تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

النفير الإخواني «الفايسبوكي» في تونس وخلفياته

شارك :

نائلة السليني

 

اقترن الحجر الصحي المفروض على التونسيين بعدّة أحداث حملت للتونسي رسالة سلبية جدّا، رسالة تحكي عن نوايا إلياس الفخفاخ بعد أن حظي بالتفويض البرلماني مدّة شهرين. ففاتحة قراراته كانت في خصم يوم أو يزيد من مرتبات موظّفي الدولة والمتقاعدين، ليردفه بجملة من القرارات الردعية في مرحلة الحجر الموجّه، وجميعها قرارات تصبّ في كيفيات التحيّل على جيب التونسي، مثل دفع خطايا الخروج حتى وإن كان لقضاء الحاجيات اليومية؛ نتج عن هذه المحاصرة شعور عامّ بالاختناق وإحساس بأنّ الحكومة الجديدة تسعى إلى فرض إقامة جبرية على التونسيين سعيا إلى منع تجمّعهم، بتعلّة وباء الكورونا، وسعيا إلى الاهتداء إلى أبسط السبل لمزيد امتصاص ما تبقّى في جيوبهم من مال..

شعور بالإحباط تزامن مع حال من الركود في نشاط الحكومة الجديدة القديمة التي تسلّمت ملّفات اقتصادية وسياسية شائكة.. شعور بالإحباط تزامن مع حزم من القرارات الارتجالية والتي تعبّر عن حرص هذه الحكومة لمزيد اغتنام ما تبقّى من امتيازات: فحكومة 28 وزيرا أثمرت ما يقرب عن 10 مستشارين للفخفاخ. ويبشّرنا عبّو وزير الدولة، أو سمّه المستشار الأعظم للفخفاخ، بأنّ الحكومة تنوي أن تحتزم بحزام سياسي عريض ومتين، وذلك باقتناء 12 مستشارا في رئاسة الحكومة، يمثّلون الأحزاب الكبرى بالبلاد.. إنجاز آخر تناقلته المواقع الاجتماعية ويتلخّص في الإسراع بتعيين من تخلّف عن الركب الإخواني في اغتنام مناصب في الحكومة، لأنّ النهضة في تونس مثل "المنشار" الذي لا يتوقّف عن الرحي صعودا أو نزولا، زد على ذلك أنّها حركة ترى في نفسها الجامعة المانعة، وتعمل على تسجيل حضورها في جميع الميادين الرسمي منها والحكومي وحتى المعارض... فإذا بالأنباء التي تعتني مواقع التواصل بذكرها تطلعنا بأنّ الغنوشي أرسل إلى الفخفاخ يطلب منه، وطلبه في صيغة الأمر: تعيين إخوانيّ على رأس الشركة التونسية للكهرباء و الغاز، وإخوانيّ آخر على رأس شركة الطاقات المتجددة، وآخر على رأس الشركة التونسية للملاحة CTN. وتخبرنا نفس هذه المواقع بآخر القرارات التي اطلع الغنوشي عليها الفخفاخ للتطبيق فإذا بقائمة مسرّبة تتضمن 12 واليا إخوانيا و 90 معتمدا من نفس الحزب.. كلّ يوم يتحفنا الإخوان بما يجعل حياتهم رغدا، فالغنوشي يمدّد من سلطته ليصير مشرفا على أنشطة الوزراء الإخوان وغيرهم، يقابلهم ويجتمع معهم مثلما كانت سياسة بن علي. ومع الغنوشي ليس بالغريب أن تجده يهتمّ بمسائل خارجة عن نظره. فقد أفادت وكالة الأنباء التركية "أناضول" بأن الرئيس التركي أردوغان بحث في مكالمة هاتفية مع الغنوشي سبل التعاون في مكافحة كورونا. حتى كأنّ المطّلع العاديّ صار يعتقد أنّ الغنوشي هو الرئيس الفعلي للبلاد، أمّا البقية فلتزيين الصورة السياسية لا غير.

إملاءات صريحة من زعيم الإخوان على السياسة الداخلية بتونس، وهي في مجملها تفيد أنّ الرجل يتحرّك في فضاء حرّ، ويمتلك سلطة مطلقة وهبت له بحفنة من النواب تكاد تساوي ربع النواب بالمجلس. فهل يوجد بعد هذا تمكين أمتن من هذا بعد أن أحكم ربط الأعناق، فاختنق الناس وضجّوا، واختلط تفكيرهم، وزُرِع في قلوبهم خوف على مصيرهم ومصير بلادهم، ورأوا في استقواء الإخوان بعد أن أفرغوا الشوارع من أهلها إنباءً بهلاك الدولة الوطنية.

ضجر الناس بعد أن غلّقت أبواب بيوتهم.. وبعد أن شحنوهم بأصناف من الترهيب والوعيد.. لكن، ما لم يخلد في الحسبان هو أنّ لهذا الشعب عينا ترى وأذنا تسمع وفكرا يشتغل ويقارن ويرصد وأن له لسانا ينطق.. ما لم تقدر عليه النهضة وعجزت عنه هي المواقع الاجتماعية التي تحوّلت إلى متنفّس بديل عند التونسي المسجون والقلق على الحثالة من المكاسب التي سقطت في الطريق طيلة 10 سنوات الماضية.

