تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

:شارك

النهضة وسياسة «التمكين» من 2011 إلى 2019

0
شارك :

نائلة السليني

من الأخطاء القاتلة لتنظيم الإخوان اقتناص الفرصة للانقضاض على الحكم بسلاح الشرعية:

ولعلّ الشرعية هي طاقة الإخفاء التي يلتحف بها إخوان تونس منذ أن اتكأوا على كرسيّ الحكم، ولعلّ لهم من القدرة على اقتناص المصطلحات وإفراغها من محتواها ما لم يحظ به غيرهم. يقتنصونها لينفثوا فيها مبادئهم ويسدلوا على أعمالهم ستارا قانونيّا لا جدال فيه. ولعلّ مفهوم " الشرعية" هو أحبّ المفاهيم بالنسبة إليهم: رفعوها عنوانا لبقائهم بالمجلس التأسيسي منذ 2011 إلى 2014، فكان درعا يحميهم من ضربات المعارضين والناقدين. وكم تحلّوا بالثبات والعناد. وكم ثبتوا على صمّ آذانهم كلّما ووجهوا بأنّ انتخابهم إنّما هو لصياغة دستور لا غير!! فانضمّوا إلى راية الشرعية ليضيفوا إليها " الانتخابية" وشكّلوا حكومات. وانسلّوا إلى مؤسسات الدولة. وتهافتت بين أيديهم جميع الملفّات السرية، وخاصّة منها ملفّاتهم الشخصية، واستقرّوا على حالهم تلك طيلة السنوات الأولى بعيد 2011.

وبالرجوع إلى مبدإ " الشرعية" استطاع الإخوان بتونس أن يواجهوا مخالفيهم، استنادا إلى جملة من المسلّمات، لعلّ أهمّها: وجوب الاعتراف بهم مصدرا للسلطة، والرضى بدور المعارض، وكفى. وسلكوا سبيل المناورة فتقنّعوا بقناعها وظهروا بلباس الديمقراطية والتواضع الباحث عن الاستقرار والتوافق، والراغب في تقسيم السلطة. بل خرج الإخوان في ثوب "زاهد في الحكم والإدارة بشكل منفرد".  وظلّوا إلى اليوم ينادون بمبدإ التشارك في الحكم.

ظن الإخوان بأنّ هذه المقاربة هي الضامنة لفوز ساحق قريب على جميع الأحزاب، وهو فوز بمثابة المفتاح السحري الذي سيفتح لهم مؤسسات الدولة العميقة، فيكون التسليم بسلطتهم، والانفراد بالحكم حتى يتيسّر لهم إعداد الأرضية الاجتماعية والسياسية التي تفتح لهم سبل تغيير بنية الدولة والمجتمع التونسيين بما يناسب مبادئهم: في الحقيقة عاش المجتمع التونسي هذه التجربة الفريدة مع الإخوان، وهو إلى يومنا هذا يتعقّب جميع المراحل التي يسلكون لإحكام الوثاق حوله. ظهرت بوادر برنامجهم منذ 2011 عندما تبيّنت لهفتهم في إغراق المؤسسات بمنتدبين من أبنائهم الأوفياء، فطرحوا جانبا جميع قوانين الانتداب الإدارية، واسترجعوا من أطردوا بعد محاكمتهم في فترة حكم بورقيبة أو بن علي. ومكّنوا أتباعهم من قاعات الدروس في الابتدائي والثانوي بعد غياب دام سينين، دون إخضاعهم لدورات تأهيلية، لأنّ غايتهم لم تكن البتة قائمة على أصول تربوية وهاجسهم مركّز أساسا على وجوب نشر أعين وفية تراقب ما يجري في الإدارات. بل اطمأنّوا إلى انقياد السلطة إليهم فعيّنوا في أعلى المراتب من لم يجرّب الإدارة أصلا وحرقوا جميع المراحل في الارتقاء الإداري ولا حرج في ذلك بما أنّ الانتماء إلى التنظيم هو الشفيع. وكان العفو التشريعي العامّ والتعويضات على ما مرّوا به في " سنوات الجمر". وعشنا الانتهازية في أرقى تجلّياتها، بل كم كانت مصدر فخر بالنسبة إليهم. كيف لا وقد تمكّنوا من الثأر للماضي وشدّوا على السلطة بنواجذهم!!!

