تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

:شارك

«الغنّوشي» والاستيلاء على «ذاكرة» الحركة الإصلاحيّة التونسيّة

0
شارك :

شكري المبخوت

إذا غضضنا الطرف عمّا اعتبره الغنوشي في وصف الاستقلال بأنّه "صفقة" تضمنت بندا سرّيّا لإجهاض مشروع التحديث في إطار عربي إسلاميّ تكفّل به بورقيبة وحزب الدستور فإنّ بناءه على نحو شخصيّ غير موضوعيّ لما اعتبره عوامل تحديث من الداخل يحتاج إلى بسط ونقد.

فالبيّن في تصوّر الغنّوشي للتاريخ الثقافي التونسيّ المعاصر أنّ اللحظات الأساسيّة فيه ترتبط بالزيتونة ورجالها دون غيرهم. ولئن اعترف للوزير خير الدين بالفضل في العمل على تحديث الدولة ومؤسساتها فإنّ حديثه تركّز على "أسلمة" أبي النهضة التونسيّة كما كان يلقّب وإنجازاته.

فلمّا كان من المتعذّر عليه أن يربطه مباشرة بالجامع الأعظم إذ قدّمه على أنّه رجل سياسة واقتصاد ضعيف الثقافة الدينيّة، وهذا غير ثابت بحسب التنشئة التي تلقاها في البسفور مع أبناء تحسين بك مالكه وهو طفل رقيق علاوة على ما يؤكّده بعض الدارسين من دراسته التفسير والحديث وحفظ القرآن، فقد ربطه بطريقة ما بالزيتونة إذ "أعدّ [له] المادّة الدينيّة لهذا الكتاب [أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك] مشايخ في جامع الزيتونة".

وبالمقابل رأى الغنوشي أنّ خير الدين كان "إسلاميّا شديد الغيرة على الإسلام مؤمنا بصلاحيّة وعظمة شرائعه". وعلى هذا الاعتبار فإنّ التحديث الذي نادى به وعمل من أجله وقادة كان "يستهدف الدفاع عن الإسلام واستيعاب الثقافة الحديثة ولكن في إطار إسلاميّ".

إنّ هذه القراءة التقريبيّة لسيرة خير الدين التونسيّ القائل بالاقتباس من الغرب لأنه لا يتعارض مع الإسلام أدخله بها الغنّوشي إلى نادي الإسلاميّين كما تصوّره هو ليجعل منه جدّا من أجداد الحركة الإسلاميّة في تونس التي يقودها (الغنوشي) بنفسه منذ تأسيس الجماعة وبداية الدعوة الإسلاميّة أوائل السبعينات. فالمهمّ، عنده بعد ليّ عنق التاريخ، أن يكون إسلاميّو اليوم امتدادا لجدّ نهضويّ يرثونه فينافسون عليه الحداثيّين التغريبيّين عملاء فرنسا الذين يحاربون الإسلام وعلى رأسهم بورقيبة رأس "التحديث المغشوش المتطرّف" والانحراف والشرّ.

علاوة على ذلك، يكفي أن تكون لمصلح مّا في التاريخ الثقافي التونسي صلة بجامع الزيتونة حتّى يتبنّاه الإسلاميّون. فمن طريف "مراجعات" الغنّوشي و"قراءته" الانتقائيّة المغرضة لهذا التاريخ أنّ مجلّة الأحوال الشخصيّة، إذا استثنينا منها "عناصر مناوئة للإسلام" من قبيل التبنّي وتضييق حقّ الطلاق وإباحة العلاقات الحرّة... إلخ، كانت "امتدادا لإصلاح طالب به الزيتونيّون".

