تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

:شارك

«الأساطير» الأربع المُؤسّسة للسرديّة «الجهادية»

0
شارك :

هادي يحمد

في ذهنية كل جهادي تقع عملية شحن عقائدي متدرجة وكثيفة تفسر لنا كلّ هذا الاقبال على الموت. لا يمكن أن نفهم عملية "الانتحار" التي هي في عُرفهم "شهادة" عبر ركوب السيارات المفخخة أو ارتداء الأحزمة الناسفة أو غيرها من ضروب الانتحار من أجل عقيدة "الجماعة"، إلا بالبحث عن الأصول المولّدة للعنف ذاتها وحوافزها.

هذه المقالة تكشف ما أسميه بــ "الأساطير المؤسسة للسرديّة الجهادية ".

السؤال الأساسي الذي تدور حوله المقالة هو البحث عن المحفزات الأساسية للفعل الجهادي والذي هو فعل يتراكم زمنيا ومضمونيا عن طريق مجموعة أوهام أو أساطير تتحول في ذهنية الجهادي الى حقائق مطلقة ومنها نفهم كل هذا الاقبال على الموت وكل هذا البحث الغريب عن "الشهادة". الأمر لا يتعلق بمجرد وُعود اُخروية بجنّة "عرضها السماوات والارض" ولا "بحور عين" فقط على أهمية الوعد الآخروي، ولكنها ترتبط بتأثيث سياقي تعبوي لذهنية الجهادي واقناعه أن يُقاتل أو أن يُفجّر نفسه من أجل "نصرة الأمة" و "غلبة الاسلام" على ما دونه.

سأحاول التطرق الموضوع من خلال خُلاصات دراساتي العديدة وكتابيَّ حول الظاهرة الجهادية الأول كان تحت عنوان "تحت راية العقاب: سلفيون جهاديون تونسيون" الذي صدر سنة 2015 والثاني كان تحت عنوان "كنتُ في الرقّة: هارب من الدولة الاسلامية" الذي صدر سنة 2017.  كلا الكتابين يتبعان مسارات وقصص الجهاديين، من خلال هذه المسارات سنحاول البحث عن تشكّل هذه الأوهام والأساطير والتي تحولت الى يقينيات والتي أسّست للسرديّة الجهادية.

طبعا يحتاج استعمال مصطلح "الجهادية" في التعاطي مع الظاهرة الى تبريرات وحُجج تفسر سبب الاعتماد عليه دون غيره من المصطلحات التي تُوَصّفُ الظاهرة. الأمر في نظري يتطلب نقاشا طويلا ربما ليس هنا مجاله ولكن يستلزم تحديدات لا بد منها.

•          اشكالية المصطلح

بداية من المهم القول إننا أمام ظاهرة معقدة ومركبة وهو ما أدى إلى اختلاف اصطلاحي حقيقي حول إطلاق مصطلح يكون جامعا وشاملا لها. نحن أمام تعدّد اصطلاحي في تسمية الظاهرة. فنحن نسميها إرهابا والأكيد أنها كذلك. ونحن نسميها أصولية وهي بالتأكيد كذلك مع اقرارنا بأن ليس كلّ الأصوليات مُؤدية إلى العنف. فهناك جماعات أصولية كثيرة في العالم – دينية وعرقية – لا تستعمل العنف.

من المهم التحديد إنه عندما يتعلق الأمر بمفهوم العنف أننا نعني هنا العنف المادي المسلح دون غيره، لأن مفهوم العنف بحدّ ذاته واسع ويحتمل تأويلات عدّة. فهناك العنف المعنوي كما هناك العنف اللفظي والعنف الرمزي... وغيرها من أشكال العنف.  فضلا عن تسميات الإرهاب، الأصولية، هناك من يطلق على الظاهرة التطرف العنيف وهي التسمية التي أصبحت تُطلق على الظاهرة من قبل المنظمات الدولية، كالأمم المتحدة ومنظمة اليونسكو وغيرها من منظمات المجتمع المدني. كما يطلق على الظاهرة أيضا مصطلح راديكالية ويطلق عليها أيضا تاريخيا اختصارا بالإسلامية islamisme وفاعلوها بــ les islamistes.

