تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

أبو عبد الله المهاجر: «العقل الدموي» للحركات الجهادية

شارك :

عبيد خليفي

عندما أعلن أبو مصعب الزرقاوي تأسيس جماعة "التوحيد والجهاد" أواخر سنة 2003 كان يحمل معه كتاب أستاذه أبي عبد الله المهاجر "مسائل في فقه الجهاد"، وقام بطبعه وتوزيعه على أعضاء الجماعة ليكون المنهج العملي في ممارسة الفعل الدموي في العراق، وكان عبد الله المهاجر المصري صاحب السيرة المجهولة التفاصيل قد اِلتحق بأفغانستان إبّان الغزو الروسي، وقاد معسكر المصريين ميدانيّا فسمي "أبو الأفغان المصريين"، ثم كان تحصيله العلمي في الجامعة الباكستانيّة في أصول الفقه والشريعة بعد الاِنسحاب الروسي، وسرعان ما عاد إلى أفغانستان هاربا بعد تفجير السفارة المصريّة في إسلام آباد سنة 1995، وفي أفغانستان صار أبو عبد الله المهاجر المسؤول الشرعي لمعسكرات المجاهدين حيث درس على يديه عديد الجهاديين أبرزهم أبي مصعب الزرقاوي، وبعد الغزو الأمريكي لأفغانستان هرب نحو إيران ليعتقل سنة 2002،  ثم وقع الإفراج عنه، وسلمته إيران للسلطات المصريّة، وعقب الثورة المصريّة 2011 أطلق سراحه، ليلتحق بالثورة السورية سنة 2012، وكان مع "جبهة النصرة" في المؤسسة الشرعيّة، دون أن يلتحق بتنظيم الدولة الاِسلامية أو أن يعاديها ليجد حظوته عند التنظيمين، واِغتالته الطائرات الأمريكيّة في إدلب السورية شهر ديسمبر 2016.

ترك أبو عبد الله المهاجر كتابين: الكتاب الأول عمل موسوعي تحت عنوان "أعلام السنّة المنشورة في صفات الطائفة المنصورة" في ثلاثة أجزاء يتعلّق بكل المسائل الفقهية والشرعيّة، والكتاب الثاني بعنوان "مسائل من فقه الجهاد" ويحتوي على أراء المهاجر في مسألة الجهاد وضوابطه وأشكاله المعاصرة، وهذا الكتاب اِشتهر تحت عنوان "فقه الدّماء"، وكان هذا الكتاب مرجعا مهمّا للحركة الجهاديّة في العراق، بل إنّ أول الفصائل الجهاديّة اِتّخذت من عنوان الكتاب الأول اِسما لها "الطائفة المنصورة" بديلا لتسمية "التوحيد والجهاد" بقيادة أبي مصعب الزرقاوي، وكان الزرقاوي قد نشر كتاب "فقه الدّماء" على نطاق واسع بالنشر والتدريس والتلقين، ولا يكفّ الزرقاوي عن الاِستشهاد به في كل خطبه لتبرير ذبح الرهائن وقطع الرؤوس والتنكيل بالجثث وحرق الأسرى في تسجيلات تعجّ بالرعب والخوف، ونحتاج إلى عرض كتاب فقه الدّماء لمعرفة مبرّرات أشكال الجهاد المعاصر مع تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين وتنظيم الدولة الاِسلامية لاحقا في سوريا والعراق وكافة أرجاء العالم الإسلامي.

يستند كتاب فقه الدّماء إلى قاعدة تأسيسيّة بصريح نصّ القرآن والسنّة وفقه ابن تيميّة وهي أنّ النّبي محمّد مبعوث برسالة للبشريّة كافة ولا يختصّ بدعوته قوم من الأقوام، وأنّ هذه الرسالة تقتضي التسليم بها قناعة أو عنفا، وبذلك فالنّاس إزاء هذه الرسالة إمّا مُؤمن مُسلم وإمّا مُشرك كافر، والأرض مجالان أو عالمان: عالم الإسلام وعالم الكُفر، "واِنقسم العالم وإلى أن يأتي أمر الله إلى دارين: دار إسلام ودار كفر، غير أنّ الهجرة الخاصّة إلى المدينة اِنقطعت بفتح مكّة، وبقي حُكم الهجرة العامة إلى دار الإسلام من دار الكفر ما قامت أسبابه"، فالهجرة حسب المهاجر من دار الكفر إلى دار الإيمان واجبة من الدّين لا تسقط إلا بدخول دار الكفر إلى دار الإسلام كافة، ومن ثمّ تكفير كل من يقبل بالعيش بين الكفّار، وهو تحريم بالمساكنة والمعايشة والاِختلاط، وأنّ الهجرة ملزمة للمسلم وإلاّ سقطت عنه صفة المسلم بمعلوم الدّين.