على هذا الأساس يمكن القول إنّ إخوان تونس أصيبوا بحال من النشوة: نشوة انتقال السلطة إليهم في طبق من ذهب. ونشوة الوهم بأنّهم سيتعاملون مع شعب آهل ليتقبّل التغيير بعد أن منحهم صكّ "الشرعية". لكن في الوقت نفسه كانوا يترصّدون كلّ صغيرة حمايةً لمكسبهم العظيم، مكسب حرم منه غيرهم من الإخوان، وخاصّة إخوانهم بمصر بعد أن أتاهم الحكم صاغرا ذليلا.

لكن، كأنّنا بالإخوان التونسيين قد استفاقوا من حلمهم الملحميّ بعد استشهاد بلعيد والبراهمي. وكأنّنا بهم أدركوا يومها أنّ ذاك المجتمع الذي ظنّوه بسيطا ليس بمثل تلك البساطة. وكأننا بذاك المجتمع التونسي يستفيق من غيبوبة ليواجه واقعا مرّا. ويدرك أنّ الإخوان حكّامهم، وأنّ الوثاق سيحكمهم " وبالشرعية". ومنذ ذلك التاريخ تبدأ ملحمة المواجهة، وتبدأ معاناة جديدة للإخوان، وخاصّة أنّها معاناة ستفرض عليهم تأجيل ما شرعوا فيه من برنامجهم في إقامة دولة الخلافة بطابع إخوانيّ. كانت خيبة قاسية وفشل ذريع خاصّة بعد تلك " الغزوات" وبعد تلك الجهود في استقطاب هذا المجتمع طيلة سنتي 2011 و2012، وهما سنتان تميّزتا بإرواء المنابع الجافّة، على حدّ قولهم، بفكر دعويّ نشر مبادئه بالمساجد ومدارج الكليات. نذكر من هؤلاء الدعاة الرسل زغلول النجار ومحمّد هداية وسليمان الجبيلان، وأحيا مبادئهم حسان الدباغ وصفوت حجازي وطارق رمضان ووجدي غنيم وعائض القرني...

أدرك الإخوان في صائفة 2013 أنّهم وقعوا في أخطاء قاتلة، وأهدروا وقتا ثمينا بالنسبة إليهم لحماية المكاسب التي غنموها، سيما وأنّها ليست بالمكاسب الهينة، لأنّهم استطاعوا في سنتين أن ينسلّوا في غياهب الإدارة التونسية، وأن يرجّوا انتظامهما.

فشل دفعهم إلى العدول عن استراتيجيتهم، فغاب مصطلح التدافع الذي كان عنوانا مستقرّا في جميع خطب رقيبهم الغنوشي وشرعوا في التخطيط لمقاربة أخرى يجب ان تتوفّر فيها أهمّ الضمانات حتى لا يواجهوا خطأ آخر سيكون لا محالة قاتلا. وهنا انطلق الاخوان في سياسة التمكين.

فالتمكين مصطلح قديم تحدّث عنه البنّا في رسالة المؤتمر الخامس وعنوانها" الإخوان والقوة"، وأحاط بجميع معانيه مستنبطا أهمّ المراحل التي يمرّ بها الإخواني حتى يستكمل نفوذه. وهو لفظ مشحون بمعاني القدرة والسلطان. وقديما قال العرب "أمكن فلاناً الأمر: سهل عليهِ وتيسَّر وقدر عليه." وعلى هذا الأساس فإنّ البنّا حمى أبناءه من بعده ووفّر لهم رسائل هي بمثابة الوصايا والوصفات لحلّ ما قد يعترضهم من مشاكل.

والمهمّ في هذه الرسالة تركيز الرجل في حديثه على مسألتين في غاية الأهمّية بالنسبة إليه:

  • وسائل التغيير وحصرها في الوسائل المباشرة، وتتضمّن النضال الدستوري، الانقلاب العسكري، الثورة المسلحة. والوسائل غير المباشرة وهي تركّز على العمل الجماهيري ونشر الفكرة.
  • بناء الأجهزة المناسبة للتغيير: التنظيم الخاص، التنظيم العسكري، الشُّعَب، الجهاز التربوي، الجهاز الإعلامي، المؤسسات الاقتصادية.

