تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

:شارك

الوصم الأبدي : أطفال العائدات والعائدين

0
شارك :

آمال قرامي

اتّخذ الراشدون القرار فشدّوا الرحال إلى 'بلد الخلافة ' أو بلدان النزاع، فعاينّا عائلات سافرت إلى أفغانستان أو العراق أو سوريا أو ليبيا...ووصلتنا أخبار نساء سقنّ أطفالهنّ ذات ليلة ودون علم الأزواج، إلى ربوع 'دولة الإسلام' رغبة في العيش في بلد تطبّق شرع الله، وتابعنا فتيات في مقتبل العمر، يبحثنّ عن 'الجهاديين' ليتزوجّن الأبطال ويتحوّلن إلى نساء الأمراء أو الشهداء وكذلك إلى أمّهات مسؤولات عن أطفال لا ذنب لهم في ما يحصل ...

وها أنّنا نتابع اليوم ما يحدث للأمهّات وللأطفال في مرحلة ما بعد داعش، من تجارب معقّدة ومؤلمة داخل المعتقلات والسجون أو في المخيّمات وغيرها. ولكن كيف تحوّل 'أشبال التنظيم' و'أطفال داعش' و'أشبال الخلافة'، الذين كثيرا ما شكّلوا موضوعا للدعاية 'الراديكالية' أو لوسائل الإعلام إلى موصومين؟ وما معنى أن يجد الأطفال أنفسهم منبوذين اجتماعيّا؟

لا يهمّ إن كان هؤلاء الأطفال من أبناء العرب أو 'الأجانب' ...من أبناء المسلمين الأصليين أو أطفال معتنقي الإسلام الجدد فالمعاناة النفسية والصدمة trauma هي نفسها: في العراق وسوريا وليبيا وتركيا. وسواء ولد هؤلاء الأطفال في دولة الخلافة' أو قصدوها صحبة أوليائهم فإنّهم اليوم، يتحوّلون من طاقة كان يعوّل عليها 'تنظيم داعش' لحمل الراية ومواصلة الجهاد إلى أطفال يعسر في الغالب، تحديد هوياتهم ولذلك فإنّهم يغدون 'أبناء الإرهابيين'، أبناء المتطرّفات، أبناء الدواعش، أبناء مقاتلي داعش، أبناء تنظيم الدولة الإسلامية، أطفال جواسيس وانتحاريون، وأطفال جهاد النكاح ...وقلّما يُنعت هؤلاء بأنّهم أبناء العائدات أو ضحايا داعش. وفي كلّ الحالات تجد الحكومات نفسها منذ سنة، مجبرة على نسبة الطفل إلى أمّ أو أب أو إلى تنظيم، ولا مفرّ أمامها من تحويل هذه الفئة إلى موضوع للتفاوض، ورقم في البيانات والإحصائيات.

تتعامل الدول الغربيّة، على اختلاف استراتيجياتها الأمنيّة، مع هؤلاء الأطفال وفق 'الواجب القانونيّ والأخلاقيّ' فتسارع، في الغالب، بإتمام إجراءات الترحيل، وتنظيم هذه العودة إن كان على مستوى التتبع القضائي للأمّهات أو تقديم الدعم النفسي للأطفال والرعاية في انتظار إعادة إدماجهم في المجتمع. أمّا المجتمعات العربيّة فإنّها لازالت في الغالب، تتحاشى التصريح عن سياساتها بخصوص تنظيم عودة المورطين في الإرهاب والنساء والأطفال، بل إنّ الأمر يغدو في تونس، من المواضيع المسكوت عنها، مع أنّ الإحصائيات والتقارير العالمية تؤكّد أنّ نصيب الدولة التونسية' من 'التركة ' التي خلّفها الجهاديون' لا يستهان به.

وينظر أصحاب القرار إلى أبناء العائدات، وخاصّة المراهقين منهم، على أنّهم 'قنابل موقوتة' إذ كثيرا ما نوّه 'تنظيم داعش' بالسياسات التعليمية التي صاغها في سبيل نحت شخصية 'جهادية' وأفاض في الحديث عن الدورات التدريبية التي خضع لها هؤلاء بل إنّ القياديين لم يتوانوا عن نشر الفيديوهات والصور التي تكشف عن "ولع' هؤلاء الأشبال بالذبح والتنكيل بالجثث. إنّنا لسنا أمام الطفل الذي يُتمثّل على أنّه 'بركة من الله' ورزق' وهو بريء و'صفحة بيضاء' بل نحن أمام طفل أو يافع عاش على وقع أصوات المدافع والرشاشات، والتكبير والتهليل، وشاهد في الساحات العامّة قطع الأيادي، والرؤوس، وتعلّم كلمات اعتادت أذنه على سماعها: كافر، فاسق، ملحد، مرتدّ...فبات يحلم بحمل البندقيّة وقيادة الدبّابة.

لا يتعلّق الأمر بموقف الحكومات وتباين وجهات النظر حول موضوع عودة الأطفال والمراهقين والتدابير والإجراءات التي ينبغي اتّخاذها، والسياسات التي يجب وضعها فحسب بل للموضوع وشائج بطريقة تقبّل المجتمعات للأطفال والمراهقين، وطريقة التعامل معهم قانونيّا في ظلّ غياب تشريعات ملائمة: إنّنا إزاء حالة فراغ قانونيّ: فما وضع اليتامى الذين فقدوا القدرة على تحديد المكان الذي عاشوا فيه؟ وما وضع أطفال من جنسيات مختلفة ومن أمّ عربيّة؟ ... ثمّ ماذا جهّزت الدول التي تمرّ بأزمات اقتصادية خانقة لهؤلاء العائدين؟ وهل لها القدرة الماديّة لتكليف عدد من المحللين النفسيّين بمتابعة هذه الحالات الإنسانية بهدف إعادة تأهيلها ثمّ إدماجها؟

ليست ذاكرة هؤلاء الأطفال واليافعين وحدها المثقلة بالأحداث والصور والوقائع...ذاكرة الراشدين هي أيضا حبلى بالأحداث المربكة والمفزعة التي قلبت الأمور رأسا على عقب وخلقت أزمة ضمير ...يريد الكهول النسيان ويرغب بعض الشيوخ في عودة الأحفاد، تتمسّك النساء بسرديّة الضحيّة وبين هؤلاء وهؤلاء تختلّ الموازين، وترتبك المعايير والقيم وتضطرب المشاعر..

وسوم
شارك :