تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

أردوغان يحاول أن يلعب دور "خليفة المسلمين"

شارك :

في 14 فيفري  1989، بينما كان العالم يستعد للاحتفال بعيد الحب، أعلن مرشد الجمهورية الإسلامية في إيران روح الله الخميني، فتواه الشهيرة بإهدار دم الكاتب البريطاني من أصل هندي سلمان رشدي، بسبب روايته "آيات شيطانية". وفي أعقاب ذلك، خرجت التظاهرات هادرة في شوارع الكثير من العواصم العربية والإسلامية، ونجح الخميني في إستغلال الحدث لصالحه، وتحويل ولايته الروحية من حيزها الإيراني الضيق إلى آفاق إسلامية أكثر اتساعاً، مساعداً بذلك برنامج "تصدير الثورة" الذي نهجته بلاده منذ أن سيطر على حكمها أهل الحوزات وأصحاب العمائم.
 
في كتابه البديع "الثامن عشر من برومير – لويس بونابرت" يحاول كارل ماركس تعديل نظرة هيغل للتاريخ: "يقول هيغل في مكان ما إن جميع الأحداث والشخصيات العظيمة في تاريخ العالم تظهر، إذا جاز القول، مرتين. وقد نسي أن يضيف: المرة الأولى كمأساة والمرة الثانية كمسخرة''. وتبدو لي أن المأساة التي دشنها الخميني منذ ثلاثة عقود وأكثر قليلاً، عندما أعطى الحق لنفسه من وراء البحار في سجن كاتب في فقاعة من الخوف والحذر لسنوات، تحولت اليوم إلى "مسخرة" حقيقية مع رجب طيب أردوغان، رئيس تركيا "العلمانية" الذي يريد أن يصبح خليفة للمسلمين، مستغلاً صوراً نشرت للنبي محمد منذ سنوات، بعدما فشل أجداده العثمانيون في الحفاظ على "الخلافة" تحت ضغط الواقع والتاريخ.
 
جاءت حادثة اغتيال المدرس الفرنسي صامويل باتي وما أعقبها من ردود فعل فرنسية، والخطاب الذي ألقاه الرئيس الفرنسي خلال حفل تأبين الضحية في مجمع البانثيون، هدية من السماء لأردوغان كي يبرز إلى سطح المشهد مرة أخرى بوصفه المدافع الأول عن المسلمين والمسؤول عنهم في مواجهة غيرهم من الملل والنحل والأمم، مستحضراً تراث الخلفاء الذين سادوا ثم بادوا، وسيلته في ذلك خطابه الشعبوي المفضل. كما شكلت الأحداث فرصة له للإنتقام من غريمه ماكرون، الذي وقف في وجه زحفه نحو قبرص وعمليات التنقيب في شرق المتوسط، وندد بتدخله في الصراع الأرمني الأذري في إقليم ناغورنو كراباخ، والذي حاول أردوغان أن يعطيه صبغة دينية بعيداً من قومية الصراع وتاريخيته، من باب أن الرئيس التركي يستمتع بتحويل أي خلاف سياسي إلى حرب هويات دينية بين "الكفر والإسلام" يكون هو في وسطها حاملاً للواء "الإسلام" ومنافحاً عن "شرف الأمة الإسلامية".
 
يبدو أردوغان في خطابه الشعبوي واعياً، بمدى تأثير هذه الشعارات الدينية العاطفية في نفوس الناس، وبخاصة في نفوس المسلمين، الذين شعروا بأن هذه الرسوم تتجاوز مجرد تصوير النبي بشكل ساخر إلى إهانتهم في عقيدتهم.
 
