تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

المشهد التونسي: الشروع في سياسة «التمكين» تحت جناح الظلام «الكوروني»

شارك :

نائلة السليني

بات معلوما أنّ الإخوان لا يفرّطون في أحلامهم البتّة، وأنّهم لا يرون مستحيلا في تطبيقها، ولذلك فأنت تجدهم يتحلّون بصبر أيّوب، ينتظرون اللحظة المواتية لاقتناصها وتذليل العقبات في سبيل تحقيقها. وقد اقتنع الغنوشي أنّ نظرية التدافع عن طريق الدعوة الصريحة لن تجدي نفعا، فاختار تطبيق سياسة الكرّ والفرّ، والإيمان يحدوه أنّه بالغ مطمحه لا محالة لأنّه أمكر الإخوان وأدراهم بكيفيات سياسة الأمور. ولذلك تميّز بالطرافة في كلّ مرحلة يمرّ بها الشعب التونسي، فأمكنه أن يتسرّب إلى الممارسات اليومية دون أن يشعره بذلك وتحكّم في طرق تفكيره وهو الكافر به لأنّه انغرس في معتقداته، وامتلك حبائل تفكيره وتلوّن بها. ولذلك كان الغنوشي في كلّ مرّة يخرج منتصرا بالرغم من أنّه لا يمتلك من الأتباع سوى قلّة قليلة لا تتجاوز نسبتها 20 بالمائة.

عشر سنوات مرّت، وتونس ترزح تحت حكم الإخوان، عشر سنوات مرّت والإخوان يحكمون وينكرون أنّهم في الحكم.. وفي الحقيقة هم صادقون، لأنّ لديهم رؤية في الحكم مختلفة عن التي نعرف، ولأنّهم مطالبون بفتح البلاد وفرض الخراج على العباد في سبيل إعادة إرساء الخلافة الضائعة، سيما وأنّ هذا المشروع وجد في أرض تركيا مستقرّا.. وسيما وأنّ أردوغان قد بويع خليفة وانتصب حاكما، ثمّ تحوّل إلى رسول ينشر دعوة الخلافة الإخوانية في الإيالات الضائعة..

منذ عشر سنوات والغنوشي يشتغل إلى جنب أردوغان سعيا إلى أن تكون تونس أوّل إيالة تُستردّ.. وطيلة هذه السنوات العشر كان المجتمع المدني متيقّظا لكلّ شاردة يفهم منها تمهيدا للحضور العثماني التونسي على أساس علاقة السيد بعبيده.. وطيلة عشر سنوات أيضا كان الغنوشي سريع التراجع في كلّ مشروع يلاقي معارضة واحتجاجا، لأنّه يدرك جيدا أنّ المحافظة على بعض المكتسبات تفرض التفريط في البعض الآخر إلى أن يحين وقت اقتناصها ثانية.

أَوجُه اشتغال الغنوشي مع أردوغان كانت واضحة لمن يدركها: فالزيارات المتكرّرة إلى إسطنبول، ودون الإعلان عن موضوعها تكاد تكون كلّ شهرين، وكم ثارت حفيظة المجتمع المدني في اعتبار أنّ الغنوشي لا يجد حرجا في إفشاء أسرار البلاد.. ونذكّر بالزيارتين اللتين قام بهما أروغان إلى تونس، الأولى في عهد الباجي، ورفعه يد رابعة حتى توثّق الصورة إعلاميا، وفي إشارته تحدّ صارخ لهيبة تونس وللشعور الجمعي التونسي، وتعبير على أنّ الإخوان هم من يحكم قصر قرطاج.. والزيارة الثانية الفجئية التي قام بها بُعيد تنصيب سعيد، وتصرّفه الذي نُعِت " بالأرعن"، ولكنّه في الحقيقة رسالة حرص الرجل على تمريرها إلى التونسيين للتعبير على أنّه سيد القصر الأوّل وما سعيد سوى عامل من عمّاله.. أمّا الأسباب الأصلية في هاتين الزيارتين فهي ترجع إلى فرض القوة الاقتصادية التركية على البلاد التونسية وفرض الحضور العسكري التركي لتكون تونس عبارة عن جسر مفتوح يتمكّن منه الخليفة الإخواني من العبور إلى بقية الإيالات التي ظلّت على رفضها لإعلان التوبة ودخول بيت الطاعة. ولكم في الخط البحري الجديد بين صفاقس وطرابلس هذه الأيام خير دليل.. والله وحده أعلم بمحتويات البضاعة المنقولة إلى تركيا.