تتعلّق صفة دار الإسلام ودار الكفر والحرب عند المهاجر بتطبيق الأحكام الاِسلامية من عدمه، ويعتقد أبو عبد الله المهاجر أنّ لا ثبات لصفة دار الكفر ودار الإسلام، وعليه تكون مشروعية الحرب في منطقة العالم الإسلامي، "فصفة الدّار ليست من الصفات اللازمة المؤبّدة، بل هي من الصفات العارضة المتغيّرة. على أنّ دار الإسلام تصير دار كفر وحرب بجريان أحكام الكفر فيها بغير شرط آخر"، ولأنّ العالم العربي والإسلامي في نظر المهاجر قد تخلّ عن أحكام الشريعة ومفهوم الحاكميّة، وقامت أنظمة العالم العربي والإسلامي على شرائع وضعيّة بشريّة فتحوّلت بلدانهم بهذا الشرط دار كفر وحرب ولو كان سكّانها من المسلمين، ويستند المهاجر إلى قراءة محمّد بن عبد الوهاب في هذا الباب منتقيا من المدوّنة الفقهيّة الكلاسيكيّة كل مفاصل تكفير البلاد التي يغلب عليها حكم الكافر وشرائع الكفر، ومن ثم كان الجهاد فرض عين ولا يصير فرض كفاية إلا إذا اِستقرّ الكفّار في بلدانهم، وفي حال الكفاية وجب للإمام أن يغزو ولو مرّة واحدة في السنة.

يُقتل الكافر أينما وُجد ويُغنم ماله، ولا عصمة له إلا بعهد أو هدنة أو أمان مثلما يقرأ المهاجر سورة التوبة، ومن ثمّ ينقسم العالم إلى ثلاثة أصناف: مسلم أو معاهد أو كافر، "وكلّ كافر على وجه الأرض لم يسالم الإسلام، ولم يهادن أهله بذمّة أو هدنة أو أمان فهو كافر محارب لا عصمة له مطلقا، أي بأي وجه من الوجوه أو حال من الأحوال"، والقتل عند أبي عبد الله المهاجر هو جزاء الكفر وليس ترهيبا وترغيبا في الدّين، هو سيف العقاب الإلهي وظيفته إنزال العقوبة على الكافر بصفة مطلقة، فلم يعد للسيف وظيفة الدعوة والفتح بل صار سيف الجزاء والعقاب، ويستند المهاجر لتاريخيّة الخطاب في كون سورة التوبة كانت آخر ما نزل من القرآن وجعلت قتل المشركين حكما باتّا ناسخا لكل الآيات السابقة، ويذهب المهاجر اِجتهادا في الفقه بأن الكافر لا يشترط فيه الحرب ليُقتل، فكل كافر هو حربيّ ولو لم يقاتل المسلمين، فأصل إباحة القتل مرتبط بالكفر وليس بعداوة الكافر للمسلمين، ويُسقط أبو عبد الله المهاجر شرط الدّعوة قبل القتال معتذرا أنّ الدعوة الاِسلامية والرسالة المحمّديّة بلغت كل الكافرين ولهم بها علم ودراية، فلا حاجة لإعادة دعوتهم ليكون القتال حكما قاطعا بلا دعوة، "ففي زمن النّاس اليوم حيث بلغت دعوة الإسلام الخافقين، بـل أصبح صراع الإسلام مع أعدائه حديث السّاعة مع غدوّ العالم قرية واحدة، يبعد أن يكون هناك من لم يسمع عن الإسلام"، ولا يفوته التنبيه أنّ الدعوة مرتبطة في الأصل بجهاد الطلب أي الفتوحات، أمّا في جهاد الدّفع فلا دعوة ولا تنبيه بل هو قتال وقتل بلا دعوة، والدعوة أيضا ترتبط بالكافر الأصلي لأن المرتد لا تتم دعوته، لأنه عالم بالدين مفارق له وتارك لعقيدته.

