تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

:شارك

الباحث جورج فهمي: قوة حركة النهضة في «تبني الموقف ونقيضه»

0
شارك :

رامي التلغّ

يبدو أن الإسلام السياسي يعيش حالة من الانحسار، بعد فترة مدّ غير مسبوقة، عاشها في أعقاب الثورات العربية، وصل خلالها إلى حكم أكثر من دولة عربية وغير عربية. لكن السؤال الذي بقي مطروحاً هو: هل أن هذا الانحسار سيعيد جماعات الإسلام السياسي إلى واقع الشتات، ما قبل العام 2011، أم أن التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها المنطقة والعالم، خلال هذه السنوات الثماني، جعلت الأمور تتعقد على نحو آخر، حيث وصلنا نقطة اللاعودة، في وقت لا نشهد فيه تقدماً ملحوظاً، على مستوى خطاب هذه الجماعات وسياساتها، فكأن الزمان قد توقف بنا في لحظة قديم يموت وجديد لا يولد. ونحاول في هذه المقابلة الموجزة مع الباحث المصري، جورج فهمي ، أن نبحث عن إجابات جديدة لهذه الأسئلة القديمة.

 يعمل جورج فهمي باحثا بمركز مسارات الشرق الأوسط بالجامعة الأوروبية بفلورنسا/إيطاليا، حيث تتركز أبحاثه على القوى الدينية في مرحلة الانتقال الديمقراطي، والتفاعل بين الدين والدولة في مصر وتونس، والأقليات الدينية في مصر وسورية.وقد عمل فهمي سابقا في مركز كارنيجي للشرق الأوسط في بيروت (2014-2016) ومنتدى البدائل العربي للدراسات في القاهرة (2011-2014). وقد حصل فهمي على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من الجامعة الأوربية في فلورنسا عام 2013.

 

  • بحكم اشتغالك على الحركات الإسلامية في طور الانتقال الديمقراطي، هل يمكنك أن تفسر لنا أسباب فشل تجربة الإسلام السياسي بعد موجة "الربيع العربي"، خاصة في تونس ومصر؟

مشروع الإسلام السياسي فشل في تونس ومصر، لكن حركة النهضة التونسية نفسها لم تفشل، بل هي مازالت تسعى إلى إيجاد صيغة بديلة لمشروع الإسلام السياسي التقليدي، وهي مازالت في طور بلورة هذا البديل. أما في مصر فجماعة الإخوان المسلمين فشلت لأنها لم تدرك لحظة نهاية مشروع الإسلام السياسي بشكله التقليدي.لقد أدركها بعض شباب الإخوان المسلمين في مصر عندما نظم هؤلاء "مؤتمر الإخوان المسلمين: رؤية من الداخل" في مارس 2011، أي بعد شهر فقط من رحيل مبارك. هدف المؤتمر كان إيجاد مشروع جديد  للإسلام السياسي ، ومن ضمن توصياته   فصل الدعوي عن السياسي ، وعدم إلزام أعضاء جماعة الإخوان بالانضمام لحزب واحد ، وترك الحرية للأعضاء...لكن ، مع الأسف ، رفضت القيادات تلك المقترحات واختارت أن تسير على نفس النهج .وفي رأيي ، كانت تلك   الخطوة الأولى نحو فشل الجماعة . فالإصرار على الاستمرار بشكل الجماعة "السري" عمق من الخوف والاستقطاب داخل المجتمع و أدى في النهاية إلى مشهد 30 يونيو.وفي الخلاصة ، أعتقد أن مشروع الإسلام السياسي القديم   انتهى. وقد أدركت النهضة ذلك وهي تحاول صياغة مشروع بديل لها، أما جماعة الإخوان فلم تدركه، فكانت النتيجة التي وصلت إليها.

وفضلا عن أن حركة النهضة حاولت صياغة مشروع بديل، فإن مشهد 2013 في مصر مثّل إشارة مهمة للحركة، خاصة بعد موجة الاغتيالات السياسية في تونس، حيث باتت الخيارات ضيقة جدا. لذلك ذهبت حركة النهضة في مسار الحوار الوطني وخيّرت التخلي الحيني على السلطة على أن تضيع الفرصة التي قدمتها لها الثورة التونسية لتطبيع وجودها في المشهد السياسي بالاعتماد على سياسة المراحل.

وخلاصة القول: إن حركة النهضة تخلّت عن اندفاع وتوتّر التسعينات الذي، رغم حجمهما المهم، كلّفها سنوات من التهجير والحظر.ولعل   وضعيات الإخوان المسلمين، التي كانت أكثر أريحية، هي التي دفعت بالجماعة، حالما وصلت للسلطة، أن تسرّع في نسق الاتجاه نحو السيطرة.