لذلك نعتبر أنّ الفخفاخ كان الرجل المناسب في الوقت المناسب، وهو أحسن خلف للشاهد الذي ظلّ طيلة فترة حكمه يمشي على أطراف الأصابع حتى لا يقلق هناء الغنوشي.. وكما ترون فإنّ الفخفاخ يظلّ ذلك الجامع بين جهتي الحكم في تونس: جهة قرطاج وجهة باردو. ولعلّ النظر في سبب ترشيح سعيد له يبقى حلقة مفقودة ستتضح معالمها في المستقبل، وإن كنّا نميل إلى أنّ آخر هدية قدّمها الشاهد للغنوشي هي في اقتراح فخفاخ لرئاسة الحكومة، وقد يكون الأمر اتفاقا بين الرجلين ليتمكّن الغنوشي من كتابة ذلك السيناريو المليء بالتحفّظات، وتلهية الناس بشطحاته البهلوانية التي توحي بإمكانية رفض هذه الشخصية وحرمانها من ثقة الأغلبية في مجلس النواب. قام بذلك الغنوشي استنادا إلى ضعف ذاكرة التونسي، وخاصّة عندما توجّهت المواقف نحو مساندة الفخفاخ لا لشيء سوى لأنّه محلّ تحفّظ من الإخوان..

اعتبر كثير من المختصّين الذين لهم دراية بمراوغات الإخوان أنّ هذا التحفّظ ليس سوى جهاز واق يضمن به الإخوان تزكية هذا الرجل، والسبب بيّن إذا ما استحضرنا تاريخ الفخفاخ القريب عندما كان وزيرا في حكومة الترويكا، سيما وأنّ النهضة تحسن انتقاء اللين الطريّ: و الفخفاخ أفضل مثال على ذلك ،فهو الذي فعّل قانون العفو التشريعي العام لما يقارب 12000 منتفع عندما كان وزير العريض للمالية، وشمل هذا العفو حتى الذين بلغوا سنّ التقاعد فأصدر أوامر بانتفاعهم بكامل الامتيازات التي يكتسبها أيّ موظّف تكفّل بتغطية كامل سيرته الوظيفية. ولا نبالغ إن قلنا إنّ في تفعيل الفصلين 32 و33 كان له تأثير بالغ في إفلاس الصناديق الاجتماعية وتهديد بفراغها. لم يكن للنهضة إذن أن تخذل من أثبت عزمه على الانتصار لمواقفها، وقدرته على تنفيذ وعوده. وما عشناه في تلك الأيام من شهر جانفي الأخير ليس سوى مناورات وهمية لتضليل الرأي العامّ لا غير.

وهنا بيت القصيد: ونعود إلى موقف الغنوشي التاريخيّ في حمّى الانتخابات عنما قال إنّهم سيحكمون في قرطاج والقصبة وباردو.. استهزأ منه الكثيرون بما فيهم الأحزاب، لكن الرجل أعلن بموقفه ذاك أنّهم نجحوا في جميع المراحل الأولى للدعوة، وأنّهم سيدخلون بثبات إلى مرحلة التمكين، مرحلة لن يكون بعدها سوى التحكّم في جميع مفاصل الدولة والمجتمع معا.. مرحلة يستقوي فيها الإخواني، ولا فرق بعد ذلك بين إخوانيّ تونسي أو مصري أو سوداني أو أردني أو إماراتي.... إنّه قيام الخلافة وأبواب النصر ستفتح من تونس..