هذه، وفي اختصار شديد، حال التونسيين طيلة أيام الكارنتينا التي تحوّلت إلى رمز للإقامة الجبرية. فلم يجدوا من حلّ أمامهم سوى النزول إلى شوارع الفايسبوك التي لا يمكن أن تلوّثها الكورونا والتي تغيب فيها شخصية المسؤول ليتحوّل النقاش في شؤون البلاد نقاش الندّ للندّ..

لكن، أحرج هذا المسار الفايسبوكي جماعة المعبد، ويبدو أنّه أقلق راحتهم، والدليل على ذلك ردّة فعلهم المبكّرة واختيار سياسة المواجهة واحتلال المنابر الإعلامية للتنديد والسخط على الناس. صرنا نشهد تشنّجا في خطاب الإخوان اليوم، وتهديدا لكلّ من حدثته نفسه بنقدهم، والويل لمن تطاول على صاحب معبدهم..

في الحقيقة اندهش الكثيرون للقلق الإخواني، وذهبوا مذاهب شتّى في تأويلاتهم، بل بلغوا حدّ التناقض في مواقفهم، وذاك في رأينا دليل على أنّ الإخوان بتونس نجحوا نجاحا باهرا في أن جعلوا التونسيين لا يثقون فيهم البتة ويرون في كلّ ما يقدّمون أفخاخا منصوبة للإيقاع بالناس..

وانتشر سؤال بسيط: لماذا ينفعل الإخوان؟ أو كما يصفهم التونسيون بالخوانجية، وهي صفة تحمل في طياتها شحنات سلبية، بماذا نفسّر قلقهم عندما يلجأ الفايسبوكيون إلى أنّ الحلّ يكمن في اعتصام مثل اعتصام باردو1؟ ويقترحون الإعداد إلى اعتصام باردو2.. وبماذا نفسّر هذا الرعب من شبح عدوّ لا يلمس؟ هو شبح وصفوه مرّة بالدعم الأجنبي لفئة " ضالّة"؟ هل بلغ الأمر من الجدّية ما يدفعهم إلى النفير فعلا؟؟ فيجتمع مجلس شوراهم، وبحضور عالي مقامهم ليتدارسوا أوجه مقاومة هؤلاء " المندسّين" و " المرتزقة"؟

وتعود تلك الأغنية التي كم كان يملؤها النشاز في 2012 و2013.. أغنية نظّم الإخوان كلماتها وصاغوا ألحانها.. لحنا لا يُطرب غيرهم وكلمات لا يفقه معانيها سواهم: إنّها أغنية الشرعية الانتخابية.. وما تحمله العبارة من قداسة.. وطعّموها في 2020 بخلطتهم الكيمياوية العجيبة.. تلك التي أخرجوها من كتلتهم السياسية لتتكفّل بالنشاز في مجلس النواب وتعرف بطفل الغنوشي المدلّل والطائش والأرعن، ولكنّها في الحقيقة تحمل روح الثورية كما يراها خوانجية تونس.. سينهض هؤلاء بمهمّة.. تقديم شكوى إلى النيابة العمومية بمن؟؟؟ بالشعب التونسي الذي نظر فنقد فدعا إلى تصحيح المسار... وتعود مروحة التاريخ إلى الدوران لتعود بنا إلى الأمس القريب: أمس كان زعيمهم ينعت معارضيه " بجرحى الثورة " و" بالصفر فاصل"..

لكن، هذه المرّة، كان ردّ مجلس شوراهم وقيادييهم عنيفا ورسميا، وهو ما أثار اندهاش الناس، خاصّة أنّ تنظيم الإخوان هو الوحيد الذي قام بردّة الفعل، بينما اكتفت بقية الأحزاب بالصمت. وفي هذا الموقف مسائل جديرة بأن نقف عندها:

فهل إنّ شبح اعتصام باردو مازال محفورا في ذاكرة الإخوان؟ رغم ما سعى إليه الباجي من تضميد للجراح وفتح أمامهم من جديد أبواب الحكم...قد يكون الأمر كذلك.. أم إنّ الأمر يندرج في سياسة التمكين الإخوانية، سياسة تقتضي منهم أن يتركوا بصمتهم في كلّ حدث وإن كان صغيرا؟ وهذا ممكن أيضا.. بل قد يكون في المسألة فخّ يسعون إلى أن يوقعوا فيه من ظلّ عصيّا عليهم؟ فيستدرجونه بإعلان الرفض والاعتصام ليتهمونه فيما بعد ببثّ الفوضى؟ وهذا ما ذهب إليه قياديو الحزب الدستوري الحرّ..

لكن، هناك تأويل آخر لا يهمل، فالشعب جاع، ولذلك نعتت هذه المعارضة بجبهة ثورة الجياع، وحتى وإن كانت بدايتها هزلا فإنّها بدأت تلتمس طريقها، ولعلّ النافث في روحها هم الإخوان أنفسهم بما بثّوه فيها من إيحاءات.. والقادم من الأيام ستوضّح لنا الرؤية.

الكلمات المفاتيح:
شارك :