  • هناك من يقول إن الجماعات الإسلامية ، بحكم أدبياتها التي تتعارض مع مقتضيات الدولة المدنية، فشلت في أن تندمج مع تحديات إدارة أزمات ما بعد الحكم التسلطي (بطالة، حريات عامة...). فما مدى صحة وجهة النظر هذه؟

أنا ممن يعتقدون أن الأدبيات ليست عاملا أساسياً في صناعة القرار داخل الجماعات الإسلامية. فالأفكار يمكن إعادة تطويعها لخدمة المشروع السياسي، والعامل الحاسم في مصر وتونس كان، في رأيي، عامل القيادة: فلراشد الغنوشي وخيرت الشاطر الأدبيات نفسها، ويمكن إعادة قراءتها لإيجاد توافق بين تلك الحركات وأفكار الدولة المدنية. وبالفعل ثمة محاولات عديدة في هذا الشأن، على غرار كتابات الغنوشي مثلا في تونس وكتابات فهمي هويدي في مصر أيضا، مثل كتابه "مواطنون لا ذميون" عن   إشكالية التعامل مع الأقليات. والسؤال هنا هو: من يسمح لتلك الأفكار بالصعود ومن يمنعها؟ في رأيي: القيادة. فحركة النهضة، في شخص زعيمها التاريخي راشد الغنوشي، نجحت منذ سنة 2011   في تبني الموقف ونقيضه. فعلى سبيل المثال، كانت حركة النهضة من أبرز المتحمسين لقانون "تحصين الثورة" الذي يقضي بإقصاء رموز حزب التجمع المنحل من ممارسة النشاط السياسي، ثم بعد ذلك تبنت النهضة خيار الحكم المشترك مع حزب نداء تونس الذي يعرف بأنه استقطب أغلب رموز الحزب المنحل. والغنوشي الذي طالما نادى بمحاربة الإمبريالية أصبح اليوم من أكبر منظري ما يعرف بالإسلام الديمقراطي.

  • هل ترون أن التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، برغم "المحنة" التي يمرّ بها، مازال يتمتع بنفس الصلابة، والوحدة خاصة؟

لا أعتقد أن التنظيم الدولي له نفس القوة والتأثير. ففي تونس مثلا، لا أرى أي تأثير لما يسمي التنظيم الدولي على حركة النهضة. ومشهد 30 يونيو كان له تأثير بالغ جدّا على التنظيم، خاصة إثر التغيرات  العميقة التي يشهدها المشهد الجيوسياسي في المنطقة.أما عن حركة النهضة فإنها اكتسبت براغماتية سياسية جعلتها تحيد بنفسها، ولو ظاهريا ،عن أزمة الجماعة، حيث روج بعض قياداتها أن النهضة حزب مدني ليس له علاقة بجماعة الإخوان المسلمين، وهو ما جعله رغم كل العواصف يظل رقما صعبا في الحياة السياسية التونسية.

  • لديكم الكثير من المقالات حول السياسات الدينية، فهل ترون أن الوضع في مختلف الفضاءات الدينية في تونس ملائم  لتنظيم الانتخابات المرتقبة، خاصة وأن حركة النهضة قد وظفت في الانتخابات الفارطة المساجد كأداة تعبوية للانتخابات؟

إجراء الانتخابات في موعدها أمر لا بديل عنه لكي تحافظ تونس على مسيرتها الديمقراطية، مع إنفاذ القواعد المتعلقة بالمساجد ومعاقبة من يخرج عن تلك القواعد. وستظل هناك، في نهاية الأمر، تجاوزات دائما، لكن مواجهتها يجب أن تكون عبر إنفاذ القانون.والإشكال الحقيقي في الدول التي في طور الانتقال، ومن بينها تونس، هو صعوبة إنفاذ القانون، خاصة في ظل تعطّل تركيز المؤسسات التي تعتبر ضمانة لتكريس  النظام الديمقراطي، كالمحكمة الدستورية.والحقيقة أن تونس، رغم التعثر، تتقدّم، ولو بخطوات بطيئة أحيانا، نحو تكريس التقاليد الديمقراطية،وذلك بعكس بقية الدول التي طالتها موجة "الربيع العربي". ونحن نعلم جيدا أن التمرين الديمقراطي ليس باليسير، لذلك شهدت الانتخابات الماضية بعض التجاوزات، إلا أني أعتبر المسألة الأكثر أهمية التي نجحت التجربة التونسية في تحقيقها هي إدارة الخلاف.

ختاما، ماهي قراءتكم لمستقبل الحركة الإسلامية في تونس، خاصة بعد التغيّر الجذري لموازين القوى في المنطقة؟ هل فعلا طبعت  الحركة وجودها في المشهد السياسي التونسي أم  أن رجوع الأصوات الشعبوية للمشهد يمكن أن يهدد وجودها ويؤدي بالتالي إلى الارتداد إلى مرحلة ما قبل سنة 2011؟

أعتقد أن حركة النهضة لا تزال طرفا قويا على الساحة السياسية في تونس وستنافس بقوة على الانتخابات التشريعية والرئاسية القادمة، لكن أمامها تحد رئيسي على المدى الطويل، هو صياغة مشروعها البديل. ولا يكفي الحديث فقط عن كونها ليست حركة إسلام سياسي بل يجب عليها إيجاد "جسر" بين مشروع الإسلام السياسي بشكله التقليدي وما تقدمه الآن، وقد تكون لذلك آثار سلبية لدى القواعد المحافظة دينيا. ولهذا فمن المهم إيجاد صيغة بديلة على المستوى الفكري وعلى مستوى السياسات، لكن النهضة تبدو أكثر من أي حركة إسلامية أخرى في موقع متقدم على هذا الطريق.

وسوم
شارك :