تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

:شارك

الغنوشي «ما بعد» قائد السّبسي: هل سيفهم الدرس؟

0
شارك :

زينب التوجاني

جاء خطاب الغنوشي إثر وفاة الرئيس الباجي قائد السبسي يوم 25 جويلية رصينا متماسكا، ترحّم عليه واعتبر وفاته مصابا جللا وأبّنه معدّدا خصالا اعتبر الغنوشي أنها جنبت تونس التقاتل وحقنت الدماء. ثمّن الغنوشي في كلمته اجتماع باريس وسياسة التّوافق وأشاد بوطنيّة الرئيس الراحل وبحكمته. معتبرا أنّه خسر صديقا وأخا. 

لقد نجح التوافق في امتصاص غضب الشيخ الذي فرّ من تونس ذات سنة تاركا قواعد حركته في السّجون والفقر والتّعذيب وتنكيل النّظام النوفمبري ومحاصرته، استطاع الغنوشي أن ينظر إلى الجانب المشرق من تجربة النهضة بعد الثورة: في البداية عادوا بخطابهم القديم، أعلنوا انها الخلافة قادمة وانه نصر الله قريب وقبلوا جبين وجدي غنيم واعلموه أن سياستهم مع التونسيين الصبر والتدرج وافتكاك أبنائهم منهم، ثمّ تسارعت أحداث الثورات من حولنا، وخاصّة أحداث الحرب السورية وتسفير الشباب إلى القتال وسقطت داعش وانقلب العسكر في مصر على الإخوان وزج بهم في السجون، وانحسر المد بانحسار موجة التسفير وبالضغط على الإخوان في مصر، وانطلقت عمليات إعدام جماعي في السعودية تستهدف بعض رؤوس تورطت في تغذية الدواعش وتغذية القتال الدائر. وفي خضم كل هذه الضغوط على السلفيين والجهاديين والإسلاميين والأحزاب الإسلامية وجدت النهضة نفسها بين فكي وحش داخلي وخارجي: مرفوضة من التيارات المتشدّدة التي تكفّرها لخذلانها دولة داعش ولقبولها بالمشاركة في اللّعبة السياسيّة ومرفوضة من العلمانيين واليساريين الأعداء التاريخيين للحركة الإسلامية وإن تقاطعوا يوما وتعاونوا أيام محاربة الاستبداد وقمع حرية التعبير.

في هذا المضيق الخانق وجد الغنوشي يدا تمتد إليه وتعرض عليه الخلاص بمرارة ورغم انف الناخبين، إنه الباجي قائد السبسي يعرض على قائد الحركة الإسلامية التونسية سبيلا للخروج من النفق المظلم، كانت تونس تتلقى الفجيعة تلو الأخرى: مقتل شكري بلعيد، ومقتل نقض، واغتيال البراهمي وتسفير الشابات والشبان، وعمليات الإرهاب الغادر المتتالية بعنف، وكانت أصابع الشعب متجهة نحو الغنوشي وتوظيفه السياسي للدين وكانت الافواه تردد بلا توقف شعار " يا غنوشي يا سفاح يا قتال الأرواح "وضاق الخناق على إسلاميي مصر بعد أحداث رابعة وكذلك على إسلاميي تونس وقبل الغنوشي يد الباجي الممدودة إليه. ودخلنا في تونس حقبة جديدة أطلق عليها حكم الشيخين.

أضعنا سنوات وعقودا ليفهم الغنوشي أنه بإمكانه ان يثق في منطق الدولة الوطنية ويضع يده في يد رمز من رموزها واب من آبائها البناة الاولين، أضعنا عقودا والغنوشي يعادي بورقيبة ويحمّله ذنب تحديث المجتمع التونسي ويتهمه بالتغريب والخروج عن الشريعة لنصل إلى هذه اللحظة التي يترحّم فيها الغنوشي من كل قلبه على صديقه وأخيه ويدعو له بالعفو والغفران الالهيين. هل سيعتذر الغنوشي لتلك السنوات الضائعة من عمرنا والتي هدرت طاقاتنا وطاقات من أدلجهم من قواعده بايديولوجيا الجهاد والمقاومة والسعي للخلافة الإسلامية؟

هل سيعتذر الغنوشي عن استضافته لوجدي غنيم الذي شمت منذ يوم في موت الرئيس الفقيد وكفره وكفر شعب تونس بل وكفر من قبلنا حركة النهضة وقادتها؟

هل سيعترف الغنوشي أنه أخطأ تقدير الأمور وأنه تسبب في تعطيل التنمية الاقتصادية والفكرية بزرعه للإسلام الدعوي السياسي في بلادنا وبسعيه لإسقاط النظام من أجل بناء دولة دينية؟

هل فهم الغنوشي أنه عطل مسار تطور الدولة التونسية بهذا الفكر الذي استجلبه من خارج البلاد واستنبته في عقول بناتها وابنائها وجعلهم في خدمة تنظيم عابر للدولة الوطنية؟ هل فهم أخيرا السبب الذي لأجله قمعه النظام البورقيبي والنوفمبري؟ هل فهم لم تقف الحركة النسوية في وجهه سدا منيعا؟