لكلّ هذه الاصطلاحات سياقتها ومنازل استعمالاتها، ففي الاعلام نجنحُ إلى استعمال مصطلح الإرهاب كمصطلح يُعبر عن الظاهرة. تُشرّع المعاني السلبية لهذا المصطلح للانخراط في "الحرب" على الظاهرة باعتبارها تُهدد الدولة والسلم الاجتماعي معا.

رغم أننا نتحدث في هذه المقالة على الإرهاب بشكل مخصوص وهو إرهاب الجماعات الاسلامية فإنه من المهم القول أنّ مصطلح الإرهاب وعلى الأقل نظريا لا يرتبط بدين معين، فبعض الجماعات الدينية الأخرى من غير الإسلامية استعملت العنف في مراحل دينية سابقة ولاحقة من التاريخ. كما أن هناك دول ولمصالحها الاقتصادية والسياسية تستعمل واستعملت الإرهاب. وهو الذي دُرج على استعماله من قبل الباحثين والمفكرين "بإرهاب الدول".

من بين هذه المصطلحات المُتعدّدة لنفس الظاهرة والتي يمكن أن نحددها هنا وهي استعمال العنف من قبل الجماعات الاسلامية المتطرفة أنا أميل لاستعمال مصطلح "الجهادية" أو التنظيمات الجهادية في تُوصيف هذه الجماعات وذلك لعدّة اسباب من بينها: إن المصطلح أقرب للتوصيف الواقعي فنحن أمام تنظيمات تتخذ من مقولة "الجهاد" عنوانا رئيسيا لأعمالها العنيفة. بل إن مقولة الجهاد هي مقولة رئيسية ومركزية في أدبيات هذه الجماعات.

تاريخ الجماعات الاسلامية هو تاريخ مستمر لاستعمال هذا المصطلح. يمكن أن نُعدد تاريخ منظمات عديدة استعانت بالمصطلح كعنوان رئيسي في تسمياتها من قبيل "قاعدة الجهاد" التي أسّسها أسامة بن لادن سنة 1988 وتنظيم "التوحيد والجهاد" الذي أسّسه ابو مصعب الزرقاوي سنة 2003 ثم حوله فيما بعد إلى تنظيم "قاعدة الجهاد ببلاد الرافدين".  تحوّل مصطلح الجهاد عبر الزمن لعنوان جامع لتسميات العشرات من التنظيمات الجهادية الأخرى في العالم.

لا يتعلق الأمر بتسميات المنظمات والجماعات فقط بل إنه يمثل المفهوم المركزي الذي يتخذه مُنظرو هذه الجماعات في أعمالهم وكتاباتهم من قبيل أبي محمد المقدسي عبر كتاباته المتعددة ومنبره "التوحيد والجهاد"، مرورا بأبي مصعب السوري وأبو قتادة الفلسطيني وكتابه "الجهاد والاجتهاد" وانتهاءً بمنظري تنظيم الدولة الاسلامية أو داعش من قبيل أبو بكر ناجي وتركي البنعلي وغيرهما.

طبعا هناك تحفظ من قبل البعض على اضفاء الشرعية على أفعال هذه المنظمات في حالة استعمال مصطلح الجهاد أو الجهادية. الأمر نفسه ينطبق على استعمال مصطلحات من قبيل "الدولة الاسلامية" مثلا أو "الحركات الاسلامية" التي تطلقها هذه الجماعات على نفسها. وهي اعتراضات في نظري عاطفية أكثر منها تستند إلى فهم لجوهر الظاهرة وطبيعتها. يطول الحديث في الحقيقة حول اشكالية المصطلح على اهميتها وسأكتفي بأن العديد من المختصين في مراكز الأبحاث في أوروبا والولايات المتحدة تستعمل مصطلح الجهادية كمصطلح تعتبره الاقرب إلى العلمية في التعبير عن الظاهرة.

