تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

دعائم الإسلام السياسي وقضيّة «المخاطر»

شارك :

نادر الحمّامي

ليس القول هنا مراجعة أكاديميّة أو علميّة لكتاب فريد بن بلقاسم، "الإسلام السياسي ومفهوم المخاطر"، الصادر مؤخّرا عن دار الجنوب بتونس، فالقول بذلك في هذا المقام هو محض ادّعاء.  الأمر لا يتجاوز مجرّد فكرة واحدة نراها جامعة، في تقديرنا، وفي الكثير من وجوهها، للمباحث المتعدّدة التي شملها هذا الكتاب الذي يستحقّ القراءة، وهو جدير بمراجعة أوفى في مناسبات لاحقة.

تتلخّص الفكرة في أنّ الحركات السياسيّة -الدينيّة التي غدت منذ سنوات الآن تُجمع تحت مسمّى "الإسلام السياسي" يمكن أن تعالج جوهريّا وبنيويّا باعتبارها كيانا موحّدا، على الرغم من ظاهر تعدّدها الذي لا يتجاوز الشكل في كثير من الأحيان. ذلك أنّ غايات دعاة الإسلام السياسي، على اختلاف مرجعيّاتهم، واستراتيجيّات خطاباتهم، وتعدّد ما يكتبونه وينشرونه، تبقى في النهاية متقاربة إلى حدّ كبير، هذا إلى لم نقل إنّها تتماهى في أغلب الأحيان. ولعلّ ذلك يزيح كلّ التقسيمات الفرعيّة لحركات الإسلام السياسي، وبالخصوص تقسيمها إلى معتدلة ووسطيّة ومتشدّدة ومتطرّفة وراديكاليّة وأصوليّة من جهة التوصيف، أو تلك التي تشارك في الانتخابات وأخرى ترفضها كُفرا بالديمقراطيّة، أو ذلك التفريع للسلفيّة إلى علميّة وجهاديّة، أو حتّى محاولات التمويه عبر ما يسمّى الفصل بين الدعوي والسياسي، إلى غير ذلك ممّا يمكن تجاوزه إذا نظرنا عميقا في مرتكزات الإسلام السياسي بعيدا عن هذه التنويعات، التي قد تكون مخاتلة في كثير من الأحيان. هذا بالإضافة إلى أنّ الكتاب يتجاوز كلّ التنظيرات المتعلّقة بمفهوم الإسلام السياسي، إذ أنّ الكاتب خرج من كلّ ذلك استنادا لما يعتبره، عن صواب في تقديرنا، السمة الرئيسيّة التي تشترك فيها كلّ اتّجاهات الإسلام السياسي، "وهي توظيف الدين الذّي يحتلّ مركزيّة في خطابها، فبه تشرّع وتستقطب وتفسّر وتبرّر. وإنّ هذه السمة هي الّتي تشكّل، في نظرنا، حجر الزاوية في ما يمثّله تيّار الإسلام السياسي من تحدّيات حاضرا ومستقبلا، باعتبارها تُحوّل الدين من عامل استقرار نفسيّ وتضامن اجتماعيّ إلى عامل توتّر وتفرقة وانقسام" (ص28).

ربّما تمّت الإشارة إلى الكثير ممّا تختزله هذه الفكرة في كتاب آخر لعبد المجيد الشرفي، هو "مرجعيّات الإسلام السياسي"، إذ جمع ما يعدّه مشتركا بين أتباع الإسلام السياسي وحركاته، وبالخصوص في مقولات الانضباط وطاعة الزعيم والشعبويّة، وهي مقولات يمكن في الحقيقة الوقوف عليها بيسر لمن يتابع تلك الحركات، بما يجعلها تلتقي بنيويّا مع كلّ الحركات الفاشيّة. ولكن المهمّ في كتاب فريد بن بلقاسم تطرّقه إلى المسألة من زاوية "مفهوم المخاطر"، والذي هو ليس في هذا المقام لفظا إنشائيّا أو استعاريّا وإنّما هو مصطلح علميّ أصبح في مراكز البحث وفي الدراسات العلميّة، إضافة إلى أنّه مصطلح يخترق المجالات السياسيّة والإداريّة والاجتماعيّة، ويرتبط المصطلح أيضا بقضايا الأمن القومي. وهذا كلّه مجتمعا يجعل كتاب فريد بن بلقاسم قائما على توجّه منهجيّ واضح المعالم ويستند إلى جهاز اصطلاحيّ دقيق لخّصه مصطلح المخاطر، وهو عنده في المحصّلة "مفهوم متعدّد الدلالة، ويقدّم منظورا تحليليّا لوضع تيّار الإسلام السياسي بمختلف حركاته في المجتمعات العربيّة المعاصرة في ضوء ما تشهده من أزمات متعدّدة الأبعاد، سياسيّة واجتماعيّة وتنمويّة وثقافيّة وفكريّة" (ص34).

ولا يمكن الوقوف بدقّة على المخاطر المتعدّدة التي تشكّلها تيّارات الإسلام السياسي إلاّ بالوقوف على ما يؤلّفها، فيزيح وهم تعدّدها الشكليّ. وفي هذا السياق يحدّد فريد بن بلقاسم ستّ نقاط أساسيّة تشترك فيها خطابات دعاة الإسلام السياسي، سنعدّها هنا "دعائم الإسلام السياسي"، ويبدو أنّ إنكار إحداها لا يعدو أن يكون إغماض العينين عن واقع ساطع.