 

بعد أن وضع أبو عبد الله المهاجر موجبات الجهاد وشروطه، يخصّص بقيّة الكتاب لبيان أشكال القتال:

  • مشروعيّة الاِغتيال: يبرّر أبو عبد الله المهاجر القتل غيلة وفتكا بالسند للسلوك النبوي مع اليهود في المدينة، فالنص القرآني يحمل الاِغتيال في التأويل بالرصد والترصّد، لكنّ الممارسة النبويّة للقتل غيلة كانت اِجتهادا ينساق مع العرف العام الجاهلي في القتل غدرا، فشكل القتل واحد ولكن الهدف يجعل من الاِغتيال أمرا مبرّرا، "ففيه مشروعيّة ظاهرة لإيهام الكافر المحارب وخداعه بشتّى الطرق والأساليب، ليأمن ويطمئن توصّلا للإيقاع به فتكا وتنكيلا"، وردّ المهاجر على من شرط وجود دولة الإسلام بقيادة الإمام المسلم لإحياء سنّة الاِغتيال، وكان ردّه من باب ردّ الفرع للأصل، فإذا كان الجهاد في الوقت الراهن لا يفترض وجود الإمام وقيادته للجيش الإسلامي، فإنّ الاِغتيال لا يحتاج إلى إذن أو قرار أو إمام.
  • العمليات الاِستشهاديّة: يعترف المهاجر بأن العمليات الاِستشهادية ظاهرة جديدة في عصرنا بقوله: "لا شكّ أنّ العمليّة الاِستشهاديّة بصورتها المعاصرة تعدّ نازلة جديدة لم تُعرف من قبل"، غير أنّه سيقوم بعمليّة تأويل للنص القرآني لتبرير هذا العمل، مستشهدا بغزوات النّبي لأفراد اِندفعوا في القتال مع علمهم بعدم تكافؤ الموازين، فكان ذلك الاِندفاع العقائدي المؤدي للتهلكة عملا استشهاديا، فالعمل الاِستشهادي هو نوع من القتال البطولي الذي يحرص فيه المقاتل على الموت والشهادة حين يلقي بنفسه في غمرات المعركة بدون حساب للحياة أو الموت، وربط المهاجر بين مفهوم الشهادة وبين مفهوم العمليّة الاِستشهاديّة ربطا وثيقا بما في الموروث الدّيني القائم على أسطورة القتال الإسلامي، ولم يترك نصّا في القرآن أو الحديث إلاّ واِستحضره لجعل المفهومين متلازمين، وشحن هذا التلازم بما قاله مختلف الفقهاء على جميع المذاهب في الشهادة من أجل الدّين، ولم يكتف بالتشريع لمفهوم العمليات الاِستشهاديّة بل راح يجادل كل من حرّمها، وكان الجدل في المفهوم والغاية، وفي باب العمل الاِستشهادي الذي لا يقصد به الكفّار لوحدهم، وطرح أبو عبد الله المهاجر مسـألة "التترّس" دون أن يفصلها عن جنس المرتدّين منهم، واِستند إلى ابن تيميّة ليُصدر القاعدة العامة: "في مسألة التترس يقتل المسلم المجاهد غيره من المسلمين توصّلا لقتل العدو، أما في مسألة العمليات الاِستشهاديّة فهو يقتل نفسه توصّلا لقتل العدو".
  • من يجوز قتله: الظاهر في هذا الباب أنه منع في البداية قتل الأطفال والشيوخ والنساء والرهبان بصريح النص القرآني، لكنّه بحث في المذاهب الاِسلامية عن إمكانية جواز قتلهم، فأجاز الحكم أمّه إذا تترّس العدو بهم فعند ذلك يجوز قتلهم، وذهب إلى أنّ حكم الردّة يجيز قتل النساء والشيوخ والأطفال، وفي مسألة الجاسوس والأسير اِنفرد بحكم قتل الأسير، ورفض التمييز بين المدنيين والعسكريين في المصطلحات المعاصرة وأجاز قتل الكفّار على مختلف أصنافهم، "فيقتل القسّيس والسياح الذي يخالط النّاس والذي يجن ويفيق (المجنون) والأصم والأخرس أقطع اليد اليسرى وأقطع إحدى الرجلين (المعوق) وإن لم يقاتلوا  لأنهم من أهل القتال"، وفي هذا فقد تجاوز أبو عبد الله المهاجر كل المعايير الفقهيّة بجواز قتل الكفّار عاقلهم ومجنونهم سليمهم ومعوقهم كبيرهم وصغيرهم، ومادام حكم التكفير سينال كل مخالف للجماعة المنصورة فإن جواز قتله صار ممكنا، وهؤلاء الأصناف إن لم يقتلوا قصدا قتلوا تبعا لما يسمّى بأخطاء الحروب في الغارات، وقتلهم تبعا لقتل الكفار جائز شرعا.
  • أشكال القتل: يحاول أبو عبد الله المهاجر مماثلة طرق القتال الحديثة بطرق القتال، فيكون الرمي أحد أشكال قتل الكفّار مهما اِختلطوا بالنساء والصغار، فيكون "ابتداء بالحجارة، مرورا بالسهام، واِنتهاء بكافة أنواع القنابل والمتفجّرات الحديثة التي تطلقها المدافع أو الطائرات أو الصواريخ، فيشمل الرمي بما يمكن التمييز به بين المقاتلة وغيرهم، ويشمل الرمي بما لا يمكن التمييز به"، وذكر المهاجر كافة الحجج الفقهية ليبرّر قتل الأطفال والنساء والشيوخ أثناء رمي القنابل والمتفجرات تشبيها باِستعمال المسلمين للمنجنيق في قصف الكفار، واِستند للحديث المسنود في الصحيحين بجواز حرق الدور والنخيل والزرع وغمر الكفّار بالمياه ولو كان بينهم الأطفال والنساء والشيوخ والرهبان، وبجواز التحريق والتغريق يُجيز أبو عبد الله المهاجر اِستعمال الأسلحة الفتاكة الحديثة "وإن كانت تلك الوسيلة هي ما يعرف اليوم بأسلحة الدمار الشامل من الأسلحة النوويّة والكيمياويّة والجرثوميّة ونحوها".
  • مشروعيّة الخطف: إنّ "الخطف لأفراد العدو وجماعته هو من الأمور المشروعة في ديننا الحكيم لأنه يعدّ عمــلا من أعمــال الحرب، وتكييف الخطـف مــن الناحية الشرعيّة أنــه: أخذ للكفّار الحربيين بالقهر. وقد يتم هذا الأخذ للكفار في البرّ والجوّ والبحر"، والخطف بغاية الفدية أو المبادلة بأسرى المسلمين، وأجاز المهاجر قتل الأسرى إذا لم يكن فيهم فائدة من الفدية أو المبادلة، والغاية من الخطف إرهاب العدو وتخويفه.
  • حكم المثلة وقطع الرؤوس: المثلة هي تعذيب المقتول وتشويهه بقطع أعضاء وجهه، والثابت أنها محرّمة بكثرة الأحاديث المنقولة عن النّبي محمّد، ولكن أبا عبد الله المهاجر أجازها إذا كانت قد وقعت على المسلمين فتكون المثلة جزاء وعقابا بالمثل، "فحاش لله أن يكون شيء أمر الله تعالى به أو فعله رسول الله مثلة، إنّما المثلة ما كان ابتداء فيما لا نصّ فيه، وأمّا ما كان قصاصا أو حدّا كالرجم للمحصن وكالقطع أو الصلب للمحارب: فليس مثلة"، أما في مسألة قطع رؤوس الكفّار فقد اِستند المهاجر إلى حرفيّة النص القرآني في مسألة "فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان" أو "ضرب الرقاب"، ورأى "أنّ الله أمر المؤمنين وعلّمهم كيفيّة قتل المشركين وضربهم بالسيف: أن يضربوا فوق الأعناق منهم والأيدي والأرجل"، وهذا التفسير الحرفي للنص يُسقط عنه مجازه وتعاليه اللغوي، وسيكون السند أكثر وضوحا في الحديث المنسوب للنبي محمّد مخاطبا قريش "لقد جئتكم بالذّبح"، وهو ما سيتخذه تنظيم الدولة الاِسلامية منهجا في القتل بالسيف في حضور الرصاص، وكان أبو مصعب الزرقاوي قد دشّن مسألة الذبح في بلاد الرافدين منذ تأسيس جماعة التوحيد والهجرة، بل إنّ المهاجر يردّ مسألة الذبح وجزّ الرقبة إلى الأنبياء والرسل ممّا درجوا على فعله مثلما كان في قصّة موسى والخضر مع الغلام، وفي السيرة عدّة مواضع أقدم فيها مقاتلون مسلمون على قطع الرؤوس واحضاره للنبي محمّد، وفي ذلك مشروعيّة قطع الرؤوس للأحياء أو الأموات مثلما يقول أبو عبد الله المهاجر، والتي لم يختلف فيها الفقهاء، ولكنهم اِختلفوا في حمل الرؤوس المقطوعة من بلد إلى بلد آخر.

