تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الهروب من تونس: بلد يطرد أبناءه

شارك :

الجميع يريد الهرب من تونس. المثقفون والجامعيون وأصحاب الشهادات العليا يبحثون عن فرص عمل في الخارج من خلال طرق نظامية. الشباب العاطل من العمل والفقراء الهامشيون يبحثون عن خيوط ومسارب الهجرة غير النظامية بحراً على متن القوارب الخشبية المتهالكة. فكيف تحوّلت كل الآمال والطموحات التي خلقتها ثورة 2011، موجة إحباط عاتية؟
 
لكن اللافت في الموجات التونسية الجديدة، للهجرة غير النظامية نحو الضفة الشمالية للبحر المتوسط، التحوّلات النوعية التي طرأت على أجناس المهاجرين وأعمارهم، إذ تم تسجيل العديد من حالات الهجرة الجماعية للعائلات وكذلك النساء. ووثّق نشطاء على شبكات التواصل الاجتماعي العديد من الصور ومقاطع الفيديو التي تظهر فيها عائلات وأطفال ونساء على متن قوارب صغيرة في طريقها إلى جزيرة لامبيدوزا الإيطالية.
 
ويفسّر التقرير السنوي للهجرة غير الشرعية في تونس الذي نشره المنتدى التونسي للحقوق الاجتماعية والاقتصادية، مطلع جويلية الماضي، هذه التحولات النوعية، بخاصة تلك المتعلقة بهجرة النساء، بأسباب اقتصادية، واصفاً الهجرة في تونس بأنها مشروع عائلي.
 
ويؤكد التقرير أن ''الجامع بين الإناث والذكور في تونس هو التهميش والإقصاء من بطالة وحرمان وفقر وسياسات حكومية، صدّرت لهم مناخ الخيبة والإحباط. وبالتالي فالأسباب الرئيسية لهجرة النساء بطريقة غير نظامية، مثلها مثل أسباب الذكور، وهي أسباب اقتصادية، ولكن المفارقة بينها وبين الذكور، أن الحاصلات على شهادات جامعية لا يصعدن قوارب الموت إلا في حالات استثنائية، فأغلب من يقمن بهذه المغامرة ذوات مستوى تعليمي محدود على عكس العديد من الذكور الحاصلين على شهادات عليا والذين يقدمون على هذه المغامرة".
 
وتعود أسباب هجرة النساء التونسيات بطريقة سرية الى "هروبها من الوصم الاجتماعي على إثر خلافات عائلية ونزاعات أو للالتحاق بزوج أو قريب خارج الوطن". ويخلص التقرير إلى أن "الهجرة غير النظامية هي حركة احتجاجية رافضة للوضعية الهشة، يمكن وصفها سيكولوجياً باﻟﻼﺣﺮﻛـﺔ الاجتماعية، وانطلقت من محاولات فردية خلال التسعينات إلى أن تحوّلت سلوكاً جماعياً احتجاجياً، حاملاً في طياته الغضب من مسار الحكم وعدم الرضا والبقاء تحت خيارات حكومية لم تلبّ الحاجات الاجتماعية".
 
من الواضح أن قضية الهجرة غير النظامية لن تتوقف في المدى القريب أو حتى المتوسط لاعتبارات داخلية وخارجية. العامل الداخلي الأول والمركزي هو الأزمة الاقتصادية التي تعيشها تونس. فغياب فرص العمل والاستثمارات الداخلية والخارجية يدفع الشباب للمضي بعيداً بحثاً عن حياة أفضل. كذلك الإحباط "ما بعد الثوري" الذي أعقب الثورة لدى قطاعات واسعة من الشباب يعدّ دافعاً مهماً لرحلات الهجرة.
 
أما العوامل الخارجية فهي أساساً، السياسة الأوروبية التي تتعامل مع ملف الهجرة كملف أمني فقط من دون النظر إلى الجوانب الاقتصادية والاجتماعية. فالسياسة الأوروبية تضغط على دول جنوب المتوسط، ومن بينها تونس وليبيا، لمنع قوارب الهجرة من دون أن تُعدّل سياستها في تقنين العمل على أراضيها وسياسة منح التأشيرات لمواطني هذه الدول.
 
في العام الماضي، أطلق الاتحاد الأوروبي عملية أمنية تحت اسم "صوفيا" لمنع قوارب الهجرة من الوصول إلى إيطاليا في محاولة للحد من التدفق المستمر للمهاجرين، لكن ذلك لم يحُل دون تدفق المزيد، فيما تشير معظم التقارير إلى الفشل الذريع للسياسة الأمنية التي يتوخاها الأوروبيون في هذا الملف.
 
فغياب التنسيق الأمني بين دول الانطلاق، وهي تونس وليبيا أساساً، بسبب الأوضاع الأمنية التي تعيشها ليبيا، جعل شبكات تهريب البشر تنشط كثيراً. فقد تحوّلت ليبيا قاعدة انطلاق أساسية لهذه الشبكات، وإليها يأتي المهاجرون الراغبون في الوصول إلى سواحل أوروبا من كل مكان، من دول أفريقيا جنوب الصحراء، من تونس ومن مصر. بعضهم يتمّ إلقاء القبض عليه فيما يتعرض كثير منهم لانتهاكات مختلفة كالخطف والاغتصاب أو حتى التجنيد في صفوف الجماعات الإرهابية، ويموت العشرات منهم في عرض البحر، بل حتى الذين يصلون الى الأراضي الأوروبية تتقطع بهم السبل ويعيش بعضهم ظروفاً قاسية كالبطالة والتشرد في الشوارع، فيما ينخرط بعضهم الآخر في شبكات الجريمة أو الإرهاب. وعليه، فإن لا حل لهذه المعضلة إلا بالتنسيق بين دول جنوب البحر المتوسط وشماله لصوغ استراتيجية متكاملة، تشمل إيجاد حلول اقتصادية واجتماعية للدول التي ينطلق منها المهاجرون بدلاً من تبديد الملايين في عملية أمنية ذات مفعول وقتي ولا تقدم حلاً جذرياً للمشكل".
 
وتؤدي هجرة الكفاءات الى تفريغ البلاد من الأطباء والمهندسين والأكاديميين الذين تعلموا لسنوات في جامعاتها. وتشير دراسة نشرها المعهد التونسي للدراسات الإستراتيجية (حكومي) إلى أن 80% من الأساتذة الجامعيين ينوون الهجرة. ووفقاً لتقرير التنمية البشرية في العالم العربي لعام 2016، فإن تونس تأتي في المرتبة الثانية عربياً في هجرة الكفاءات العلمية إلى الخارج، وبخاصة في مجال الطب البشري.
 
وتحاول العديد من الدراسات والمسوح الاجتماعية حصر أسباب تنامي معدلات هجرة الشباب التونسي بالقضايا الاجتماعية والاقتصادية، وبخاصة بمسألة تفاوت الأجور بين تونس ودول الاستقبال، أوروبا والخليج العربي، غير أن هذا التفسير الاقتصادي لا يبدو كافياً في تفسير الظاهرة، لأن تفاوت الأجور ليس جديداً، كي يتحوّل عاملاً محدداً لتنامي معدلات الهجرة النظامية للكفاءات العلمية، لأن الفوضى الإدارية القائمة في البلاد وضعف تقدير الكفاءات وتعطل سياسات البحث العلمي، أصبحت تدفع المئات للهجرة والبحث عن فرص أحسن للمضي في مسار أكاديمي ومهني أفضل.

الكلمات المفاتيح:
شارك :