•          في المنهج والتبريرات المُخاتلة

أهمية التدقيق في المسألة الاصطلاحية تتنزل في إطار الفهم الأكثر علمية للظاهرة بعيدا عن التفسيرات والتبريرات العاطفية. في هذا السياق يجنح العديد من الباحثين من ذوي النزعة التبريرية الاعتذارية وأحيانا لخلفيات سياسية، الى القول بأنّ الأمر لا علاقة له "بالجهاد" كمصطلح ثقافي وحضاري وبالتالي يَرُدُّون أصول العنف الجهادي الى أسباب اقتصادية من قبيل الفقر، أو اجتماعية من قبل التهميش و''الحُقْرة" أو سياسية من قبيل القمع.

في هذا الباب بالذات تتنزل أهمية هذا المبحث أي "السرديّة الجهادية" وأصولها والبحث عن حوافزها. هل الأمر يتعلق بمجرد دوافع اقتصادية واجتماعية وسياسة على أهميتها أم أن الأمر يتعلق بأسباب أخرى أكثر عمقا؟

في مبحث النظر في الأصول المولّدة للعنف الجهادي هناك تفسيرات متعدّدة تخضع لفهم جزئي للظاهرة أحيانا ولمنطق ايجاد المُبرّرات السياسية لها أحيانا أخرى. نحن هنا أمام مدارس متعدّدة لتفسير الظاهرة بقيت نتائجها محدودة وجزئيّة في فهمها وبالتالي لم تستطع الحدّ من انتشارها وتواصلها عبر الزمن. لا تزعم هذه المقالة تقديم فهم مكتمل للظاهرة ولا ايجاد الترياق المناسب لوقف انتشارها ولكنها محاولة لفهم أكثر عمقا للآليات الداخلية التي تحركها.

في هذا المبحث بالذات أعتقد ان هناك قاعدة تحليلية في موضوع الجهادية لا يمكن التغافل عنها أو التقليل منها لفهمها. هذه القاعدة التحليلية نصّها انّه: لا يمكن فهم الظاهرة الجهادية إلا في شموليتها. أي أننا لا يمكن أن نفهم الظاهرة الجهادية دون الأخذ بعين الاعتبار بكافة أشكالها وتمظهراتها في العديد من البلدان. الاقتصار على تمظهراتها في بلد واحد كتونس مثلا أو مصر أو السعودية أو غيرها من البلدان يُوقع في الخطأ وعدم الادراك الحقيقي لطبيعتها.

فالذين يستندون على التفسير الاجتماعي – الاقتصادي أي الفقر والتهميش كسبب رئيسي لولادة وانتشار الظاهرة في تونس على سبيل المثال سيجدون ان المثال السعودي أو الجزراوي – أي الجهاديين القادمين من الجزيرة العربية – يُقلل من أهمية تحليلهم وفهمهم للظاهرة وربما ينسف كل الحُجج التي تقول إن الفقر والتهميش كعوامل اقتصادية واجتماعية هي السبب في انتشارها.  فالجزراوية الذين انظموا بالآلاف للتنظيمات المتطرفة يتمتعون في غالبيتهم بمكانة اقتصادية واجتماعية متميزة في بلدانهم ولم يكن التهميش أو الفقر دافعا لانضمامهم لهذه الجماعات.

فضلا عن التفسير الاقتصادي – الاجتماعي هناك تفسير سياسي-ديني يقول بأن القمع السياسي والتضييق الديني يؤدي الى الانضمام وتفريخ التنظيمات المتطرفة واقبال الشباب على هذه الجماعات. ينسف مثال الجهاديين القادمين من أوروبا وامريكا والدول الغربية عموما هذا التفسير. فالآلاف من الأوربيين الذين انظموا إلى تنظيم الدولة الإسلامية أو القاعدة من قبل جاؤوا من بلدان تتمتع بحريّات دينية واسعة وديمقراطيات عريقة بالتالي فإن القول إن القمع السياسي والديني مصدر أساسي لولادة الظاهرة له محدوديته بل لا معنى له في هذه الحالة. إذا طبق تفسير القمع السياسي والديني كسبب لنشوء الظاهرة أو نموها في بلدان من قبيل فرنسا أو بريطانيا او المانيا فإننا نعجز عن فهم كيفية انضمام شباب هذه الدول بالآلاف لتنظيم الدولة الاسلامية على سبيل المثال. 