لم يترك أبو عبد المهاجر مسألة في باب الجهاد المعاصر إلاّ وقام بتأصيلها نصيّا وفقهيّا وتاريخيّا، فالمنهج العام للكتاب قام على محاولة التبرير والإقناع الدوغمائي، والنص القرآني كان حاضرا بحرفيته وسطحيّة المعنى لا اِجتهاد فيه ولا تأويل، فمفردات الجهاد والقتل والذبح والقعود والترصّد. وغيرها ما هي إلا معاني حافة لدى أبي عبد الله المهاجر، وغابت عن شواهد النص القرآني الرؤية التاريخيّة، فظلّ الفكر الجهادي أسير "سورة التوبة" التي أُخرجت عن سياقها، وما كان الحديث النبوي ليحُدّ من القراءة السطحيّة للنص القرآني، بل كان الملفوظ النبوي أكثر ضغطا من الآيات القرآنيّة، فليس هناك فصل بين تعالي النص القرآني وتاريخيته وبين بشريّة الفعل النبوي ونسبيّته، وأخذ أبو عبد الله المهاجر وقائع السنّة بمنزلة القرآن وأجراها مجرى الأحكام المطلقة، وزيادة في تثبيت الأحكام أورد في كل مسألة أراء المذاهب الفقهية الأربعة منتصرا للمتشدّد فيها.