ويتمّ ذلك عبر جملة من الآليات: مثل الاحتواء، والتعايش بما يكفل بقاء التنظيم واستمرار وجوده حتى وإن تغيّرت صورته، والإصرار على طمأنة الناس بأنّ الجماعة لا يمثّلون خطرا، وذلك عن طريق:

  • الانتشار في طبقات المجتمع الحيوية والقدرة على تحريكها.
  • الانتشار في المؤسسات الفاعلة (ويقصدون بها الجيش والشرطة).

وقدّم البنّا نعتا لهذه المراحل باعتبارها استعدادا " للمهام المستقبلية". وعلى هذا الأساس فالتمكين ليس غاية بقدر ما هو وسيلة تقوم على وجوب التوافق مع الغير الحاكم لتسهيل الثبات في الصورة القيادية أوّلا ولفرض اختيارات الجماعة عن طريق دفع الآخر " الحليف" حتى يتحمّل المسؤولية ثانيا.

نحن لسنا في حاجة إلى البحث عن القرائن التي تصلنا بمنجزات الإخوان في تونس وبما توفّرته هذه الوثيقة من وصايا وحلول. فالنهضة هي بصدد تطبيق فكر البنّا بأمانة، وإن تصرّفت فإنّما كان ذلك بحسب الوضع التونسي الذي تمرّ به، وإن اجتهدت فإنّما ذلك امتداد يحفظ الخيط الناظم بين ما يراه زعماؤها صالحا وما هو ثابت في الفكر الإخواني. فظلّوا على ذلك بالرغم من التغييرات الخارجية التي تطرأ على طريقة لباسهم أو على كيفية حوارهم. والمهمّ بالنسبة إليهم الوفاء لهذا الحلم واقتناص الفرصة الثمينة لاختزال المراحل، وهذا ما حدث في 27 جوان الماضي تحت قبّة المجلس:

نحن نحلّل الأحداث بحثا عن حقيقة ما حصل، وصحيح أنّ المساعي الإخوانية تسعى حثيثا إلى تهميش الموضوع بل وتغييبه من المشغل اليومي استنادا إلى مبدأي التعايش والاحتواء الإخوانيين، ولعمري فتلك هي سياستهم الثابتة عندما يواجهون اصطداما مع المجتمع مثل قضية الجهاز السري وسعيهم الحثيث إلى تغييبه من الذاكرة الجماعية. لكن ستظلّ هذه الأحداث حيّة في المخيال الجمعي التونسي، لأنّ أسئلة كثيرة فرضت نفسها وبقي الجواب عنها معلّقا. لعلّ من أهمّ الأسئلة العالقة في أذهاننا هي: بماذا نفسّر هذا الاضطراب والتوتّر الذي وقع فيه الإخوان بعيد الحديث عن " انقلاب تحت قبّة المجلس"؟ سرعة في إصدار البيانات. وسرعة في الانتشار واحتلال مقاعد بالقنوات التلفزية والإذاعات وقد حمل كلّ واحد منهم تحت إبطه صكّ التوبة. وبماذا نفسّر احتماءهم بشخصيات يروّج أنّها غير إخوانية وتقديمهم في الواجهات الإعلامية ومواقع التواصل؟ وتزداد المسألة تعقيدا عندما يتبيّن لنا انّ منهم من كان منتميا إلى التنظيم ثمّ أعلن خروجه عنهم، بل قد ينفتح باب آخر له علاقة مباشرة بعمل هذا التنظيم. المهمّ من كلّ هذا هو أنّ الإخوان بتونس وقعوا في خطإ " قاتل" مرّة أخرى. خطإ سيفرض عليهم التريّث في مواصلة مشروعهم، وقاتل لما قد يكون له من انعكاسات في الانتخابات القادمة.

أدرك إخوان تونس أنّ قافلة التمكين التي انطلقت منذ 2014 لم توفّق في " التحييد" وأنّ النظام وإن بدا نائما فإنّما بعين واحدة.

وسوم
شارك :