عملية المقارنة بين تمظهرات الظاهرة في العديد من البلدان وحدها قادرة على كشف المحركات الداخلية للظاهرة. الأمر يتعلق بالبحث عما يمكن أن نسميه العامل المشترك الجامع او البصمة المكرّرة بين جميع الجماعات الجهادية بصرف النظر عن اختلافات سياقاتها وتاريخها وبيئاتها.

 مسارات الجهاديين واختلاف انتماءاتهم الاجتماعية والجغرافية واللّسانية والاثنية تمكننا من نتيجة لا يرقى اليها أي شك وهي أن العامل الثقافي – العقائدي يُعد أكثر العوامل شمولية في تفسير الظاهرة. هذا العامل نجده في كل أمثلة التنظيمات الجهادية مهما تفرقت جغرافياتها واختلفت أصولها الاثنية او اللغوية.

 نحن هنا أولا أمام تفسير ثقافي – عقائدي مبني على شحن عقائدي مستمد من قراءة مهيمنة للنصوص الدينية وثانيا أمام تفسير ثقافي-عقائدي ينبني على استغلال كل السياق السياسي والاجتماعي والتاريخي الذي أنتج الحركات الاسلامية بشكل عام والحركات الجهادية بشكل خاص. في هذا الإطار من المهم القول إن ذات الحجج التحفيزية والتجيشية التي استعملتها حركة الاسلام السياسي ممثلة في تنظيم الاخوان المسلمين والتي تخلت عنها في بلدان عدّة لظرف مختلفة، تستعملها الحركات الجهادية اليوم.  نحن هنا أمام نفس في قضية الأصول الأولى أمام نفس الحاضنة الفكرية والايديولوجية.

 في تاريخ حركات الاسلام السياسي تبدو كتابات سيد قطب النصوص التي تعود اليها كل الحركات الاسلامية اخوانية كانت أو سلفية جهادية على اعتبارها "الأصل المشترك". ليس من مهمة هذه المقالة البحث في جديّة حركات الاسلام السياسي ممثلة في تفرعات الاخوان المسلمين في العالم في تبني قيم الديمقراطية والمزاوجة بينها وبين الاسلام. وليس من مهامها اثبات أو التشكيك في سلمية الحركات الاسلامية التي تُدرج نفسها في "اللعبة الديمقراطية" فهذا مبحث آخر يطول الحديث فيه.

من المؤكد أن المقولات المحركة للحركات الجهادية اليوم هي ذات المقولات التي انتجها وكرسها الاسلام السياسي في بداياته.  يكفي ان نشير الى ان شعار "الاسلام هو الحل" أو "الاسلام دين ودولة" هي هو شعارات اخوانية. هذه الشعارات هي وبامتياز في قلب المشروع الجهادي اليوم. ربّما تخلت بعض الأحزاب الاخوانية – لأسباب عدّة -على هذا الشعارات في العديد من البلدان ولكنها مازالت تمثل القلب النابض لكل المشروع الشعبوي والتعبوي الإخواني. الأمر ينطبق على مطلب "الدولة الاسلامية" الذي هو مطلب اخواني بامتياز. يكفي هنا الرجوع إلى أدبيات حسن البنا وسيد قطب وكل مُنظّري حركات الاسلام السياسي لفهم مركزيّة هذا المطلب في أدبياتهم.

هذا المطلب هو اليوم جوهر ومُرتجى وحلم التنظيمات الجهادية وقد رأينا اثاره في اعلان أبو بكر البغدادي لتأسيس هذه الدولة قبل ان تنهار بعد حوالي خمسة سنوات من انشائها.

