تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

:شارك

«الشيخ سعيد الجزيري»: السياسة والإعلام والدين «بيد واحدة»

0
شارك :

صواب

في مفاجأة غير متوقعة، تحصل حزب الرحمة – الإسلامي-على خمسة مقاعد في البرلمان في أعقاب صدور النتائج الأولية للانتخابات التشريعية. الحزب الذي يطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية يتزعمه، الإمام والداعية سعيد الجزيري، وصاحب إذاعة القرآن الكريم المحظورة بقرار من "الهايكا".

  • مسيرة شخصية مثيرة

بدأت رحلة سعيد الجزيري في ضاحية المرسى في تونس العاصمة حيث ولد. وفي سن الـحادية والعشرين، غادر نحو مدينة نيس الفرنسية للدراسة، وذلك بداية تسعينات القرن الماضي، حيث أصبح إماماً على زملائه الطلبة. وهناك تعددت مشاكله الجنائية، إذ أدين عام 1990 بتهمة التحريض على العنف.

وفي عام 1994، حُكم عليه بالسجن لمدة 18 شهرًا، بتهمة التواطؤ في الاعتداء بالعنف عمداً، وإلحاق أضرار بالممتلكات الخاصة، عندما قام مع زملائه من الإسلاميين بمهاجمة موظف عمومي وتدمير جهاز حاسوبه الإداري، في أعقاب قرار من البلدية بإغلاق قاعة الصلاة، التي كانوا يرتادونها في الدور تحت الأرضي لإحدى البنايات السكنية في مدينة نيس.

قبل ذلك، كانت محكمة تونسية قد أدانت الجزيري، غيابياً، بالسجن لمدة ثلاث سنوات، بتهمة الانتماء إلى جمعية غير مرخص لها، وهي حركة النهضة الإسلامية، وتوزيع منشورات تدعوا إلى العنف. لينقل بعد انتهاء محكوميته في فرنسا إلى تونس. لكنه ما لبث أن عاد إلى فرنسا بطريقة غير قانونية، ولا أحد يدري كيف عاد، مع أنه كان يواجه السجن في تونس... لاحقاً، وفي عام 1996، تم اعتقاله في مطار بروكسل حيث كان يحاول السفر إلى مونتريال الكندية بجواز سفر مزيف، باسم حافظ بن شلالي. لكنه وصل أخيراً إلى كندا عبر لندن – في العام 1997- بجواز سفر آخر مزيف، باسم جمال فيكي!

تمكن الجزيري من الاستقرار في مونتريال، وبعد سنة واحدة، حصل بطريق الخطإ على وضع لاجئ. وبعد ذلك بعامين، أصبح مقيمًا دائمًا. وفي عام 2000 أسس، من خلال جمعية مونتريال لتحفيظ القرآن، مسجد القدس. وفي عام 2002، أنشأ المنظمة الإسلامية للحوم الحلال.

في 21 يناير 2004، قال الجزيري إنه مقتنع بأن مساجد مونتريال تتسلل إليه الجواسيس ويخضع لرقابة شديدة. وفي 23 سبتمبر 2005، أعلن أنه يريد بناء مسجد كبير في وسط مونتريال، لكن زعماء الجالية الإسلامية عارضوه لأنه سيتم تمويله من قبل "دول عربية لها أهداف غير سليمة"، على حد تعبيرهم. هذه النوايا والنشاطات للجزيري  جعلته محل مراقبة مشددة من السلطات الكندية، والتي راجعت ملفه الأمني منذ قدومه إلى البلاد، وحتى في البلدان التي عاش فيها سابقا، لتقرر في 22 يونيو 2006، نزع صفة اللاجئ عنه، لأنه كذب على السلطات بعدم ذكر أنه كان لديه سجل جنائي في فرنسا، وأنه استخدم جوازات سفر مزورة. وفي 23 أكتوبر 2007، تم ترحيله أخيرًا إلى تونس عبر طائرة خاصة حيث قال يومها: "أعتقد أنهم سيقتلونني". وفي العام 2009، قدمت زوجته الكندية طلباً للسفارة الكندية بباريس ولرئاسة الحكومة الكندية من أجل عودته إلى كندا وكفالته، لكنه رفض.