يعترف أبو مصعب الزرقاوي أنّه تلقى العلم على يد أبي عبد الله المهاجر، وكان وفيّا له في تأسيس جماعة التوحيد والجهاد في العراق أواخر 2003، ومنح الزرقاوي أتباعه كتابي أبي عبد الله المهاجر "الطائفة المنصورة" و"مسائل من فقه الجهاد" ليكونا المرجعية العقائديّة والأساس الحركي الجهادي، وتثبت الوقائع أنّه قام بطبع الكتابين في المثلث السني العراقي لتوزيعهما على النّاس، وقام بتدريس كتاب المسائل في المدارس والمساجد حين فرضه على مجلس شورى المجاهدين، وهذا ما ذكره كاتب سيرة الزرقاوي مسؤول الهيئة الشرعيّة ميسرة الغريب: "كان شيخنا الزرقاوي رحمه الله يحبّ شيخه أبا عبد الله المهاجر فكّ الله أسره ويجلّه ويثني عليه ويودّ لو يأتي إلى العراق، وكانت قرائن الحال تدلّ أنّه لو أتى لأوكل إليه مسؤوليّة الهيئة الشرعيّة، وكان شيخنا يحثّني على تدريس الطلبة كتاب الشيخ المهاجر "أعلام السنّة المنشورة في معالم الطائفة المنصورة" وكنّا صوّرناه، وبدأت تدريسه للإخوة، هذا فضلا عن كتاب "فقه الدّماء" الذي كنا ننتظر وصوله إلى الفلوجة وقتها، ولم يصل إلى أن بدأت معركة الفلوجة الثانية (2004)، وكان الشيخ ذكر لي أنّه درسه عند الشيخ المهاجر أربع سنوات.. ثم دارت الأيام ودخل الكتاب إلى العراق بعد أحداث الفلوجة الثانية وطُبعت منه نسخ كثيرة جدّا".

صار أبو عبد الله المهاجر المرجعيّة العقائديّة للجهاد في العراق، وعندما أخذ أبو مصعب الزرقاوي في الذّبح والتفجيرات ومهاجمة الطائفة الشيعيّة فقد كان يستند إلى نصوص المهاجر التأصيليّة، ورغم أنّ الزرقاوي كان له تكوين جهادي عقائدي من قبل، ولكن دراسته لأربع سنوات على يد أبي عبد الله المهاجر كانت الأكثر تأثيرا وتجذيرا، وبعد غياب الزرقاوي سنة 2006 ظلت مرجعيّة المهاجر هي الطاغية، ولكنها صارت مدرسة عقائديّة لعديد الكتابات الفرعيّة التي فصّلت في الدّماء وفي إباحة القتل الوحشي بشتى أنواعه، وصارت فصول فقه الدّماء تأصيلا لكتابات تكاثرت بين 2006 و2014، وهي الفترة التي تدرّج فيها المشهد الجهادي من تنظيم القاعدة فرعا عراقيّا إلى تنظيم الدولة الاِسلامية تمدّدا وانتشارا.

انتشرت مدرسة "فقه الدم" في المؤلفات التي أخذت طريقها لشبكة الأنترنات عبر المواقع الجهادية والتي صارت تعرف تحت اِسم "الجهاد/الإرهاب الإلكتروني"، وبدأت باثني عشرة موقعا سنة 1997 وبلغت 4800 موقع سنة 2007 حسب إحصائيات لوزارة الدّفاع الأمريكيّة.

الكلمات المفاتيح:
شارك :