•          في الأساطير المؤسسة

شكلت شعارات "الاسلام هو الحل" و"الاسلام دين ودولة" إذا وشعارات اخرى المحتوى المضموني للتفسير الثقافي – العقائدي للظاهرة الجهادية. هذا التفسير بُني برأيي على أربعة اساطير مؤسسة شكلت على الدوام العوامل المحفزة لعملية الشحن العقائدي والتعبئة التي تأسس عليها مشروع الإسلام السياسي والتي تمثل العمود الفقري لكل عملية التجييش الجهادي اليوم. هذه الأساطير هي تباعاً:

  1. أسطورة المَظْلُوميّة:

نحن أمام حافز مُؤسس للظاهرة الجهادية خاصة وللإسلام السياسي عامة. في تنظيرات قادة الحركات الجهادية إن العالم العربي والإسلامي يعيش مَظلمة مستمرة. هي مظلومية في الماضي والحاضر والمستقبل.  إذا بحثنا في الجذور التاريخية لمقولة المَظْلُوميّة فإننا ربما نعود الى هزيمة الأندلس والحروب الصليبية أو ربّما نعود الى ما قبلها أي الى هزائم وغزوات واجتياحات أخرى عاشها العالم الإسلامي.

المظلومية تشكلت تاريخيا واستفاد منها الإسلام السياسي كما استفادت منها العديد من الحركات السياسية الأخرى ولكنها بلغت عند أصحاب الطرح الجهادي ذروتها. يطول تعداد المظلوميات ولكننا سنقتصر في تحليلنا على مظلوميات تاريخ الحركة الجهادية المعاصرة.  في هذا السياق سوف نعثر على خمسة مظلوميات اساسية كانت حافزا لهجرة الآلاف من الشباب المسلم للقتال الى جانب التنظيمات الجهادية: 

أ – مظلومية القضية الفلسطينية: شكلت على الدوام منبعا لكلّ التجييش السياسي، بَنت عليها الحركات اليسارية القومية شرعيتها في الستينات والسبعينات ليقع افتكاك هذه المظلومية بصفة حصرية اليوم من قبل حركات الاسلام السياسي في المنطقة (حماس، الجهاد الاسلامي، حزب الله...).

ب – مظلومية الغزو السوفياتي لأفغانستان 1979 وبداية هجرة الشباب العربي للقتال هناك. كانت الحرب الأفغانية حافزا مضافا للمظلومية الفلسطينية. ونشأ مع هذه المظلومية الجيل الأول من الجهاديين: الأفغان العرب. جيل خاص أول معاركه في الجزائر إبان العشرية السوداء.  

ج -الاحتلال الامريكي للعراق: بعد عقدين تقريبا من المظلومية الأفغانية تأسست مظلومية جديدة وهي المظلومية العراقية ونشأ معها الجيل الثاني من الجهاديين.

د – المظلومية السورية: مع انطلاق ما يسمى "بالثورة السورية" بلغت التنظيمات الجهادية فورتها التاريخية وهاجر الشباب بالآلاف الى "أرض الشام" للجهاد ونشأ فيها الجيل الثالث من الجهاديين.

ج – مظلومية الاستعمار: فضلا عن هذه المظلوميات الأربعة التي ذكرتها سابقا تتغذى الجهادية من مظلوميات أخرى عديدة غير ان مظلومية الاستعمار القديم والجديد تشكل أبرز المظلوميات التي تستعملها الحركات الجهادية للتعبئة والتجنيد عن طريق استعمال قضية نهب استغلال الثروات الوطنية كمحفز وعامل لكراهية "الآخر".

من المهم التنويه في سياق الحديث عن القضايا الآنفة الذكر إننا لا نتحدث عن "عدالة" هذه القضايا أو شرعيتها السياسية أو الانسانية بقدر ما نتحدث عن توظيفها في عملية التعبئة والتجييش الجهادي.   وقد تتخذ المظلومية أشكالا أخرى محلية لا ترتبط بالضرورة بالعدو الخارجي بل بالعدو الداخلي (الحُكام والسلطات) من قبيل منع السلطات والحكام من "تطبيق شرع الله" أو "الزج بالشباب المسلم في السجون" بسبب تدينه وهي مظلومية كثيرا ما استعملتها حركات الإسلام السياسي عامة والحركة الجهادية خاصة في تونس ومصر على سبيل المثال.

