تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

:شارك

الغنوشي و«استلاب» وعي النساء

0
شارك :

آمال قرامي

كثيرا ما تنظر أغلب التونسيات للنهضاويات على أساس أنّهنّ خاضعات لإرادة الحزب غير قادرات على فرض ذواتهنّ بعيدا عن إكراهات وضعها الرجال. ومن ثمّة كان أداء النساء المنتميات لحزب النهضة داخل مجلس الشعب، في تصوّر النسويات، مكرّسا لتبعيّة المرأة للرجل ولفكرة مفادها "أنّ المرأة كائن بغيره". أمّا الشخصيات التي شقّت عصا الطاعة فلم تنضبط للأوامر فإنّها تبقى، من منظور أغلب التونسيات، حالات شاذّة و "الشاذّ لا يقاس عليه".

وفي المقابل تعتبر النهضاويات أنّهنّ انتفعنّ من سياسات التمكين فاضطلعنّ بأدوار هامّة داخل الحزب واستطعنّ التعبير عن مواقفهنّ والتفاوض حول مواقعهن في مجلس الشورى، وفي موقع صنع القرار فامتلكنّ الصوت واستمتعنّ بالسلطة مثل الرجال. أمّا حُجبهنّ على اختلاف أشكالها وألوانها، فقد كانت علامة تميّزهنّ عن البقية داخل مجلس الشعب وتجعلهنّ أكثر مرئية في "عالم الصورة". والنهضاويات إذ يلتزمن بالحجاب يفنّدن القول السائد: "إنّ الحجاب علامة خضوع' فإذا بهنّ يثبتنّ أنّه وسيلة من وسائل التمكين والفاعليّة.

وبين تصوّرات النهضاويات وتمثلات الأخريات بشأن مواقع النساء داخل الأحزاب الإسلامويّة مسافة وفجوة وانقسام يجعل الحديث عن التونسيات غير دقيق، وغير مجانب للصواب. فنحن اليوم إزاء تونسيات لا يمثّلن كتلة منسجمة ولا يقتسمن نفس الرؤى والطموحات والأحلام، ولا يمكن إخضاعهنّ للتنميط القسريّ. ويكفي أن نقلّب النظر في إصرار شيخ الحزب على تقديم عدد من 'السافرات' على القائمات الانتخابية حتّى ندرك أنّ اكتساب الوعي لا يقاس بالمظهر، وأن الانقسام موجود داخل نساء حزب النهضة حتى وإن كان الإعلام غير مكترث بذلك، وهو أمر راجع إلى هيمنة التمثلات الاجتماعية والدينية التي تجعل المنافسة والخصومات والصراع في المجال السياسي حكرا على الرجال.

  • الحجاب علامة انتماء للحركة/الحزب وشرط للاندماج فيها

اعتبرت حركة النهضة منذ تأسيسها أنّ الحجاب/اللحية محدّد جندريّ وسياسي-دينيّ في الآن نفسه، وهو رمز الانتماء والالتزام بالمشروع السياسيّ والدينيّ والمجتمعيّ. والواقع أنّ حركة النهضة لم تختلف عن سائر الأحزاب الإسلاموية التي رأت أنّ الزيّ الشرعيّ النسائي هو وسيلة للتمييز بين المتمسكات بالعقيدة والأخلاق والشريعة والعفّة ...وغيرهنّ من النساء اللواتي فرّطنّ في هويتهنّ وأصالتهنّ وارتمين في أحضان الغرب فصرن "تغريبيات". وهكذا صار التمسك بالهوية الإسلامية على مستوى المظهر الخارجي (الحجاب/اللحية) حدّا فاصلا بين تمثّلين مختلفين للسياسية والحياة ورؤيتين متباينتين للعالم. وترتّب عن حرص القيادات على توحيد الزيّ النسائيّ بروز خطاب يقرن الحجاب بالمقدس ويرسّخ لدى من تلبسه شعورا بالاستعلاء والتمييز يدفعها إلى التمسّك به والانخراط في النضال السياسي-الدينيّ.

بيد أنّ المتأمّل في مسار الأحزاب الإسلاموية يتبيّن أنّها رأت في المحجّبات امتدادا جماهيريا لبرامجها السياسية الدعوية يمكن التعويل عليه لكسب المعارك. ومن هذا المنطلق كان حضور النهضاويات في الفضاء العموميّ علامة دالة على مرئية الحزب ذلك أنّ الصراع مع السلطة السياسية يفرض توظيف علامات ورموز مختلفة ومن هنا تحوّلت الأجساد النسائية إلى أدوات تستغلّ في المواجهة مع السلطة المهيمنة وصار الحجاب تبعا لذلك وسيلة لترسيخ دلالة رمزيّة لدى من ترتديه. يكفي أن نتذكّر ما روته بعضهنّ أثناء جلسات الاستماع في "هيئة الحقيقة والكرامة" لندرك أنّ النضال النسائيّ اقترن بــ "محنة الحجاب".

ولكن سرعان ما تغيّرت الظروف والأحوال بعد 14 جانفي فتحوّل الحجاب من مكوّن لــ "نواة صلبة" لجماعة سياسية دينية إلى مكوّن لــ "نواة رخوة" تتمحور حول اختيارات مختلفة، وهو ما اقتضى سياسات جديدة للأجساد.