وتدعيما منه لهذا الوهم الذي يقصد إلى تثبيته حقيقةً يدعو التونسيّين إلى الأخذ بها يذكر "بعض خرّيجي الزيتونة مثل الطاهر الحدّاد"... نعم الطاهر الحدّاد صاحب "امرأتنا في الشريعة والمجتمع". فيستنتج، بطريقة بهلوانيّة، من دراسة الحدّاد في الزيتونة أنّ المجتمع التونسيّ "كان يطالب بتحديث في الإدارة وفي الأسرة وفي نظام الدولة وفي الأدب واللغة" (يذكر هنا الزيتوني الآخر رفيق الحدّاد أبا القاسم الشابّيّ).

ونحتاج إلى كثير من الغفلة وأكثر من حسن الظنّ لنصدّق مثل هذا الكلام عن الحدّاد.  فحياة الحدّاد وتجربته الفكريّة والسياسيّة والنقابيّة وكتاباته تنقض التصوّر العام الذي يقدّمه الغنوشي عن صراع تياري التعريب والتغريب في تونس.

فقد ذكر الغنوشي نفسه أنّ الحدّاد في كتابه "تجاوز في بعض مواطنه الحدود الشرعيّة". وليس الإشكال هنا بل الإشكال في التغاضي المتعمّد عن موقف شيوخ الزيتونة الكبار وحتى الصغار من الحدّاد وكتابه. فتكفير النظارة العلميّة للجامع الأعظم ورسالة الشيوخ، مالكيّين وأحنافا، محمّد الطاهر بن عاشور (صاحب التحرير والتنوير) ومحمّد بن يوسف وعبد العزيز جعيط وبلحسن النجار ومحمّد بن القاضي إلى الوزير خليل بو حاجب مطالبين بحجز الكتاب لاشتماله على "مخالفات شرعيّة وأقول لا يسع المسلم السكوت عليها" تقوم دليلا على انّ هذا الزيتونيّ كان منشقّا يمثّل فعلا تيّار التحديث داخل الفكر الإسلاميّ ضدّ تيّار المحافظين من شيوخ الزيتونة. وهذا على عكس ما زعمه الغنّوشي من أنّ تيّار التعريب كلّه كان مؤمنا بالتحديث وأنّه لا وجود في تونس لصراع بين المحافظين والتحديثيّين.

وهو من جهة أخرى يمثّل حجّة ضدّ الغنّوشي ونظرته إلى الإسلام. فالغنّوشي في مواجهته لانشقاق اليسار الإسلاميّ عن الجماعة ظلّ متشبّثا بموقف قريب من الفهم الحرفيّ الإخوانيّ مفاده التزام المسلم "بنصوص الكتاب والسنّة" و"اعتبار "المشرّع هو الله تعالى" و"الشريعة ثابتة بينما الفقه ينبغي أن يتطوّر بتطوّر أحوال المجتمع" على نحو لا نفصّل فيه القول إذ يكاد يقتصر هذا التطوّر عنده عموما على المفاضلة بين الآراء الفقهيّة القديمة. بيد أنّ تمييز الحدّاد بين "ما جاء به الإسلام" وما "جاء لأجله الإسلام" ضمن فهم مقاصديّ تاريخيّ ورؤية تأويليّة مغايرة تماما للرؤية الحرفيّة الإخوانيّة الأصوليّة السلفيّة يضع موقف الغنّوشي وتصوّراته في أزمة. فأقرب الإسلاميّين من فكر الحدّاد هم من انشقّوا عن الجماعة الإسلاميّة في السبعينات أي تيّار الإسلاميّين التقدّمييّن وشخص آخر هو عميل فرنسا بالنسبة إلى الإسلاميّين ونقصد الحبيب بورقيبة.

وإضافة إلى أسلمة خير الدين وإدخال الحدّاد إلى نادي الإسلاميّين الذي سيظهرون بعد ما يناهز الأربعين عاما من وفاته معزولا مقهورا واصل الغنّوشي السطو على أبرز وجوه الإصلاح والتحديث في تونس. فعبد العزيز الثعالبي يمثّل عنده جملة من الرموز. إذ هو حسب قوله ممثّل "الجناح العربي في حركة الشباب التونسيّ" أوّلا و "المؤسّس الرئيسيّ للحركة الوطنيّة" ثانيا و"امتداد لحركة الجامعة الإسلاميّة بقيادة محمّد عبده وجمال الدين الأفغاني" ثالثا و"امتداد لمشروع خير الدين الإصلاحي المجهض" رابعا.

