الحكم العسكري المصري جل الجهاز الخاص أكثر سريّة وأكثر فاعليّة، بل كان المحدّد في اختيار المرشد العام للجماعة.

لم تكن تعنينا الكتابات حول التنظيم الخاص بقدر ما تعنينا شهادات القادة المؤسّسين وأجزاء من التحقيقات القضائيّة، لذلك كانت شواهد المقال بما نطقت أفواههم وكتاباتهم، لتستنتج أنّ الجهاز الخاص هو فكرة عقائديّة ثابتة وتنظيم داخلي محكم ومخزون سلاح فعّال، وستلتزم كل تنظيمات الإسلام السياسي بوصايا المرشد المؤسّس دون أن تقوم بمراجعات جماعيّة باستثناء تلك المراجعات الفرديّة "للتائبين أو المُجنّدين من طرف أجهزة الدولة"، فالذّرائع عقائديّة والوقائع دمويّة والمراجعات غائبة عن التنظيمات الإسلامية السياسيّة، وكل تطوير كان تحايلا على الواقع ومراوغة سياسيّة للتمكّن والتمكين، ولعلّ تغيير الخطاب الدّعائي كان تلك القشرة التي تغطّي لب العقيدة في العُصبة المؤمنة المجاهدة وتحكيم الشريعة والجهاد في سبيل الله، ولا يزال العقل الإسلامي الحركي عاجزا عن تقديم رؤية لمفهوم الجهاد في سبيل الله، يتعالى عليها زمن الدّعوة ليستحضرها زمن الدّولة.

وسوم
شارك :