  1. أسطورة الخلاص الإسلامي:

محور هذه الأسطورة هي مقولة "الاسلام هو الحل". صحيح إن هذا الشعار هو شعار إخواني بالأساس وبه استقطبت الحركات الاخوانية وعلى امتداد أكثر من نصف قرن أتباعها وعبأتهم وحرّضتهم، غير أن هذا الشعار اتخذ صبغته القصوى ونسخته النقيّة مع الحركات الجهادية. محتوى هذه الأسطورة أنه "يصلح حال هذه الأمة إلا بما صلح أولها" كما يقول الحديث. ولا يمكن أن يتم ذلك إلا بتحكيم الإسلام، شريعةً ومنهج حياة، عن طريق اعتماد "الحاكمية" على مصطلح المُنظر الاسلامي الهندي أبو الأعلى المودودي.

تعتبر الحركات الجهادية أن "خلاص البشرية" على عبارة سيد قطب – وهنا نعود إلى ما اعتبره المنظر الأول أو المُعلم للحركات الجهادية العربية في العالم – لا يأتي إلا بتحكيم الإسلام. إذا تخلت الحركات الإخوانية في بعض الأقطار وربّما مرحليا عن هذا الشعار فانّه تحول في منهج الحركات الجهادية أحد الحوافز الأساسية للتجنيد.

فكرة الخلاص فكرة مركزية في الأدبيات الإسلامية وهي لا تتعلق فقط بإعطاء أمل للحركة الاسلامية و"للأمة الاسلامية" للنهوض والتقدم انّها أكثر من ذلك هي خلاص للعالم أجمع. هذه الفكرة نجدها منذ الأسطر الأولى لمقدمة "معالم في الطريق" حيث يقول سيد قطب:" تقف البشرية اليوم على حافة الهاوية... لا بسبب التهديد بالفناء المعلق على رأسها فهذا عرض للمرض وليس المرض... ولكن بسبب افلاسها في عالم القيم" وينتهي قطب إلى تقديم الترياق:" والإسلام – وحده ـ هو الذي يملك تلك القيم وهذا المنهج" (ص 3 و4 مقدمة معالم في الطريق – مكتبة الشروق الطبعة السادسة 1989).خَلاص العالم في السردية الجهادية لن يأتي إلا عن طريق حل وحيد هو "تطبيق الاسلام". غير أن تطبيق هذه المقولة واعتمادها لا يتم إلا بمقولة أخرى لا تقل عنها خطورة وهي أسطورة الفرقة الناجية.

  1.  أسطورة الفرقة الناجية:

عندما يَقتنع الشاب الجهادي بأن أمته مظلومة ومهددة وألا سبيل لإزاحة الظلم عنها إلا بتحكيم الشريعة وبالتالي الاقتناع الكامل بأسطورة "الخلاص الإسلامية " كحل تقوم التعبئة العقائدية إلا اقناعه بفكرة جوهرية أخرى، وهي أن هذا الخلاص الإسلامي لا يمكن تحقيقه إلا بصفوة الصفوة من المسلمين أو الطلائعيين الحاملين للمشروع الإسلامية. هذا لا يتأتى إلا بغرس فكرة أساسية وأسطورة لا تقل أهمية عن الاسطورتين الأنفتين وهي أسطورة " الفرقة الناجية" التي تحمل رسالة الإسلام وتوصلها لا فقط للمسلمين في نقاوتها وطهارتها ولكن للعالم بأكمله!

ربّما يطول الحديث في البحث عن جذور فكرة "الفرقة الناجية" ولكنها فكرة مُتأصلة في المخيال الإسلامية قديما وحديثا. يشعر "الإخواني" انه فعلا أنظم فعليا الى "الفرقة الناجية" عندما تقع تزكيته وينظم الى "نظام الاسرة" التي حدد هرميتها تنظيم الاخوان المسلمين في مصر. كما يشعر الجهادي انه أنظم فعليا الى "الفرقة الناجية" عندما يقع ظلمه الى "جلسة سرية" تضمّ الإخوة المُقتنعين "بالمنهج" الجهادي. طبعا فكرة "الفرقة الناجية" نجدها في تيارات اسلامية اخرى من قبيل الجماعات الصوفية وجماعة الدعوة والتبليغ وغيرها من الجماعات ولكن هَمّنا البحث هو هذه المقولة كمحرك أساسي لفعل التكفير والقتل التي هي سمة التيارات الجهادية.  على هذه المقولة "الفرقة الناجية" وما يستتبعها من فقه "نواقض الإسلام" تنصب التيارات الجهادية نفسها كممثل وحيد لله وبالتي شرعية القتل باسمه.