الدعامة الأولى ترتبط باعتبار الدين إيديولوجيا يجب أن تقود كلّ المسلمين في كلّ مناحي حياتهم، وعليهم الالتزام بها. وهذا الاعتبار، كما لا يخفى، مشترك بين كلّ تيّارات الإسلام السياسي دون استثناء، فلا يمكن لأحد منها أن ينكر اعتباره أنّ الإسلام دين شامل لكلّ ما يعترض المسلم في حياته، وهو يؤدّي بالضرورة إلى نزعة شموليّة كليانيّة.

الدعامة الثانية تتعلّق أساسا بفكرة "ثوابت الدين"، ونعلم جميعا أنّ هذه الفكرة كثيرا ما تُرفع لمواجهة كلّ جديد أو كلّ دعوة إلى تحديث المجتمع أو تبنّيه لقيم تخالف المألوف والسائد في المجتمعات المحافظة. وهذا يرتبط بشكل أو بآخر بفكرة تحكيم الشريعة التي تمثّل، عند كلّ تيّارات الإسلامي، الأصل الأوّل والوحيد لكلّ التشريعات والقوانين.

الدعامة الثالثة مدارها شعارات الخطاب الشعبوي في المجال الإسلامي، وفي طليعتها "الإسلام هو الحلّ"، و"الإسلام دين ودولة"، و"القرآن دستورنا"، وكلّ الشعارات التي تروّج للمجتمعات الفقيرة، والتي تنتشر فيه نسب كبيرة من الأميّة والجهل، لتقدّم تيّارات الإسلام السياسي نفسها على أنّها "المنقذ الأوحد" و"الخلاص الأخير" من بؤس الحاضر، فلا بديل عنها.  

الدعامة الرابعة تلخّصها فكرة "المركزيّة الإسلامويّة" التي لا تختلف جوهريّا عن مقالة "الفرقة الناجية" القديمة، ممّا يحيل على فكرة احتكار حركات الإسلام السياسي للدين الصافي النقي. وهذا يقصي بالاستتباع كلّ من انتسب إلى الإسلام ولم ينتسب إلى الإسلام السياسي.

الدعامة الخامسة مُفادها ما تشترك فيه تيّارات الإسلام السياسي من رؤية ماهويّة ووثوقيّة، ممّا يجعلها تقدّم نفسها على أنّها مكلّفة بتصحيح أفهام الناس عن دينهم واسترجاع ما أنقصه "أعداء الدين" في نظرهم من المتغرّبين والعلمانيّين والشيوعيّين، إلى آخر القائمة الكلاسيكيّة عندهم والتي كثيرا ما نسمع نتفا منها.  

الدعامة السادسة محورها ما يمكن تسميته "عصمة الزعيم"، شيخا كان أو مرشدا أو أميرا أو رئيسا، ومهما كان شكل التنظيم: جماعة أو جمعيّة أو جبهة، أو كتيبة أو حزبا (انظر الهامش 2، ص 49)، أو حتّى دولة أحيانا. وهذا الأمر يكرّس مسألة الطاعة والانضباط التي يقسم عليها كلّ المنتمين إلى تيّارات الإسلام السياسي عند أداء البيعة.

إنّ هذه الدعائم تجعل من الاختلافات بين تيّارات الإسلام السياسي تنظيميّا، وكذلك في مستوى ممارسة العنف أو إعلان غير ذلك، وكذلك رفض القيم الحديثة والحريّات أو قبولها كَرها تارة أو مناورة وتلفيقا طورا، يبدو كلّا غير مخلّ باستنتاج فريد بن بلقاسم: "إنّ حركات الإسلام السياسي تنصّب نفسها حارسة ما تعتبره "الشريعة الإسلاميّة". ولئن تفاوتت مواقفها فإنّها ترجع إلى المنهج الأصوليّ نفسه وتفكّر من داخل الإطار الابستيمولوجي ذاته" (ص50).

إنّ هذه الخصائص المشتركة هي في حدّ ذاتها "مخاطر" تهدّد بجدّيّة المجتمعات الإسلاميّة في مستويات متعدّدة، منها  ما هو سياسي، ومنها ما هو ثقافي، ومنها ما هو تعليميّ، ومنها ما هو حقوقي ويتعلّق بالحريّات الفرديّة والجماعيّة، إذ أنّ ذلك الإطار الإبستيمولوجي الذي تدور في فلكه تيّارات الإسلام السياسي يشكّل العقبة الأساسيّة أمام كلّ محاولات تحديثيّة في كلّ المجالات، كما يشكّل عدوّا معلنا لكلّ اختلاف وتعدّد، ليزداد خطرها في مجتمع يتحوّل ولكن ببطء شديد، وتساهم ظروفه الاجتماعيّة والاقتصاديّة الصعبة في رواج العديد من شعارات مثل تلك التيّارات، في وقت لم يعد يسمح بكثير من التردّد.   

الكلمات المفاتيح:
شارك :