تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

:شارك

أسبوع عاصف داخل «شورى» النهضة: ماذا يعني ترشيح «عبد الفتاح مورو» للرئاسة؟

0
شارك :

أحمد نظيف

إن ما عاشته وتعيشه حركة النهضة منذ أكثر من شهر يدعوا إلى أكثر من وقفة. الهمس والغمز حول تسلط رئيس الحركة راشد الغنوشي على القرار، ومصادرة المكتب التنفيذي، الذي اختار الغنوشي أغلب أعضائه، لقرار القواعد في تصعيد من يمثلهم في البرلمان، تحول إلى مواقف علنية، وصل بعضها إلى وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. إذاً، ذلك التيار الأقلي المعارض للغنوشي ومجموعة المكتب التنفيذي لم يعد أقلياً.

يقول قيادي بارز في النهضة، الأزمة الداخلية التي حدثت خلال شهر جويلية، على خلفية الغاء المكتب التنفيذي لنتائج بعض الانتخابات التمهيدية في الجهات، بأنها قد "وضعت الحركة في خطر لم تواجهه طيلة تاريخها كله". فالانقسام وصل إلى مستويات غير مسبوقة. ولأول مرة توجد مناطق بأكملها، وذات وزن، خارج سيطرة الغنوشي. لقد صعود البرجوازية الإسلاموية داخل الحركة، وتبجيل فئة رجال الأعمال على حساب قيادات تاريخية محلية وجهوية (ممكن غير معروفة للعامة) ذات أدوار اجتماعية بارزة خلال فترة التهجير، كل ذلك أدى إلى تأكل شرعية الغنوشي، على حساب تيار الجلاصي ومن خلفه كل المغضوب عليهم (تيار اللوز، تيار الجبالي...).

منذ مدة، وقبل وفاة الرئيس قائد السبسي، كلف الغنوشي صهره، عضو المكتب التنفيذي لحركة النهضة والمكلف بالعلاقات الخارجيّة، رفيق عبد السلام بإعداد ورقة تقدير موقف حول ما يجب أن يكون عليه موقف الحركة من سباق الرئاسة، وفي اتجاه أن تلتزم النهضة بعدم خوض هذا السباق. كان الغنوشي يعي تماماً حجم الانقسام الحاصل داخل الحركة، لكنه كان مازال يأمل بأن وزنه التاريخي والتنظيمي والرمزي داخل المؤسسات يمكن أن يرجح كفته في مواجهة التيار المقابل.

يتكون التيار المقابل، من مجموعة من القيادات المركزية والجهوية، ليست متجانسة في أفكارها، لكنها توحدت خلف خلافاتها مع المكتب التنفيذي. يرى هذا التيار بأن المشاركة السلبية للحركة في إدارة الشأن السياسي في البلاد أصبحت توجهاً مضراً بالحركة خاصة في علاقة مع قواعدها، وأن على الحركة أن تنهي مع سياسية التخفي وراء تحالفات هشة لممارسة السلطة، لأن الذرائع التي بني عليها هذا التوجه في 2013 لم تعد قائمة. وهذه الذرائع الخوف من الوضع الإقليمي المضطرب وخاصة ما حدث في مصر في أعقاب صعود السيسي إلى السلطة.

في المقابل يرى الغنوشي أن المخاطر الإقليمية والدولية مازالت قائمة، بل أشد خطراً، وأن سيطرت الحركة على منصب رئاسة الجمهورية سيضعها في فوهة المدفع، لجهة الصلاحيات التي يمنحها الدستور للرئيس في إدارة ملف العلاقات الخارجية وخاصة سيضعها في حرج كبير، مع قواعدها ومع حلفائها الخارجيين – تركيا وقطرا أساساً – هل ستبقى الحركة وفيةً لحلفائها أم أنها ستحكم منطق الدولة؟ - يتساءل الغنوشي.

