تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

:شارك

«داعش» واستراتيجيات «العودة» من جديد

0
شارك :

تسارعت الأحداث في الفترة الأخيرة على الساحة الدولية بطريقة غير مسبوقة، ولعل تداخل الأحداث أثَّر بصورة كبيرة على تطور استراتيجيات الجماعات الإرهابية، لا سيما تنظيم داعش. ولعلنا نحتاج في تحليلنا للأحداث أن نعود خطوة للوراء إلى ما قبل مقتل "أبو بكر البغدادي" بأسابيع قليلة؛ للوقوف على أبرز مظاهر ذلك التطور، وما أسفرت عنه الأحداث، وما آلت إليه الأمور بعد مقتله. وسيكون التركيز بشكل أساسي خلال هذا التقرير على الأوضاع في مناطق النزاع بسوريا والعراق، وانعكاساتها على أوروبا بشكل عام، وعلى إسبانيا بشكل خاص

داعش بين السقوط وإعادة التشكيل

أفادت وسائل الإعلام المحلية في إسبانيا، وعدد من التقارير أن الآلاف من أقارب الإرهابيين المحتجزين في معسكر "الحول" قاموا بأعمال شغب لاختراق الأسوار، ومحاولة إخراج أقاربهم من هذه السجون. وعلى الرغم من أن عناصر القوات الديمقراطية الكردية في سوريا حاولت السيطرة على الوضع، فإن عدد من عناصر تنظيم داعش استطاعوا الهرب من أحد السجون الكردية، وفقًا لوكالة أنباء "رويترز". ومما لا شك فيه أن هروب أعداد من عناصر تنظيم داعش المعتقلين، وتمركزهم في أماكن أخرى داخل الأراضي السورية، يتيح لهم فرصة إعادة ترتيب صفوفهم، وتنفيذ أعمال إرهابية أخرى. وعليه وضع التنظيم مجموعة من الخطط التفصيلية التي تسهّل عملية تهريب العناصر الإرهابية المحتجزة في مخيم "الحول" في سوريا. وقد ساهمت الرسالة الصوتية التي وجهها "أبو بكر البغدادي" آنذاك، في منتصف سبتمبر 2019 إلى أتباعه لحثهم على تحرير النساء والأطفال وباقي العناصر الأخرى من السجون الكردية، في إمكانية إعادة تشكيل التنظيم لنفسه مرة أخرى.

وفيما يتعلق بأوروبا، فإنَّ البلدان التي ينتمي إليها عدد غير قليل من سجناء داعش مثل إسبانيا وفرنسا، هي أيضًا أهداف لأولئك السجناء بعد فرارهم؛ لكن فرصتهم هناك أقل كثيرًا نظرًا للتشديدات الأمنية. وتركز الخطط التفصيلية للتنظيم على تكثيف الهجمات، وتشتيت أية قوى مناظرة. ليس هذا فحسب، بل حثَّ التنظيم أتباعه من الذئاب المنفردة على تنفيذ هجمات في البلدان التي يقطنون فيها.

وتأكيدًا على خطر إعادة الهيكلة، أعلنت السلطات الكردية في وقت سابق عن هروب قرابة 800 شخص من أقارب أعضاء تنظيم داعش الأجانب من معسكر للنازحين في شمال سوريا، على مقربة من قتال القوات الكردية، في حين أفادت وكالة "فرانس برس" أن النازحين قد هربوا بشكل تدريجي. ولا شك أنه في ظل تضارب الأنباء وتداخل الأحداث تصبح النتيجة المرجحة هي وجود حالة من الاضطراب في هذه المنطقة من سوريا، والتي تنذر بخطر إعادة هيكلة تنظيم داعش مرة أخرى هناك.

ومن الاستراتيجيات الجديدة التي يتخذها تنظيم داعش لإعادة هيكلته هي الاستعانة بالمجرمين. وفي هذا الصدد أفادت دراسة جديدة أجراها "مشروع مكافحة التطرف ومركز السياسة الأوروبية" بأن الجماعات ‏الإرهابية، خاصة تنظيم داعش، تقوم بتجنيد المجرمين ممن لهم سجلات إجرامية لاستخدام ‏مهاراتهم وخبراتهم في الإفلات من قوات الأمن عند تنفيذ هجمات إرهابية في البلدان الأوروبية.

‏وتوصلت الدراسة التي أُجريت على عدد من البلدان الأوربية، منها ألبانيا وبلجيكا وفرنسا ‏وألمانيا وإيرلندا والسويد وهولندا والمملكة المتحدة، إلى وجود روابط قوية بين الجماعات الإرهابية ‏والعناصر الإجرامية، ويمكن ملاحظة هذه الظاهرة داخل السجون وخارجها. ‏ وأوضحت الدراسة أن العناصر الإجرامية التي تتمتع ‏بمهارات إجرامية عالية هي الأكثر عرضة للاستقطاب من قبل الجماعات الإرهابية؛ لأنها تعتبرهم أكثر نفعًا من غيرهم. وتوضح كل الشواهد أن التنظيم يعتزم إعادة تشكيل نفسه مرة أخرى في مناطق النزاع بسوريا والعراق، ولا يفكر في اللجوء إلى مناطق أخرى.