ولئن كنا لا ننازع كثيرا في هذه الصفات التي أسندها الغنّوشي إلى الثعالبي مع تحفّظنا على بعضها فإنّ اعتبار تيّار التغريب و"جيل المدرسة الفرنسيّة" بقيادة بورقيبة وانشقاق الحزب الدستوري الجديد قد همّش الثعالبي و "شكّل قطيعة مع تونس العربيّة المسلمة" يحتاج إلى تثبّت ونقاش.

فممّا ينبغي أن يذكر هنا أنّ الحدّاد وبورقيبة ينتميان إلى الحزب الذي أنشأه الثعالبي ثمّ انشقّا عنه لاعتبارات لا صلة لها بالموقف من الإسلام. فمن وقف ضدّ التجنيس بضراوة منذ 1924؟ ومن دافع عن الذاتيّة التونسيّة إلى حدّ الدفاع عن حجاب المرأة المسلمة دفاعا تكتيكيّا ظرفيّا؟ ومن ندّد بالمؤتمر الإفخرستي؟

هل دافع عن هذه الهجمات الاستعماريّة شيوخ الزيتونة الذين رفضوا في فتاواهم الربط بين الدين والجنسيّة وكان كبارهم ضمن من حضروا المؤتمر الإفخرستي أم واجهها بورقيبة والحدّاد بكتاباتهما ضدّ ذوبان الشخصيّة التونسيّة والمسّ بالهويّة الدينيّة للتونسيّين؟

وهل قرأ الغنّوشي (وغيره ممن يزعم أنّ الإسلاميّين ورثة الثعالبي) حقّا ما كتبه الثعالبي في "روح التحرّر في القرآن" وموقفه من فرنسا؟ وهل يعرفون سياق تأليف ذلك الكتاب وعلاقته بالاستعمار الفرنسي للمغرب باسم "التسرّب السلميّ"؟ وهل قرأوا مقاله في مجلّة "المنار" لرشيد رضا سنة 1903 وقد نكّل فيه بشيوخ الزيتونة تنكيلا كاد أن يحكم عليه بسببه بالإعدام؟

قد نتفهّم انغماس قادة الإسلام السياسيّ التونسيّ، وعلى رأسهم الغنّوشي، في معاركهم من أجل السلطة ولكنّ من يقدّم نفسه منظّرا يحتاج إلى بعض النزاهة التاريخيّة بعيدا عن الانتقائيّة والبتر والتطويع والتوظيف السافر.  فالثابت أنّ هذا الجسم المسمّى الإسلام السياسيّ في تونس ولد مشرقيّا (ولا عيب في هذا مبدئيّا) وحين أراد أن يتجذّر في التاريخ الثقافيّ التونسيّ (وهذا أمر حسن في حدّ ذاته) طفق يزيّف التاريخ بحثا عن موطئ قدم في تربة التحديث على الطريقة التونسيّة. لكنّ الوقائع عنيدة ولا تكفي النيّة لتحقيق المآرب... خصوصا إذا كانت على حساب التاريخ ذات طابع سياسيّ ظرفيّ ترمي إلى الاستيلاء على الذاكرة الإصلاحيّة والوطنيّة لكلّ التونسيّين وتوظيفها في معركة سياسيّة لا تجمع بل تفرّق وتؤكّد مفهوم الفرقة الناجية مقابل فرقة الضلال المبين الذي يمثّله التغريبيّون من بورقيبة العميل الكافر إلى أبنائه من اليساريّين أعداء الإسلام.        

وسوم
شارك :