تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

:شارك

الطموحات السياسية لرئيس الحركة الإسلامية

0
شارك :

زياد كريشان*

منذ أن اختار راشد الغنوشي تغيير «اللوك» ذات غرة أوت 2017 في حوار مثير على قناة «نسمة»

اتضح أن هنالك أمرا ما يخامر ذهن «الشيخ» وأن الطريق الموصلة له تمر حتما عبر اللباس الإفرنجي وربطة العنق ..

كل السياسة الاتصالية لـ«الشيخ» كانت تهدف منذ سنتين جاهدة لإخراجه من ثوب العقائدي الذي لا يبتسم ولا يتحدث للناس بدارجة بلادهم إلى «الشيخ» الهادئ العصري المنفتح بمقادير على غير أتباع الإسلام السياسي والمحنك الذي يتحدث تارة عن الاقتصاد وطورا عن السياسة دون تلك الاستطرادات العقائدية والتي كانت تمثل السمت الأبرز للإسلاميين في كل أنحاء الدنيا ..

يبدو أن بعض المقربين الخلّص لزعيم النهضة قد أقنعوه بفكرة مواصلة قيادة التوافق بعد خماسية أخيه الشيخ الأكبر وأن طريق قرطاج معبد له وانه لا نظير له في البلاد، وهكذا يخرج من الحركة الإسلامية بعد أن قادها على امتداد نصف قرن لقيادة البلاد لخماسية أولى قد تثنى لو صادفت هوى في أنفس الناخبين.

خبراء الاتصال السياسي المحيطون «بالشيخ» كانوا على علم بأن القدرة الترويجية لبضاعتهم الجديدة ضعيفة وانه كلما اختبروا اسمه في عمليات سبر الآراء سنة 2017 إلا وكانت النتائج هزيلة للغاية ولكنهم اعتبروا أن تغيير الشكل قد يوهم بتجدد البضاعة وقد تكتسح الأسواق تباعا لذلك ..

خلال هاتين السنتين الأخيرتين جرت مياه كثيرة انتهى بها التوافق بين الشيخين وعوضه توافق مع شاب القصبة وحزبه الجديد وتحولت في هاتين السنتين كذلك موازين القوى وتراجعت نسب الرضا على الائتلاف الحاكم والذي تحولت فيه النهضة من عنصر أثاث إلى فاعل أساسي ثم ظهرت قوى جديدة على الساحة بعضها مناوئ للاسلام

السياسي وبعضها يزاوج بين الهجوم في العلن والتودد في السر.

وفي الأثناء أيضا حصلت الانتخابات البلدية والتي أعادت حركة النهضة إلى صدارة المشهد بما في ذلك من مسؤوليات جديدة ومخاوف متجددة على الحركة ومنها في نفس الوقت ..

ولكن لعل الأساسي في هاتين السنتين الأخيرتين أن «اللوك» الجديد لزعيم النهضة لم ينجح في مهمته المركزية وهي تحويل النهضة من حزب عقائدي قائم على إيديولوجيا الإسلام السياسي إلى حزب سياسي مدني محافظ غايته استقطاب نصف الشعب التونسي أو أكثر ..

هذا الإخفاق هو الذي يضطر راشد الغنوشي وفريقه المقرب إلى تغيير إستراتيجية التقدم إلى التونسيين. فبدلا من قصر قرطاج وكرسيه غير المضمون بالمرة الى قصر باردو وكرسيه الذي يبدو نيله أيسر بكثير .

التقدم في التشريعية على رأس قائمة تونس الأولى لحركة النهضة يضرب أكثر من عصفور (نادر؟) بحجر واحد .

1 - التحول من زعيم لم ينتخب إلا داخل التنظيم الإسلامي إلى قائد له مشروعية الانتخاب الشعبي.

2 - وصول الغنوشي إلى البرلمان مسالة مفروغ منها وذلك أيا كانت نتيجته في تونس الأولى وستقدم كل نتيجة باعتبارها كسبا جديدا للحركة الإسلامية.

3 - تحسين شروط التفاوض إلى الأقصى داخل البرلمان الجديد المنتخب خاصة وانه سيتبع مباشرة بالدورة الأولى للانتخابات الرئاسية والمقايضة سهلة : لكي نساند مرشحكم للرئاسية (هذا الكلام قد يوجه لبعض الأحزاب الفاعلة في المشهد البرلماني غدا)عليكم أن تصوتوا للشيخ كرئيس للمجلس الجديد.

أي أن لحركة النهضة قدرة على المناورة حينها قد لا تكون لغيرها.. وهكذا تصبح رئاسة المجلس مسالة تكاد تكون محسومة بالنسبة للحلقة الضيقة للغنوشي حتى قبل إجراء الانتخابات التشريعية ..

ولكن هل ستتطابق هذه الخطة مع معطيات الواقع الانتخابي ؟ وتدقيقا هل سيكون وجود الغنوشي على رأس قائمة انتخابية لحزبه في تونس الأولى عنصرا ايجابيا قادحا أم سيؤلب ضده كل خصومه والذين سيجعلون من هزمه مسألة حياة أو موت بالنسبة اليهم ؟

ثم من هو ذا الذي ينوي الفوز بالرئاسية ويعقد قبل الدور الأول في 17 ديسمبر 2019 اتفاقا سياسيا مع النهضة ويعطي بموجبه رئاسة المجلس لزعيمها ؟ ألن يكون هذا انتحارا سياسيا لمن يتصور نفسه عصفور النهضة النادر ؟ !

وصول الغنوشي إلى البرلمان لو كان على رأس قائمة نهضوية أمر مفروض منه ولكن وجود 109 من النواب لكي يصوتوا له كرئيس للمجلس مخاطرة غير محسوبة العواقب إذ الأرجح أن يتكل الجميع ، بمن فيهم من يتملق للنهضة في السرّ،على إسقاط «شيخ» الإسلاميين !! وعندها يكون الغنوشي قد مني بهزيمة سياسية وشخصية تفقده

الكثير من السلطة المعنوية داخل حركة تشهد اليوم توترا متصاعدا جراء هذه التكتيكات الغنوشية التي لا يخطط لها داخل اطر الحركة الإسلامية بل في الدوائر السياسية والعائلية لـ«الرئيس».

إن كان كرسي قرطاج شبه مستحيل المنال فكرسي باردو ليس بأيسر منه وقد تكون الطريق إليه محفوفة بمخاطر لا يتقن حسابها الآن من هم في وضع هندسة المستقبل السياسي لراشد الغنوشي ..

ولكن الثابت في كل الاحوال أن تواجد الغنوشي في التشريعية سيعطي للحملة القادمة طعما خاصا ..

وهنا الفرجة مضمونة ولكن المقاعد محدودة جدّا !!!

*نشرت هذه المقالة في جريدة المغرب - اليومية التونسية - بتاريخ 17/07/2019

وسوم
شارك :