ها قد فهم الغنوشي- أو أقر على الأقل- أن بورقيبة والسبسي لم يكونا عدوين لله ورسوله ولا للمسلمين وها قد تأكد أن السبسي الذي واجه عملية إرهابية تمس رمزية مؤسسة الرئاسة في نوفمبر 2015 ولم يسارع بتحميل إسلاميي تونس مسؤولية فيها والذي  لم يستسلم للضغوط الخارجية والداخلية التي دعته إلى الزج بالإخوان في السجون وبفض الشراكة معهم وبمحاصرتهم والكشف عن جهازهم السري وتعطيل تغلغلهم في مؤسسات الدولة، ها قد تأكد أن السبسي كان حريصا على استقلال البلاد وحصّنها رغم ضعفها من كلّ التحالفات الخطيرة وجعل قراراتها سيادية فجنبها فشل تجربتها الناشئة الفتية فهل سيقر أخيرا انه لم يكن يملك الحقيقة التي اعتقد قواعده أنه يملكها حين عادى الدولة الوطنية ورموزها وسعى إلى حربهما؟ هل سيتم الغنوشي ما بدأه السبسي فيصوت لقانون المساواة في المواريث ليثبت أنه فهم حقا الدرس التاريخي ولنفتح معه صفحة جديدة وننسى كل الذي انقضى وفات؟

لقد بكى الغنوشي السبسي واعتبره صديقا وأخا ووطنيا وحكيما فهل سيواصل على درب تلك الحكمة والوطنية فيصوت وحركته لصالح المساواة ويعلن أنها لا تتعارض مع مقاصد الشريعة وأنها ضامنة لكرامة المواطنين في بلد ديمقراطي سمح للإخوان أن يكونوا مواطنين وأعطاهم فرصة تاريخية لإصلاح أخطائهم السابقة؟ هل سيصلح الغنوشي وحركته تلك الأخطاء ويكفوا عن تعطيل عجلة التاريخ ويساعدونا في دفعها إلى الامام أم علينا وحدنا أن ندفع العجلة بقوانا الفردية وفي نفس الوقت ندفع ثقل التخلف الذي يبررونه دينيا ويكون حزب النهضة عقبة في وجه التحديث القانوني كما كان دوما عقبة في وجه تحرير المرأة ومساواتها التامة بالرجل وكما برر دونيتها واوهم أن مكانتها يضبطها الشرع وفق احكام الفقه المتغيرة التي يريدون تأبيدها؟

إنّ حزن الغنوشي على صديقه وأخيه لا يكتمل إذا لم يثبت نواياه تجاه مبادرة الرئاسة المتعلقة بالمساواة في المواريث، فحينئذ يكون للحزن معنى وللوقاء لمن مد يديه للإخوان في ظرف حالك من تاريخهم المعاصر معنى، فإذا تمسك الغنوشي بإتمام مسار التحديث والمساواة فإنه يفتح معنا بابا لبداية جديدة نعترف فيها بتطور هؤلاء إلى المواطنة والحداثة والايمان بالديمقراطية ولكنهم إذا تمسكوا بما اقروه سابقا من أن المساواة مخالفة للشريعة فإنهم بذلك يؤكدون ازدواجية الخطاب وما المظاهر التي تبدو تحديثا كاختيار لاباسات الدجين غير المحجبات واختيار الكلمات المنمقة للتعبير عن الحزن سوى قناع زائف لحركة لا تستطيع القطع مع جذورها السلفية.

على الغنوشي أن يختار بين السلفية المختفية في خطابه وبين رغبته في التقدم والتطور، فإذا بقي بين بين لا ربح مشية الطاوس ولا احتفظ بمشيته. فما مزية التضحيات التي يقدمها على حساب قواعده الغاضبه إذا لم يكن ممن يريد أن يخلد اسمه في التاريخ بعمل شجاع كأن يقطع نهائيا مع جذور الظلامية والتمييز ويعلن قبوله بالمساواة التامة.

هل يجرؤ الغنوشي على أن يكون حلقة في بناء مستقبل القوانين الحديثة أم أنّه يصرّ على أن يكون عقبة في وجه ذلك التحديث والبناء؟ هل سيسبق الأحداث هذه المرة ليثبت أن درس السنوات التي جرب فيها الإسلاميون الحكم قد تم استيعابه أم أن الإخوان لا يتغيرون إلا بعد الصدمة والضغط وامام قوة الامر الواقع؟

هل سيعبرون عن صدق خطابهم الجديد أم أنّهم ما يفهموه بقري كان بالكرشة؟

الأيام المقبلة كفيلة بالكشف عن نوايا الغنوشي وحركته ومدى تطابق الأقوال بالأفعال.

وسوم
شارك :