وخلال أحداث ثورة جانفي 2011، استغل الجزيري الوضع ليغادر البلاد، في محاولة للعودة إلى كندا، للالتحاق بزوجته وأبنائه مرة أخرى، عبر المكسيك ثم تهريباً نحو الولايات المتحدة الأمريكية، لكن حظه كان مرة أخرى مع الاعتقال على يد حرس الحدود الأمريكي في ولاية كاليفورنيا. وتشير وثيقة قضائية أمريكية إلى أن الجزيري أبلغ السلطات الأمريكيةبأنه قد سافر من تونس إلى شيتومال في المكسيك، بالقرب من الحدود مع بليز، ثم استقل حافلة إلى تيخوانا، المتاخمة للحدود الأمريكية، وقد دفع مبلغ 5000 دولار للمهربين لدخول الولايات المتحدة بطريقة غير قانونية. وفي أمريكا، طلب الجزيري اللجوء السياسي، لكن طلبه جوبه بالرفض ليعود مرة أخرى إلى تونس، ويبدأ شوطاً أخر من نشاطه "المثير للجدل".

  • داعية ورئيس حزب

بعد الثورة، وجد الجزيري مناخاً أوسع للنشاط، وبدأ يظهر في وسائل الإعلام المحلية، وأسس حزباً سياسياً أطلق عليه اسم"الرحمة"، والذي حصل على رخصة العمل القانوني في جويلية 2012، ويعرّف نفسه بأنه "حزب سياسي وطني إسلامي أساسه الرحمة والمودة والعدل والمساواة بين جميع أفراد الشعب". ويشير الجزيري إلى أن الحزب "مبني أساساً على شريعة الله ورسوله"، لكنه فشل ولم يبق  له أثر. كما أسس   الجزيري إذاعة دينية ،هي "إذاعة القرآن الكريم".

ووفقاً لتقارير هيئة الاتصال السمعي  البصري، فقد تقدم الجزيري، في سبتمبر 2014،بطلب في هذا الغرض ،  قرر على إثره مجلس الهيئة عدم إسناد إجازة إحداث واستغلال قناة إذاعية خاصة للجزيري، لعدم توفر الشروط المطلوبة عند تقديم المطلب، إذ  أن العديد من برامج القناة موجهة إلى الدعاية لرئيس حزب سياسي(حزب الجزيري نفسه) ،الأمر الذي يشكل مخالفة لمقتضيات الفصل 5، النقطة 14، من كراس الشروط المتعلق بإحداث واستغلال قناة إذاعية خاصة، والذي ينص على ضرورة التزام صاحب الإجازة بعدم استعمال القناة الإذاعية لغرض الدعاية أو التسويق لصورته الخاصة ،أو لصورة غيره أو لحزب ما، إضافة إلى عدم وجود مخطط مالي واضح، ونقص المعدات التقنية، وغياب التنوع في البرمجة، وعدم وجود أي تصور للتعديل الذاتي.وتم رفض المطلب  في المرة الثانية بتاريخ 26 نوفمبر 2015، لكونه خارج الآجال القانونية، ودعت الهيئة الإذاعة إلى التوقف عن البث.