ذهب الغنوشي ومجموعته السبت الماضي بشبه يقين بأنهم سيحسمون المعركة داخل الشورى. لكن ما حصل داخل المجلس كان خارج التوقعات، حيث صوتت أغلبية أعضائه لصالح ترشيح قيادي من الحركة، لكن النصاب القانوني (51 عضوا) لم يتوفر لاعتماد القرار، وهو ما استدعى الإبقاء على جلسات مجلس الشورى مفتوحة، حتى ليلة الثلاثاء، عندما حدث انقلاب غير مسبوق في موازين القوى، عندما صوتت أغلبية الأعضاء بترشيح قيادي من الحركة وتم اعتماد القرار، الأمر الذي اضطر المكتب التنفيذي ورئيسه الغنوشي إلى اقتراح نائب الرئيس عبد الفتاح مورو، كما ينص عليه القانون الداخلي للحركة، كي يكون مرشحاً في سباق الرئاسة ليصعد بـ98 صوتا. وحيث وجد الغنوشي نفسه مضطراً لاقتراح شخصية، فقد اقترح مورو، لجهة المرونة الشديدة التي يتحلى بها الرجل والتي يمكن أن تسعفه في أن يكون رئيساً، إن أسعفته الصناديق.

لكن مجموعة الغنوشي داخل الحركة مازالت تعتقد بأن هذا الترشيح – إن كتب له الفوز – لن يكون في صالح الحركة. حتى أن رفيق عبد السلام كتب ليلة انعقاد مجلس الشورى محاولاً التأثير على اتجاهات التصويت:" المعطيات الموضوعية الصلبة تقول اننا نعيش في اوضاع دولية تتسم بصعود موجات يمين متحصنة بنزعات قومية انكفائية، ولا تقيم وزنا لقيم الحرية والديمقراطية في بلدانها قبل غيرها. يضاف الى ذلك تشكل محور إقليمي معاد في الصميم للربيع العربي والخيارات الديمقراطية، وقد بنى هذا المحور سرديته الكبرى على كارثية التغيير والديمقراطية، وشعاره في ذلك اما نحن او الجحيم.  هذه المعطيات ليست فزاعات من وحي الخيال او ممارسة فن التخويف، بل هي حقائق ماثلة أمامنا، ومن لا يصدق ذلك سيختبر قسوة هذه المعطيات على الارض وتتوحل أقدامه في متاهات لا نهاية لها. الجرأة والشجاعة خصال مطلوبة في السياسة، كما ان العمل السياسي لا يخلو بطبعه من قدر محسوب من المجازفة، ولكن ثمة مسافة فاصلة بين المغامرة والتنطع وبين الإقدام والتوكل. الجرأة والشجاعة هي ان تكبح جماح الرغبة في التموقع وشهوة السلطة وان تتوقف حيث يتوجب التوقف.  في الاوضاع الطبيعية تتقدم الأحزاب بمرشحيها لكل المواقع، في إطار منافسة مفتوحة ونزيهة، فمن اجل ذلك صنعت الأحزاب والهيئات السياسية اصلا، ولكن يجب ان يدرك الجميع اننا ازاء اوضاع غير طبيعية، بما يجعل درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح، وحماية مصالح البلاد متقدمة على الاعتبارات الظرفية التي تخص النهضويين. الكثير من المقولات المتداولة من قبيل: لما نتقدم نحن للمواقع الاولى؟ وهل الآخرون أولى او أقدر منا ونحن القوة السياسية الاولى في البلد؟ ولماذا نفرط في حقوق طبيعية للحزب ومنظوريه؟ كل هذه الأسئلة لم تختبر جديا على ارض الواقع وتظل أقرب الى الشهوات منها الى معطيات التحليل. ما تحتاجه تونس في المرحلة القادمة هو مرشح توافقي غير معاد لتوجهات الثورة ومتشبع بالخيار الديمقراطي المدني، كما انني مقتنع ان تقديم مرشح نهضاوي مرهق لتونس وتجربتها الديمقراطية، ومنهك للحزب وآفاقه المستقبلية. كنت ومازالت مقتنعا بهذا الرأي، وقد صدحت به جهرا وبقوة حينما طرح خيار تقدم الاستاذ راشد الغنوشي لهذا الموقع، لأن السياسة لا تنبني على المجاملات والعواطف الذاتية، بل على الحسابات العقلانية الباردة.  التوافق خيار استراتيجي يجب ان نحافظ عليه في السنوات القادمة ليس لأنه جيد من الناحية الاخلاقية بل لأنه مفيد ومجد من الناحية العملية، فبفضله تمكنا من حماية التجربة التونسية من آفة الفتن والفوضى وأوصدنا كثيرا من ابواب الشر. قد لا بكون هذا الخيار مثاليا ولكنه يظل في نهاية المطاف الأقل سوءا لنا ولغيرنا.''

وسوم
شارك :