تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

«الغنوشي في متاهته»: فاقد الديمقراطية لا يعطيها

شارك :

أحمد نظيف

كان متوقعاً أن تتوجه قيادات التيار المعارض لراشد الغنوشي، داخل حركة النهضة، نحو إعلان موقفها من مسألة ترشحه مرة أخرى لرئاسة الحركة بعد أن أمضى على رأسها عقوداً منذ تأسيسها، وتخلص ببراعة من رفاقة التأسيس واحد تلو أخر، بطرق مختلفة، لتتفرق مصائرهم كلً حسب قدره. حتى أن عبد الفتاح مورو، عندما سئل في مقابلة مع مركز أبحاث أمريكي، عن تطور الحركة أجاب ساخراً:"تغير كل شيء في الحزب، باستثناء ثلاثة أشياء: اسمها، رئيسها [الغنوشي]، وملابسي" (كان يرتدي الزي التونسي التقليدي).

 فتوجهات الغنوشي ومزاجه طبعت الحركة منذ نشأتها بطابعه الذاتي، فتغيرت بتغيير أفكاره وميوله، تكتيكياً واستراتيجياً، فيما بقيت القواعد والقيادات تتبعه مشرقاً ومغرباً، بتسليم ووثوقية لم يقطعها إلا بعض المنتفضين، وهم قلة قليلة عجزت عن تحريك الرئيس من مقعد الإمارة.

الرسالة الجديدة التي بعثت بها مجموعة الــ "المئة"، المطالبة بالتداول على الرئاسة والحوكمة داخل التنظيم، تعيد صياغة كل مطالب تيار التغيير داخل الحركة منذ منتصف الثمانينات وحتى اليوم، والذي تجلى في محاولات مناصحة ونقد واعتراض خاضتها مجموعات أقلية داخل الحركة، بدأت بصالح كركر في مؤتمر "تجديد القيادة" في مدينة سليمان 1984، وتعمقت أكثر بعد المواجهة مع الدولة في تسعينات القرن الماضي.

وهذه المطالب وإن بدت شديدة البساطة إلا أنها تشكل كسر لقداس المؤسسة التي تكرست على عقود داخل الحركة وبمباركة من التنظيم الدولي والجماعة الأم في الخارج. فمطلب التداول على الرئاسة وإن بدا مطلب شديد العادية في أي حزب ديمقراطي، إلا أنه يعتبر طعناً في ذمة "الشيخ المؤسس" السياسية، أم مطلب حوكمة إدارة التنظيم إداريا ومالياً فيعتبر طعنا في ذمته المالية.

الرسالة الجديدة حملت عنواناً لافتاً: "مستقبل النهضة بين مخاطر التمديد وفرص التداول" وهو ما يشير إلى مخاطر الإنقسام التنظيمي والسياسي التي تهدد حركة النهضة في حال ما أصر رئيسها على كسر الفصل 31 من نظامها الداخلي، الذي أقره المؤتمر العام، وترشح للرئاسة مرة أخرى، وهو على يقين بأنه سيحصل عليها، بفضل شبكات الولاء التي نسجها وسقاها بالامتيازات داخل التنظيم ومؤسساته.

أما رد الغنوشي فقد كان وفياً لعادته في تحويل وجهة النقاش نحو تخيل وجود مؤامرة ما وراء الأمر إذ يقول:" لقد فاجأتني البارحة مجموعة من كرام وكبار اخواننا بزيارة كريمة  طلبها أحدهم حسبتها  خاصة به وأن غرضها،  شأن كان حديثنا من ايّام ،إلا أنني سرعان ما تنبهت إلى  أن الأمر يتعلق بتسليم رسالة مذيلة باسماء،  لا توقيعات ، مائة قياديا يطالبون رئيس الحركة إعلانه الصريح إنه ليس معنيا بالقيادة في المؤتمر القادم . ذكرتني زيارة الإخوة الخمس الكرام بالزيارات المعتادة لنفر من قادة الجيوش في الهزيع الأخير من الليل لرؤساء بلادهم يبلغونهم الأمر بالتنحي.''

والحقيقة إن الغنوشي، باعتباره عاش في بيئة شمولية، سواءً في الدولة التونسية أو في أجواء الجماعات الإسلامية، فإنه دائماً ما يعتبر أي نقد موجه له، "مؤامرة منظمة تحيكها أطراف في الخفاء"، لأنه؛ أولاً، لا يستطيع التفكير خارج هذا المنطق باعتباره نشأ وترعرع في بيئات سرية. ثانياً، لديه ميل لاستعمال ورقة التهديد الخارجي، لتخويف القواعد واستنفارها في معركة وهمية ورفع شعارات "وحدة الصف"، وبالتالي كبت أي صوت داخلي يطالب بالإصلاح. وفي كل مرة تريد القواعد تغيير القيادة، يتم التذرع بوجود خطر خارجي، وأن المرحلة لا تحتمل، وتستعمل كل أساليب التخويف، ويبقى الأب المؤسس زعيماً مدى الحياة.