لكن إذاعة سعيد الجزيري لم تلتزم بالقرارات الصادرة عن الهيئة وواصلت البثّ خارج إطار القانون واستعمال الترددات بطريقة غير قانونية، حتى وصل الأمر إلى صدور قرار من الهيئة يقضي بحجز التجهيزات الضرورية للبث. وتقول الهيئة في تقريرها :" تمّ تكليف مراقبي اتّصال سمعي وبصريّ بالهيئة، محلّفين للغرض، بالتوجّه إلى مقر إذاعة “القرآن الكريم” الكائن قبالة المدرسة الابتدائية القصيبي بمنطقة مرناق من ولاية بن عروس، قصد القيام بإجراءات الحجز. وبالحلول بالمكان بتاريخ  1 نوفمبر 2017، تمّ منع المراقبين من إتمام اجراءات الحجز، علاوة على قيام المدعو “سعيد الجزيري”، صاحب الإذاعة، بتحشيد المستمعين عبر البثّ المباشر من خلال دعوتهم للالتحاق بمقر الاذاعة والتصدي لعملية الحجز ،وكذلك من خلال بث خطابات تكفيرية تدعو للعنف والتحريض على الكراهية ضد الهيئة وأعضاء مجلسها والعاملين فيها، بما يهدّد سلامتهم ،فتمّت مراسلة وزارة الداخلية في الغرض. وفي إطار متابعة تنفيذ القرار المشار إليه أعلاه، تمّ تكليف مراقبي اتّصال سمعي وبصريّ بالهيئة، بتاريخ 2 نوفمبر 2017، بمواصلة القيام بإجراءات الحجز وفق المحضر عدد 2/2017 المؤرخ في 2 نوفمبر 2017، وتم حجز جهاز إرسال على ملك الإذاعة.ثم تمت إحالة محضر الحجز على وكيل الجمهورية بالمحكمة الابتدائية ببن عروس، تطبيقا لمقتضيات الفصل 32 من المرسوم عدد 116 لسنة 2011. ورغم ذلك واصلت إذاعة “القرآن الكريم” ممارسة نشاطات بث دون إجازة.وقضت المحكمة الابتدائية ببن عروس، بتاريخ 30 نوفمبر 2017، في القضية عدد 2017/14994، “بالإذن بإرجاع المحجوز موضوع محضر الحجز عدد 2/2017، والإذن برفع يد الهيئة عن المعدات”. وقد تم، بتاريخ 12 جوان 2018، إعلام الهيئة بالقرار بواسطة عدل تنفيذ ومطالبتها بإرجاع المحجوز."

لكن الجزيري يقول– في تصريحات لجريدة حزب التحرير الإسلامي -  إن "الهايكا" "بقيت تبحث عن أعذار وتِعلّات لتعطيل البث، وآخرها اتصالها بوزارة الفلاحة لمحاولة ثنيها عن كراء قطعة الأرض التي تضع فيها الإذاعة أجهزة البث، بدعوى عدم امتلاك الإذاعة للترخيص القانوني. وقد قمت بكراء قطعة الأرض بعقد قانوني واضح مقابل أربعة آلاف وخمس مائة دينار في السنة. وبعد تحريض "الهايكا"، اتصلت بهم الوزارة وطلبت منهم وثيقة إثبات عن الحكم الصادر في القضية، وقد تم ذلك".

وفي بيان شديد اللهجة، صدر في 9 ماي الماضي، دعت الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري(هايكا) جميع القنوات التي تبث خارج إطار القانون إلى التوقف الفوري عن البث، وذلك قبل اللجوء مجددا لاتخاذ الإجراءات القانونية المستوجبة. وقالت الهيئة:" إن قناة "نسمة"، التي تبث خارج إطار القانون، لا تشكل حالة منفردة في المشهد السمعي والبصري، بل ينضاف إليها كل من قناة “الزيتونة” المدعومة من قبل حركة النهضة، وإذاعة “القرآن الكريم” لصاحبها سعيد الجزيري، وهو ما يضاعف من خطورة هذا التوجه ويبتعد بوسائل الإعلام عن دورها الأساسي المتمثل في إنارة الرأي العام ودعم إرادة الناخب في الاختيار". وإن كانت تلفزتا “نسمة” و” الزيتونة” ومالكاهما معروفين لدى الرأي العام المحلي، فإن إذاعة “القرآن الكريم” وصاحبها الشيخ محمد سعيد الجزيري تبدو صورتهما غائمة بعض الشيء.

 

المصادر:

  • تقرير كندي بعنوان ''تونس، الإمام سعيد الجزيري هل يعود إلى كندا" نشر في منصة " DREUZ" بتاريخ 7 سبتمبر 2009
  • تقرير كندي بعنوان "طرد من كندا، الإمام سعيد الجزيري اعتقال في كاليفورنيا" شر في جريدة " lapresse" الكندية بتاريخ 26 جانفي 2011
  • تقرير خاص بملف إذاعة “القرآن الكريم” ومختلف الإجراءات والقرارات المتخذة بشأنها من قبل الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري نشر بتاريخ 26 أفريل 2019
  • تصريحات للشيخ سعيد الجزيري لجريدة التحرير (الناطق باسم حزب التحرير الإسلامي – فرع تونس) بتاريخ 6 نوفمبر 2017.
وسوم
شارك :