تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

المسلم اليوم في مواجهة محنة الفناء

شارك :

نائلة السليني

أثبت النظر في تاريخ الطواعين ببلاد العرب أنّهم تعايشوا مع هذا الوباء. ولعلّ في كثرة الرسائل التي دوّنها القدامى في هذا الوباء ما يقيم الدليل على أنّه مرض قيّد المجتمعات السالفة وأذلّها وهدّد أمنها، وكان له حضور في المشغل الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.

وعلى سبيل التذكير نكتفي بما أوردناه في المقال السابق من أمثلة تثبت بالدليل أنّ المجتمعات الإسلامية في زمن الجوائح مثلُها مثلُ غيرها من المجتمعات التي تعيش أبشع نتائج المجاعة، إذ تغيب القيم وتندثر العلاقات الإنسانية ودلالاتها الدينية ورمزيتها الاجتماعية، ونكتفي في هذا المقال بالنظر في حال المجتمعات الإسلامية اليوم وهي تواجه محنة الكورونا؛ مع أنّنا ندرك جيّدا أنّ المقارنة بين الكورونا وجائحة الطاعون الأسود أو الطاعون الجارف مثلا لا تستقيم البتّة ، لأنّ ما عاشته المجتمعات في محنة هذين الطاعونين جعلها تواجه الموت عارية من كلّ سلاح، وليس لها من أمل سوى انتظار موت كريم، موت لا يجعل منها جثثا مترامية أكواما..

الطاعون الذي نعيشه اليوم هو من النوع الخفيف " اللايت"، ومع ذلك تعيش المجتمعات بمختلف عقائدها حالا من الذعر، تضع المؤمن في مواجهة مع ما تلقّنه من عقائد. كيف ذلك؟

نحن نعيش لحظة فارقة في حياتنا، هي لحظة يمتحن فيها الإنسان من العامّة إن كان قادرا على تغليب العقل على غريزة حبّ البقاء، سيما وأنّها غريزة حيوانية يعجز الفكر عن ترويضها.. وهي بالأخصّ لحظة فارقة في حياتنا لأنّها تدفع بالإنسان العادي إلى التخلّي عن جميع ما اعتبر مبادئ دينية تنظّم حياته وتحفظ تلك الأنساق التي قيّدته لتضمن الهرم التراتبيّ الضامن لبقاء المجتمع إسلاميا كان أو مسيحيا أو يهوديّا.

 هي لحظة فارقة أيضا لأنّ المتديّن من العامّة يسعى إلى امتلاك مصير دنياه بيديه، ولم يعد مسلّما بفتاوى من تصدّر مفتيا واعظا.. عاشت المجتمعات كافّة مثل هذه اللحظة كلّما واجهوا طاعونا، ومهما اختلفت بينهم العقائد فإنّ مواقف الأفراد هي نفسها، وهي مواقف تميّزت بالخروج عن طاعة المرشد الديني؛ وحمله على اتباع أهواء العوام سعيا إلى الاقتراب من وجدانهم: فقد اضطرت الكنيسة زمن الطاعون الأسود إلى إضافة الجملة التالية في الصلوات" يا مريم، يا والدة اللّه، صلي لأجلنا الان وفي ساعة موتنا”. وصارت المجتمعات في تلك الفترة تحكمها الطيرة والتشاؤم، كأن رأى الأوربيون في اليهود سببا مباشرا في انتشار هذا الوباء. واتهموهم بممارسة السحر الأسود وإغضاب الإله والتسبب في ظهور الطاعون الأسود. فشنّت حملات في ملاحقة اليهود وإحراقهم خاصّة بمدينة تولون بفرنسا وكولونيا بألمانيا؛ وشاع بذلك اعتقاد بأنّ الطاعون لا يفنى إلاّ بفناء اليهود.

وبالمقابل تبرز طوائف ترى نفسها أنّها قد أذنبت في حقّ الله، وأنّ الله بنشر الطاعون قد لعنهم. فتعمد هذه الطوائف إلى أن تجلد أجسادها بالسلاسل والسكاكين وتجول الشوارع مستغفرة متضرّعة من الله راجية الغفران.

فالطاعون إذن لم يكن بمنآى عن المشغل الديني الذي كان حاضرا في المعيش اليومي لحياة المسلم، مثلما كان بمثابة المعدّل لسلوك الفرد في قمّة أزمته مع هذه الجائحة. ونشأت لذلك مرجعية حديثية في الطاعون تستشرف ما قد تمرّ به المجتمعات من محن في قادم العصور، فكانت بذلك مرجعية تعمل على حفظ بقائها في النظر والتحليل لما قد يمرّ به المرء من أزمات. وتوفّرت لذلك أدبيات اشتدّ حضورها كلّما مرّت مجتمعات بمثل هذه المحن.