طبعا تبنى مقولة "الفرقة الناجية" على الحديث النبوي المشهور والذي يقول:" إلا أن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، اثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة، وهي الجماعة" (حديث رواه أبو داود والحاكم وصححه ابن تيمية في مجموع الفتاوى والشاطبي في الاعتصام...). طبعا يختلف الفقهاء في رواية الحديث وألفاظه تزيد وتنقص وصحته وضعفه وهذا مبحث آخر ولكن الأهم إنه كان نصاً أساسياً في عملية شَرْعَنة الإقصاء والتكفير التي تعتمدها الجماعات الجهادية.

الاعتماد على هذه المقولة أدى إلى عملية تكفير لا نهاية لها بين الجماعات الجهادية طوال الخمسين سنة الاخيرة. فقد كفرت الجماعة الإسلامية المسلحة في التسعينات مقاتلي الجيش الإسلامي للإنقاذ في الجزائر وانتهى الجهاز الامني لتنظيم الدولة الإسلامية إلى تكفير وتصفية أعضاء جماعة "الحازمية" – أتباع احمد بن عمر الحازمي – في فترة ما يسمى بالدولة الاسلامية في العراق وسوريا.

طبعا لن نتحدث في هذا السياق عن أثر مقولة "الفرقة الناجية" في تكفير الجماعات الجهادية في أحيان كثيرة لعموم المسلمين وبشكل مستمر للحُكَّام وتكفير الجماعات والطوائف الإسلامية الأخرى فهذا الأمر لا يحتاج إلى أدلة ولا براهين كثيرة.

مقولة الفرقة الناجية واقتناع الشاب الجهادي بها تؤدي به آليّا إلى "الخروج" والانعزال وربما كانت جماعة "التكفير والهجرة" التي نشأت في مصر في أواسط الستينات مثال جيد للانعزالية والخروج على المجتمع التي تأسست على شعور أعضاء الجماعة انهم يمثلون "الفرقة الناجية" المنصورة التي وكلها الله بتنفيذ تعاليمه وتحقيق مُراده في الأرض.

أسطورة اعتقاد الجهادي الراسخ أنه ينتمي إلى "الفرقة الناجية" تُعتبر مرحلة متقدمة جدا من التعبئة الجهادية. عندما يصل الشاب إلى هذا الاعتقاد فانه يكون قد اندمج فعليا في "الجماعة" المنصورة في ذهنيته وقطع بشكل كامل مع "المجتمع الجاهلي" الذي كان ينتمي إليه. هذه المرحلة المُتقدمة في ذهنية الجهادي تتراكم مع سيطرة مقولة أخرى أو اسطورة اخرى لا تقل عنها أهمية وهي مقولة انتصار الإسلام ونهاية العالم. 

  1. اسطورة انتصار الإسلام ونهاية العالم:

عندما يصل الجهادي إلى مرحلة انتمائه إلى الفرقة الناجية يُعبأ عقائديا بمقولة "انتصار الاسلام وسيادته على العالم". الأمر يتعلق بالحتمية الإلهية في ذهنية كل جهادي. النصر هنا هو وعد الله ولا يخلف الله وعده. التاريخ الإيماني يقول للجهادي أن العالم لا يمكن أن ينتهي إلا بانتصار المسلمين وسيادتهم على البشرية هو فقط سيكون جنديا في هذا الانتصار الكبير وستذهب أشلاءه قربانا لهذا الوعد. بُنيت اسطورة انتصار الاسلام ونهاية العالم في الذهنية الجهادية على العديد من التفسيرات للآيات القرآنية والكثير من الأحاديث النبوية من قبيل الحديث الشهير الذي يقول: "لا تقوم الساعة حتّى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض".