في حين يرى خبراء إسبانيون أن تنظيم داعش لم ينته، وأن فكرة الخلافة لا تزال قائمة، وأن التنظيم سيعود للظهور مرة أخرى، ولكن ربما في مناطق أخرى، وعلى الأرجح في قطاع الصحراء في منطقة الساحل. ‏ وأضاف الخبراء أن هذا القطاع هو ‏المكان الذي يتيح للتنظيم اكتساب المزيد من القوة؛ لأنها مناطق مترامية الأطراف، مما يجعل ‏السيطرة على الحدود أمرًا صعبًا للغاية، ويسهل وفود العناصر الإرهابية إليها.

كما شدد الخبراء على ‏ضرورة معالجة هذه المشكلة التي تنمو بالفعل، قبل أن تصل إلى حجم يكون من الصعب ‏مجابهتها، خاصة مع وجود عوامل مساعدة بمنطقة الساحل، مثل الجريمة المنظمة وتهريب المخدرات والاتجار بالبشر والأسلحة وأنشطة التهريب، والتي تُعد مصادر للتمويل والبقاء بالنسبة للجماعات المتطرفة.

استهداف تنظيم داعش لإسبانيا وأوروبا مؤخرًا ‏

عاد تنظيم داعش للتلويح من جديد بتنفيذ هجمات إرهابية في إسبانيا، وذلك من خلال مقطع فيديو ‏مترجم إلى اللغة الإسبانية، نشره على إحدى منصاته الإعلامية، خلال شهر أكتوبر 2019. وقد اشتمل الفيديو، الذي تمّ نشره تحت عنوان "الأندلس: إسبانيا ومكانتها الخاصة"، على ‏رسائل تحريضية لأتباع التنظيم -من الذئاب المنفردة-تحثهم على تنفيذ هجمات إرهابية في إسبانيا، ‏وذلك وفقًا لما صرّحت به جريدة "لا راثون" الإسبانية. ‏ وقد جاء نشر هذا الفيديو بعد اعتقال الشرطة الإسبانية للمسؤول الرئيسي عن ‏شبكة "منتصر ميديا" الدعائية، التابعة لتنظيم داعش الإرهابي، وذلك بعد مداهمة منزله الواقع في بلدية "بارلا"، ‏شرقي العاصمة "مدريد".

وأوضحت الشرطة أن المتهم كان يسجّل العديد من مقاطع الفيديو، ‏ويبثّها عبر شبكة الإنترنت؛ لاستقطاب مقاتلين لصالح التنظيم الإرهابي. وعند تفتيش منزله عثرت ‏الشرطة على قائمة بأسماء أشخاص ومنشآت رسمية، يُحتمل أن تكون أهدافًا لعمليات إرهابية.  ‏ ويأتي هذا النوع من الرسائل ضمن سلسلة من التهديدات التي ينتهجها تنظيم ‏داعش الإرهابي لإثبات وجوده، وكما نرى فإنه يريد -من خلال هذه الرسائل-إشعال الحماسة في نفوس أتباعه، ‏ويلعب بآخر أوراقه، وهي ورقة "الذئاب المنفردة"، بعد أن فقد جُلَّ قوامه الأساسي مع ‏سقوط معاقله الرئيسية بسوريا والعراق.

وكان تنظيم داعش الإرهابي قد نشر أربعة فيديوهات تهديدية مصحوبة بترجمتها إلى الإسبانية، وذلك خلال الأسبوع الثالث من أكتوبر 2019. وتهدف هذه التسجيلات إلى مخاطبة أتباع التنظيم ممن لا يجيدون العربية في البلدان المتحدثة بالإسبانية، وأيضًا مخاطبة غير أتباع التنظيم بهدف استقطابهم. وأشار خبراء إلى أن هذه الفيديوهات تأتي ضمن حملة التنظيم الإعلامية بغرض إثارة الرعب عن طريق التهديد، وإثبات وجوده. وكان آخر هذه الفيديوهات، فيديو يحمل دعوة لكل المسلمين كي ينضموا إلى ما يسمونه بــ"القافلة المضيئة"، وقد نشرته قناة "فرات ميديا"، وفيه طالب التنظيم من جميع المقاتلين في كل دول العالم-بما فيهم أوروبا وأمريكا-بالانضمام إلى ما يسمى "خلافة داعش"، من أجل القتال في الحرب التي بدأت بالفعل، على حدِّ قول التنظيم.

وقد شدد مرصد الأزهر لمكافحة التطرف في تقارير سابقة على أن اهتمام التنظيم بإدراج الإسبانية في لغة "الحرب الإعلامية" أمر مثير للقلق، لأنه يعكس في كل الأحوال فكرة تتلخص في أن التنظيم يولي اهتمامًا بالبلدان الناطقة بالإسبانية، وهي حقيقة يجب أخذها بعين الاعتبار عند تحليل التهديدات الإرهابية. مما سبق يمكننا ملاحظة مدى تزامن الحراك الميداني للتنظيم مع تلك الرسائل، وخاصة الموجَّهة إلى أوروبا؛ الأمر الذي يلخص أن هدف التنظيم الرئيسي خلال الفترة الراهنة هو "العودة"، سواء إلى الميدان أو عودة العناصر إلى بلدانهم لتنفيذ هجمات جديدة.

صدر هذا التقرير عن مرصد الأزهر لمكافحة التطرف
وسوم
شارك :