والناظر في أدبيات الرسائل في الطاعون يستنتج أنّها تنسج خطابا يكرّس ضعف الإنسان أمام هذه الجائحة وفي نفس الوقت يرسم نهجا في سلوك المؤمن: فالطاعون في هذه الرسائل هو رسالة من الله كلّما اشتدّ الزيغ والضلال، وعلى هذا الأساس فهو عقاب من الله ينزل على عباده الظالمين، وصُنعت لذلك أخبار تؤكّد هذا الرأي. فيندرج زكريا الأنصاري، مثلا، في نفس السياق الذي اندرج فيه الأوربيون من اعتبار الطاعون لعنة إلهية، و ينقل عن ابن حنبل أنّ أصله وخز من الجنّ، كما يذهب إلى أنّ البقاء ببلد فيه الطاعون هو ضرب من الرضا بحكم الله، وإن أصيب به المسلم فهو امتحان له وغسل لذنوبه في الدنيا قبل الآخرة، ويستشهد المحدّثون والفقهاء بحديث يذكر فيه أنّ ميت الطاعون هو شهيد ... بينما إن ابتلي به كافر مسيحيّا كان أو يهوديا فهو عقاب من الله... ومن هنا ندرك هذه الجدلية التي أرساها القدامى وحرصوا على غرسها في الوجدان الإسلامي، جدلية قوامها الثواب والعقاب، وحسن الخلاص، وذلك سعيا لتنزيه الملوك والسلاطين وأولي الأمر من تهمة الظلم والفساد والمجاعة، وكذلك الحكم الفاسد، وهي جميعا اقترنت بانتشار الطاعون على مرّ العصور، كما بينّا في مقالنا السابق.

والسؤال: إلى أيّ مدى نجحت مقاربة الثواب والصبر في إقناع المسلم العادي برجاحة هذه النظرية؟ وهل كان للطواعين واقع آخر أثّر في العوام فأصمّ آذانهم وأبكم أفواههم؟؟

نلقي بهذه الأسئلة ونحن نستحضر ما تعيشه المجتمعات الإسلامية وهي تواجه محنة الكورونا. ولعلّ أوّل مشكلة واجهت من صدّر نفسه عالما بالدين تكمن في كيفية قبول قرار الحكومات " ترك الجمعة والجماعة" لما فيه من خطر العدوى، ورغم المحاولات اليائسة بين الحين والآخر فإنّ المجتمعات سرعان ما انضبطت إلى هذا القرار.

 أمّا الأزمة الثانية التي هي اليوم في سبيل الانتشار فهي تتعلّق برفض مجتمعات إسلامية كثيرة أن يدفن موتى الكورونا بمقابرهم. فقد منع العراقيون دفن الموتى في المقابر العامة من قبل القائمين على المقابر والعشائر القريبة، وبقيت الجثث مكدّسة في ثلاجات الموتى ببغداد. وتذكر بعض الشهادات أنّ كثيرا من الجثث تخرج من الثلاجات وسرعان ما تعود إليها لرفض الناس دفنها بمقابرهم. وفي إيران اضطرت الحكومة إلى أن تحفر حفرا كبيرة وبعيدة عن المقابر لدفن الموتى. وفي تونس واجهت عائلات المتوفين ببنزرت والمهدية.. نفس المعارضة

 والسؤال: لماذا هذا الإصرار على عدم دفن من أصيب بالكورونا في مقابر المدينة أو الحي؟ ولا نقول في هذه المسألة " مقابر المسلمين"، لأنّ العامّة من الناس لا ترى في هذه المقابر سوى أنّها قريبة وتحفظ أجساد احباء من الأهل والأقارب. وبماذا نفسّر رفض الناس السمع والطاعة لما يذكره أئمّتهم من أنّ " إكرام الميت دفنه" على سبيل المثال؟ وأنّه ينعم بالشهادة؟ هل إنّنا نعيش لحظة مصادمة بين ما اعتبر قيما ومبادئ دينية نشأ عليها الناس وشبّوا، هذا من جهة، وبين حبّ الحياة وسعي المرء إلى أن يحمي نفسه من كلّ خطر محتمل من جهة ثانية، مرء يعيش أياما خانقة ومنفتحة إلى كلّ التوقعات حتى تتكدّس مخاطر العدوى التي تؤول بالإنسان وذويه إلى الفناء؟ يجيبنا عن هذه الأسئلة التعليل الذي قدّمته هذه المجتمعات، ويمكن اختزاله في العبارة التالية: إنّه الخوف من انتقال العدوى إليهم. وفي هذه القضية اجتهدت المرجعية الدينية الإسلامية في إقناع الناس، لكن دون جدوى. وتدخّل المكلّفون بالصحة وممثلون عن الحكومات لثني الناس عن رأيهم لكن جوابهم كان واحدا" لو كان خطر العدوى قد انعدم لأقيمت بقية شعائر الدفن من غسل للميت وكفنه، ولأقترب منه غير المختصين بهذه الألبسة الواقية.. وبناء عليه فالريبة في احتمال انتقال العدوى إليهم واردة خاصّة أنّ المقابر قريبة من المناطق السكنية".

في الحقيقة يقف الباحث في نقاش هؤلاء المعارضين على مسائل بالغة الأهمّية، وهي تنذر بأنّ عقلية المسلم في زمن المحنة هي عقلية حيّة ومتنامية، عقلية تنذر بأنّ التغيير قد يمسّ ما اعتبر شعائر مقدّسة. فقد شهد النقاش بين هؤلاء ورجال الدين كسرا لحواجز ما كان له أن يحدث بتاتا: كأن اقترحوا، وذلك استئناسا بطريقة الصينيين في تعاملهم مع موتاهم، حرق موتى الكورونا وذلك ضمانا لحرق المرض نفسه، الأمر الذي دفع بالسيستاني المرجعية الشيعية إلى أن يفتي بتحريم حرق المسلم، وكذا كانت فتيا الأزهر التي حذّرت من الحرق..

فإن قلنا إنّ للكورونا تأثيرا على العلاقات الاجتماعية، ودورا في تغيير بعض من التشريعات فإنّنا لن نجانب الصواب.

الكلمات المفاتيح:
شارك :