وجب إذن أن تشتغل جميع الأجهزة الإخوانية حتى تحكم وثاق النصر: الغنوشي، بعد أن افتكّ كرسي رئاسة مجلس النواب، وبعد أن أحاط نفسه بسياج أمني إخواني، ولا عين غريبة تراقب، وبعد أن كسا ديوانه بأبهى الحلل وأفخم الأثاث الذي يليق بوجه الخلافة.. حوّل أسرار تونس إلى شبّاك مجلس النواب ليرسلها تباعا إلى خليفته أردوغان ويتلقّى الأوامر في كيفية تسيير أمور البلاد.. ظلّ يتنقّل إليه والطاعة تكسو محياه. وفي الأثناء.. أين هو سعيد؟؟؟ وفي الأثناء ألم يأمر الفخفاخ بحبس الناس في بيوتها لتفريقها بدعوى محاربة الكورونا.. ولعب وزير الصحّة الإخواني دور البطولة...مرّة يخطب وقد كسّر قانون الحجر.. ومرّة يخرج علينا بمنديل أبيض.. رمز المهارة والحرفية.. وأخرى يقوم بقيادة سيارته متفقّدا أحوال الرعية.. وبماذا كان الفخفاخ يتلهّى؟؟؟ إنّه يتلهّى بتعيين مستشارين، وقيل إنّه ينوي تعيين 11 مستشارا بدءا بالإخوان، أحدهما برهن عن فشله في مسؤوليات سابقة والآخر يحمل رمزية بليغة، هو ابن أحد عناصر الجهاز السريّ الإخواني، ومالك لقناة تلفزية مارقة عن القانون وله من الرصيد المالي ما يمكّنه من خلاص تكلفة البثّ بالساتيلايت بالعملة الأجنبية.. ومع ذلك يتربّع كرسي وزارة وهمية لينهب مزيدا من أموال الشعب.. لقد تربّع الفساد الإخواني الأسود سدّة القصبة يا سادتي، فاكتسب شرعية..

وفي هذا الظرف كان الوحيد الذي يشتغل بجدّية وحزم هو الغنوشي وجماعته.. يشتغل لتحقيق نصر قريب، كيف لا وقد بدأ في إعداد الوثائق والمراسيم التي ستجعل من تونس إيالة عثمانية بحق، وما سيقدّمه يذكّرنا ببيع خير الدين هنشير النفيضة لفرنسا. وما سيعرضه على مجلس النواب يعدّ بحق كارثة تفقد من خلالها تونس شخصيتها باعتبارها دولة مستقلّة: فالوثيقة الأولى المعروضة للمصادقة هي "قانون التشجيع والحماية المتبادلة للاستثمارات"، وثيقة تركية مشحونة بالمغالطات، فالقاصي والداني يعلم جيدّا أن تونس غارقة في السوق التركية، وليس هناك تبادل البتّة. وتحت غطاء الاستثمار سيتمتعون بجميع الامتيازات الجبائية، أمّا الاتفاقية الثانية فهي مع قطر، وعنوانها "قانون مقرّ للصندوق القطري للتنمية" وبها سيكون لقطر الحرية المطلقة، ودون تدخّل من الدولة التونسية، له الحرية المطلقة في مجالات كثيرة: في مجال الطاقة والصحة والفلاحة والصيد البحري، الصناعة، السكن، السياحة، والأخطر أنّه صندوق معنيّ بالتربية والبحث العلمي…أي وباختصار جميع المجالات التي تعتبر من مشمولات الدولة.. وباختصار أيضا سيؤسس مجلس الغنوشي دولة موازية داخل الدولة التونسية. ولعلّ الكارثة الكبرى تكمن في الفصل السابع من المشروع وخاصّة الفقرتين 5 و6، فصل يعتبر استقدام عمّال من خارج البلاد التونسية من مشمولات هذا الصندوق، ومن حقّه مشاركة الدولة في المشاريع، وأن تلتزم الدولة بعدم اتخاذ أي إجراء من شأنه أن يعيق المشاريع التي يساهم فيها الصندوق وليس للدولة التونسية سوى توفير الحماية لا غير. يقدّم الغنوشي هذا المشروع عندما اطمأنّ إلى أنّ الاقتصاد التونسي انهار وتلاشى، والمؤسسات وصناديق التنمية في حال احتضار.. فهل يوجد وفاء إخواني أعظم من هذا الوفاء!!!! أجل يا غنوشي "طز في تونس" كما قال أخوك عن مصر، وعلى كلّ حال سوف تكون في أمان بما أنّ تونس ستتحوّل إلى ولاية من ولايات أردوغان، وفتحت أرضها فتح صلح لا عنوة..

هذا هو المشهد السياسي المقيت الذي يختنق التونسيون اليوم بغازه، بعد أن سجنوا في بيوتهم.. في عهد قيل لهم إنّه عهد الوباء.. ولكن هناك وباء أمرّ وأمقت.. إنّه وباء التمكّن الإخواني الذي يهدّدنا.. تمكّن سمح لهم من أن يرتعوا في تونس وقد تحولت شوارعها مقفرة.. وإن علا صوت في أحد أرجائها فهو صوت إخوانيّ لا محالة يرنّ ليعود إليه الصدى.

الكلمات المفاتيح:
شارك :