  • الحجاب ولعبة السياسية

لقد انتبهت القيادات إلى أنّ الحجاب لم يعد يحمل الدلالات الدينية والسياسية المتّفق حولها إذ انتقل إلى عنصر مكمّل لزيّ "دنيويّ" تضبطه قوانين أخرى، وصار مرتبطا لدى بعض الفئات بالموضة وبات معبّرا عن اختيارات ثقافية لا تتطابق في كثير من الحالات، مع الالتزام السياسي أو الدينيّ.

وإزاء هذه الحالة من التشويش في العلامات والدلالات كان على القيادات أن تتدخّل لتضبط المشهد النسائي "لنساء النهضة" داخل المجلس التأسيسي ثمّ مجلس الشعب. ولم يكن أمام 'النائبات النهضاويات في البرلمان' إلاّ الالتزام بضوابط (من حيث الألوان والأشكال ...) فرضها التموقع الجديد للنساء وللحزب على حدّ سواء. ومن يتابع المظهر الخارجيّ الذي كانت عليه محرزيّة العبيدي مثلا قبل توليّها إدارة المجلس وبعده يتفطّن إلى التغيير الجوهريّ في اللباس وفي شكل الحجاب، ومن يعرف بعض من ترشّحن على قائمة حزب النهضة يدرك التغيير الطارئ على زيهنّ بما يؤكّد فرض الوصاية على المترشحات والتحكّم في أجساد من ينتمين إلى حزب بمرجعيّة دينية بهدف تمييزهنّ من سائر المحجبات اللواتي ترشحن على قائمة أحزاب منافسة تنتمي إلى 'الكتل التقدمية، اليسارية..."

وليس التحكّم في أزياء الناشطات النهضاويات والمتموقعات في الهرم السلطوي إلاّ علامة على وعي قيادات الحزب بأنّ صورة النساء لابدّ أن تخدم صورة الحزب في ثوبه الجديد Newlook ولا يختلف الأمر بالنسبة إلى الرجال إذ سرعان ما قلّ حضور الملتحين وكثر اللجوء إلى رابطة العنق.

  • إرادة الشيخ والتلاعب بصورة النهضاويات

لم تطل مدّة استمتاع النهضاويات بمواقعهنّ الجديدة إذ سرعان ما فرض الشيخ رؤيته الخاصّة لحضورهنّ في "المشهد السياسي" ولذلك صار البحث عن غير المحجبات تقليدا مع كلّ سباق انتخابيّ. وبعد أن كان الرهان على الأصالة في مقابل التغريب، والوعي في مقابل الاستلاب، والوفاء للهوية العربية الإسلامية في مقابل الوفاء لفرنسا...بات من المقبول دمج العناصر الجديدة في الحزب إعلانا على انفتاحه و'تسامحه' وإيمانه بالإدماج السياسي واحترامه للاختلاف والتنوّع. وقد أفضت هذه السياسات الجديدة إلى انتباه النهضاويات إلى أنّ مكانة النساء داخل الحزب ليست مرتبطة بأدائهنّ ووفائهنّ للحزب مثلما توهّمت ذلك حياة عمري وأخريات بل هي مرتبطة بإرادة الشيخ. ثمّ إنّ طموح النهضاويات لا يقاومه الرجال فحسب بل ثمّة إرادة عليا تدفع وتحفّز وتفتح المسالك الوعرة وهي متى قرّرت تغيير قواعد اللعبة فإنّها تتحوّل إلى عصا رادعة وقوّة تكبح طمع النسوان ومزاحمتهنّ للرجال، وهو أمر يثبت مركزّية الشيخ وهيمنته على مصائر النساء، وإن كان الخطاب الذي نسجته النهضاويات يؤكّد العكس، ولكن بين المعلن والمضمر مسافة تسمح لنا بالتفكيك.

وعندما تتدخّل إرادة الشيخ يغدو الصراع بين النسوان مبرّرا: بين اللواتي قدّمن خدمات للنهضة وناضلنّ و....والانتهازيات الجدد اللواتي يبحثنّ عن مصالحهن الشخصية، بين المحجبات والسافرات، وبين الجيل الأوّل من السافرات "المعتدلات" كسعاد عبد الرحيم والجيل الجديد من النهضاويات من الشقراوات وصاحبات 'السراويل الممزّقة' والنظارات الزرقاء.

وهكذا تغيرت المعايير وأربكت الصور النمطية والتمثلات فما عادت المرتدية للحجاب "خوانجية ظلامية" وما عادت "السافرة متقدّمة ونسوية" واستطاع الشيخ السياسيّ استقطاب البعض وإقناع البعض الآخر بالانضباط والتضحية في سبيل الحزب. وبالرغم من علمنا بوجود مقاومة نسائية داخل الحزب إلا أنّها لا ترقى، في نظرنا، إلى مستوى الحركة القوية التي بإمكانها أن تفضح كيف استطاع الشيخ تشيئ النساء وتحويلهن من كائنات "كرّمها الإسلام" إلى أدوات لخدمة الحزب، وكيف تمكّن من اقتناص المولعات بالسلطة وأوهمهنّ بأنّهنّ ورقة رابحة.

عندما تغيب البرامج والحلول للأزمات الاقتصادية والسياسية تتغير قواعد اللعبة وتنقل المعارك إلى فضاءات أخرى تنحو منحى إعادة ترتيب العلاقة بين الذكورة /الأنوثة والأنوثة /الأنوثة.... وذلك مشروع قلّما انتبه له المحلّلون السياسيون والمتابعون للإسلام السياسي.   

وسوم
شارك :