والحق أن الجموع دائماً ما تبحث عن "القائد والمخلص"، بخاصة أن المدونة الإسلامية الدينية تحفل بمديح "المخلصين" وتبشر بظهورهم لـ "انقاذ الأمة"، في حالة عجز تام عن تصور مثال آخر للأمة دون حضور الزعيم أو ظلاله أو رائحته أو جزء من زمنه. وهنا يحضر خطاب أردوغان مستغلاً هذا الإحتياج النفسي، فهو واعٍ تماماً بذلك ويحاول لعب دور خليفة المسلمين، وليهم الشرعي والسياسي والمتحدث باسمهم والغاضب باسمهم ومن أجلهم. وللأسف ينجح الرجل في إتقان اللعبة مسلحاً بالمئات من الوسائط الإعلامية، الرقمية والتلفزيونية لترويج هذه الصورة والمئات من المشائخ والمدونين والشبكات الإجتماعية، وبخاصة بجماعة إسلاموية كبيرة كـ"الإخوان المسلمين"، لتكريسه "خليفة مفترضاً".
 
وفقاً لخريطة الحنين التاريخي العثماني التي يتحّرك على ضوئها أردوغان منذ سنوات، بإعتبار تركيا وريثةُ الدّولة العثمانية، فقد تحول منذ العام 2011، نحو طموحات أشد توسعية في سياساته. بدأ الأمر بمحاولات إعادة السيطرة على مناطق النفوذ العثماني القديم في المغرب العربي وبلاد الشام، تجلت في تدخلات سياسية وعسكرية في ليبيا وسوريا وتونس والسودان وجيبوتي والصومال واليمن. أما الوجه الثاني لهذه السياسة التوسعية فهو محاولات السيطرة على الجاليات المسلمة في أوروبا، وقد بدأت بوادر ذلك من خلال إحكام السيطرة على مناطق النفوذ العثماني القديمة في القوقاز وألبانيا والبلقان وأوروبا الشرقية، ثم محاولة السيطرة على نسيج المؤسسات الدينية والمدنية التابعة للجاليات المسلمة في أوروبا الغربية من خلال ضخ تمويلات كبيرة وأيضاً من خلال تدريب الكوادر الدينية القيادية في تركيا أو في مؤسسات تابعة للوقف التركي. لكن هل هدف أردوغان من كل ذلك حماية المسلمين أو الإسلام؟
 
بعد عشر سنوات من فتوى الخميني الشهيرة أعلنت طهران عن "انتهاء" التهديد الموجه نحو سلمان رشدي. بجرة قلم واحدة لم يعد الإسلام مهدداً ولا المقدسات مستباحة. فقد حققت الفتوى أهدافها وحشدت الرأي العام المسلم العاطفي إلى جانب الثورة الإسلامية ولم يعد هناك داعٍ لإهدار دم رشدي. ولأن "جميع الأحداث والشخصيات العظيمة في تاريخ العالم تظهر، إذا جاز القول، مرتين" فإن السنوات القادمة ستكشف لنا بوضوح أن خطاب أردوغان الساعي لتقديمه في ثوب خليفة المسلمين ليس إلا أداة لهيمنة تركية على المنطقة العربية والعالم الإسلام، ستعيد إنتاج "الاستعمار العثماني" في شكل مسخرة.
 
لا يكتفي ماركس في "الثامن عشر من برومير – لويس بونابرت" بتعديل نظرة هيغل للتاريخ بل يفكك حال الناس المأخوذين بسحر تكرار التجارب في التاريخ قائلاً إن "تقاليد جميع الأجيال الغابرة تجثم كالكابوس على أدمغة الأحياء. وعندما يبدو هؤلاء منشغلين فقط في تحويل أنفسهم والأشياء المحيطة بهم، في خلق شيء لم يكن له وجود من قبل، عند ذلك بالضبط، في فترات الأزمات الثورية كهذه على وجه التحديد، نراهم يلجأون في وجل وسحر إلى استحضار أرواح الماضي لتخدم مقاصدهم، ويستعيرون منها الأسماء والشعارات القتالية والأزياء لكي يُمثلوا مسرحية جديدة على مسرح التاريخ العالمي في هذا الرداء التنكري الذي اكتسى بجلال القدم".

الكلمات المفاتيح:
شارك :