من المعلوم أن تنظيم الدولة الاسلامية وظّف هذا الحديث توظيفا منقطع النظير واستغل وجود قرية "دابق" في سوريا التي سيطر عليها في مرحلة معينة للترويج لمعركة انتصار الاسلام ونهاية العالم واستقدام حوالي 27 ألف من المقاتلين الاجانب للمشاركة في معركة نهاية العالم التي لم تَتمْ!  كما اتخذ تنظيم داعش من تسمية "دابق" عنوانا لمجلته الاعلامية كما اتخذ من تسمية أعماق شعارا لوكالته الخبرية التي كانت تنقل نشاطات ومعارك التنظيم على المواقع الاجتماعية.

تحفل الأدبيات الجهادية بكل المؤيدات النصّية التي تنبأ بأسطورة انتصار الاسلام بنهاية العالم ويجد الجهاديون في علامات اقتراب الساعة ومعركتها النهائية ما يشعب نهمهم في هذه المعركة التي سيكون اليهود أحد أطرافها الرئيسية. لا نعدم في المدونة النصية ما يشير إلى الأصول التاريخية للكراهية ضد اليهود والمعركة ضدهم كعلامة لهذا النصر القادم من قبيل الحديث الذي يتوعد بالانتصار النهائي عليهم والذي يقول:" لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود، حتى يقول الحجر ورائه اليهودي، يا مسلم، هذا يهودي ورائي فاقتله"(رواه مسلم).

بمثل هذه الأحاديث وغيرها تشكلت الذهنية الجهادية عبر الزمن متوعّدة بالانتصار النهائي الاسلام ونهاية العالم. تربت أجيال متعاقبة من الجهاديين طوال الخمسين سنة الأخيرة على هذه الأسطورة التي كانت أحد أبرز مقولات الشحن العقائدي التي دفعت المئات من الشباب الجهادي إلى الموت في "الغزوات" والعمليات الانتحارية.  ختاما وعبر هذه الأساطير المؤسسة وبها نفهم الذهنية الجهادية وهي بمثابة "يقينيات" لا يرقى الشك بالنسبة للمُتبنين "للمنهج " من الشباب العربي والاسلامي.

لا يمكن فهم كل هذا الشحن العقائدي وكلّ هذا الاقبال على الموت والانتحار، دون الأخذ بعين الاعتبار بكلّ هذه الأساطير المؤسسة للسردية الجهادية. نحن أمام مقولات ويقينيات في ذهنية الجهاديين تُدرجُ في هذا التفسير الثقافي – العقائدي للظاهرة الجهادية.

ما العمل أمام مثل هذه الأساطير أو اليقينيات في ذهنية الجهاديين، والتي نجدها منتشرة في نصوصنا الدينية وفي مناهجنا التربوية وفي مدارسنا وفي أسرنا وحتى في بعض وسائل اعلامنا، التي تزعم أنها تحارب الارهاب؟!

طبعا ليس من مهام هذه المقالة ايجاد الترياق المناسب من أجل تفكيك هذه الأساطير ودحضها فهذا عمل يتجاوز المجهود المتواضع للكاتب في تفسير الظاهرة الى مجهود آخر يتعلق بكل النظام السياسي والثقافي والتربوي الذي يريد مكافحة التطرف العنيف أو الظاهرة الجهادية.

يكفي شرف هذه المقالة أنها محاولة من المحاولات من أجل الاشارة إلى "أصول الشر" وحوافز العنف وما يعتقد الكاتب أنها "أساطير" بمعنى أوهام تحولت الى يقينيات في ذهنية الجهاديين. 

كلمة أخيرة مهمة في هذا الإطار، وهي إن حصر هذه الأساطير وتحديدها باعتبارها أصولاً أربعةً للفعل الجهادي لا يعني عدم وجود أساطير أخرى، غير أن حضور هذه الأساطير الآنفة الذكر في الذهنية الجهادية أمر لا غنى عنه في فهم وتفسير كل هذا العنف باسم الله ونصوصه...  أساطير تفسر لنا كلّ ظلام النفق الطويل الذي دخلناه منذ حوالي نصف قرن.

وسوم
شارك :