وأعتقد أن الحركة الإسلامية في تونس لم تشهد تصدعاً داخلياً كما تشهده اليوم. وأقصى ما عاشت من أزمات، كان في أعقاب الخروج النهائي في العام 1991 والصراع المرير مع القيادة المتنفذة، الذي انتهى بتثبيتها وإقصاء جزء من العناصر المشاغبة واستيعاب الجزء الآخر منها بالمنح والمواقع في المنافي والداخل، وتوج بوضع زعيم التمرد – صالح كركر-في جزيرة قصية بالتعاون مع السلطات الفرنسية. التصدع اليوم داخلي وظهر بقوة خارج التنظيم في حركة غير مسبوقة في تاريخ الحركة. يوجد أكثر من خط داخل الحركة. الخط المسيطر على التنظيم (القيادة المتنفذة في تحالف مع البرجوازية الإسلاموية الصاعدة)، خط النقاء الإيديولوجي المعترض على التوافق مع النداء (يسعى للمحافظة على الوجه الإسلاموي الظاهر للحركة ويعتبره رأسمالها الوحيد ويملك صدى أكثر في القواعد من الطبقة الوسطى والفقيرة)، خط ثالث وهم "المفارقون للجماعة" خرجوا من التنظيم ومن الحركة في فترات مختلفة من التسعينات وحتى اليوم، مازالوا يمتلكون شعبية داخل الجمهور الإسلاموي وعلاقات خارجية وازنة ولديهم نوايا عودة يعتبرونها "إنقاذية". لكن الواضح من خلال هذه المعارك الباردة داخل الحركة أننا إزاء تحولات كبيرة تعيشها سماتها العامة: نزع القداسة عن التنظيم، الانكماش أكثر نحو القُطرية، تحول طبيعة المنتمي الإسلاموي الحركي من " النقاوة الدينية" (النوع) إلى المنتمي العادي (الكم)، والأهم هو طبيعة منهج التغيير الذي انحدر نحو محاولات البقاء (من خلال وضع نسيج اقتصادي وبناء قوة اجتماعية) بعد أن كان جزءاً من مشروع تغير "عالمي".

إن الانقسام الحالي وصل إلى مستويات غير مسبوقة. لأول مرة توجد مناطق بأكملها، وذات وزن، خارج سيطرة الغنوشي. صعود البرجوازية الإسلاموية داخل الحركة، وتبجيل فئة رجال الأعمال على حساب قيادات تاريخية محلية وجهوية (ممكن غير معروفة للعامة) ذات أدوار اجتماعية بارزة خلال فترة التهجير، كل ذلك أدى إلى تأكل شرعية الغنوشي، على حساب التيار المعارض ومن خلفه كل المغضوب عليهم (تيار اللوز، تيار الجبالي...).

لكن كيف حافظت النهضة على تماسكها التنظيمي، خلال أكثر من أربعة عقود؟

على الرغم من بروز نزعات انشقاقية ونقدية داخل الحركة منذ نهاية السبعينات مع مجموعة اليسار الإسلامي، وصولاً إلى ما يحدث اليوم من صراعات داخلها، مروراً بخروج صالح كركر والغضباني والاستقالات في حقبة المهجر. وأعتقد أن قيادة الحركة – الغنوشي أساساً – نجح في ذلك من خلال أمرين. الأول، خلق عدو خارجي للحركة بشكل دائم، وطيلة عقود كانت الدولة هي العدو وحالياً أصبح الحديث عن التأمر الإقليمي كعدو، فيصبح همّ الجميع داخل التنظيم الغرق في مواجهة هذا العدو، وبذلك يسيطر هاجس البقاء عليهم ولا يلتفتوا لنقد القيادة أو المطالبة بإصلاح أوضاع الحركة أو تغير سياساتها. الثاني، هو سيطرة القيادة على مصادر تمويل التنظيم، وبكل ما يجر خلفه من توزيع امتيازات، وبكل ما يعنيه من عصب حياة النشاط الحزبي. فأي جناح معارض للقيادة (للغنوشي) ومهما كانت أهميته وقوته، لن يكون سائداً إن لم يوفر موارد مالية كافية لتعويض ما يوفره الغنوشي من موارد من خلال شبكاته الشخصية النافذة داخلياً وخارجياً.

إن طبيعة الغنوشي وأفكاره وتكوينه والعصر الذي عاش فيه ، كلها تشير إلى صعوبة أن يكون الرجل ديمقراطياً، أي مؤمناً إيماناً قاطعاً بالخيار الديمقراطي. وليس مجرد تسليم "بالديمقراطية الإنتخابية'' التي تنجح من خلالها الحركة الإسلامية في حيازة السلطة. أي الديمقراطية بإعتبارها منظومة تفكير متكاملة وقيم كونية لا تقبل التفاوض. إن كل تجارب الرئاسة مدى الحياة - في الدولة أو في الأحزاب والمنظمات - تنتهي بالكوارث وينتهي معها القائد الملهم إلى مجرد مهرج يثير السخرية والضحك أكثر مما يثير الغضب. القائد الذي لا يعرف كيف يكون على موعد مع التاريخ، يقامر بسمعته وتاريخه في لعبة خاسرة، وهي المعرفة التي يحتاجها كي يحسم قرار الخروج من الباب الكبير بدلا من أن تلقي به الأقدار من نافذة ضيقة على تخوم التاريخ. لكن آفة حارتنا النسيان.

الكلمات المفاتيح:
شارك :