تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

فيروس كورونا وأسباب انهيار التوازنات النفسيّة لدى الأفراد

شارك :

نبيل البكّاري

 

كلّ شيء، في هذا العالم، يعيش أزمة. وأن نقول أزمة معناه أن نقول أنّ ملامح اللايقين تكبر. ففي كلّ مكان، وفي كلّ شيء يكبر الغموض. معنى هذا أنّه إذا استطاع الأنبياء التنبؤ، وإذا استطاع العرّافون رؤية المستقبل، فلم يعد بإمكان المُشخِّصين تكوين رؤية واضحة ولم يعد بإمكان المتكهنين التكهّن. فالحاضر في طور الهلاك. وكوكب الأرض يحيا، ويترنّح، بتدحرج، ويتجشّأ، وهو في حالة فُواق وحزاق يومي. كلّ ما يحدث، يحدث ويحيا في مدّة قصيرة. والمستقبل ينمحي خصوصا وأنّه يتوقّف، لا على احتمالات وانعراجات (ربّما أنّها حصلت سلفًا...)، وإنّما أيضًا على مُخاطرة كلّية محتملة [...] وهكذا فإنّنا نلفي أنفسنا في عالم يبدو لنا في الآن الواحد في طور التطوّر، وفي حالة ثوريّة، وفي تقدّم، وفي تقهقر، وفي أزمة، وفي خطر.

إدغار موران [1]

نجح فيروس "الكورونا" في إرباك العالم لدرجة يصعب على الذاكرة البشريّة نسيانها. حيث ذهب أعلى وأبعد من كلّ مخاوف البشر القديمة: حرب نوويّة مٌميتة أو كوارث طبيعيّة مدمّرة. حتّى رعب داعش تداعى أمام قدرة الفتك والابادة لدى هذا الفيروس. الأمر الذي أجّج في الأفراد أقسى وأقصى مشاعر الخوف والرعب وهزّ فيهم عميقا كلّ توازناتهم النفسيّة اليوميّة الحياتيّة. حتى الإنكار لم يعد ممكنا ...

بالمعنى الفرويدي، يكمن الخوف من فيروس "الكورونا" ليس في دفع الأفراد في مواجهة فرضيّة الاصابة والموت. بل لأنّه دفعهم دفعا في صدام مباشر مع ميكانيزمات الإنكار خاصتهم تجاه الموت (Le Déni de la mort). وظيفة الانكار عموما، بما هو استراتيجية نفسيّة لاشعوريّة دفاعيّة [2]، تهدف إلى توفير طرق تساعد الفرد على مسايرة التوتر والضغط أوقات الأزمات سواء الفرديّة (الأمراض، الحوادث...) أو زمن التهديدات الحاملة للموت (حروب، كوارث، أوبئة ...) عبر ايجاد حلول نفسيّة، ولو "مخادعة ومتحايلة"، لحماية الذات والحفاظ عليها (Pulsion d’auto-conservation) ليتمكّن بذلك الفرد على التكيّف وايجاد القدرة على الانشغال بأمور أخرى تصرفه عن التوتّر العميق وفي التفكير في الخطر الخارجي وباحتماليّة موته واستبعادها. فظاعة فيروس "كورونا" تكمن أساسا في نجاحه منع الأفراد من "الإنكار" ذاته. وتحوّلت "سلطته" الخارجيّة إلى سلطة نفسيّة داخليّة في الأفراد تهدّدهم وتتحكّم في ايقاعهم الحياتي اليومي والمهني والاِجتماعي والسياسي.

انعدام التوازن النفسي والتقلبات السلوكيّة

هذا العجز حتى عن الإنكار أجّج كمّا فائضا من الهلع والخوف والارتباك والتشوّش العميق. تزعزعت بذلك أغلب التوازنات النفسيّة التي أقامها الفرد مع عالمه المحيط، فطَفت على السطح سلوكيّات متباينة.

أوّلا، سلوك الخوف الشديد حدّ الوسواس القهري من العدوى ليصبح الابتعاد الاجتماعي (Distanciation sociale) مقصدا سلوكيّا جديدا لم يعد فيه حسب عبارة سارتر "الآخر هو الجحيم" فحسب بل أصبح يمثّل" الموت" ذاته. ثانيا، سلوك اللامبالاة بما هي طمأنينة ظاهريّة "كاذبة" يحاول الفرد فيها لا شعوريّا تهدئة مخاوفه العميقة من احتمال العدوى وموته عبر سلوكيّات، تحمل احتقارا ونظرة دونيّة تجاه الآخر، تخالف قواعد "الحجر الصحّي" وتتجاهل كلّ التوصيات والتحذيرات وكأنّ "الموت هو موت الآخر لوحده " وفق المنطق الفرويدي" الموت هو موتنا نحن ومع ذلك لا نفكر فيه إلاّ بوصفه موت الآخرين المهمّ ان نستمر في الإبحار [3].

 في الحالتين لا تخلو هذه السلوكيّات من عُصابيّة لعدم قدرتها على تحديد تموقعها من الآخر. مرّة هو "حامل الموت" الذي يجب الاحتراس منه والابتعاد عنه قدر الإمكان (الوصم)، كأنّ موته لوحده شرط لبقائي حيّا ومرّة هو " الشيء" الذي ينبغي تجاهل خوفه واعتبار حرصه على الحياة والحفاظ على سلامته أمرا غير هامّ. هكذا يتمّ التغافل عن مبدأ إنساني أخلاقي رئيس: شرط حياتي، حتى في أدقّ تفاصيله وأصغرها، مشروط بحياة الآخر: " أنّ موتي هو موتك وحياتي هي حياتك!".

عودة المكبوت (Le retour du refoulé) ...

هي أشبه بزنزانة نفسيّة وعقليّة وعاطفيّة رمت فيها الجائحة كلّ البشر مهدّدة إيّاهم بالموت في حال تخطّوا عتبة "الزنزانة" ولم يلتزموا بـ "الحبس" أي الحجر لتجلس "الأنا"، بالمعنى الفرويدي، في مواجهة "التناقض الوجداني (Ambivalence) للإحساس" لـ "الأنا" خاصتها: 'يُحارب الأنا على جبهتين: فعليه ان يُدافع عن وجوده ضدّ عالم خارجيّ يهدّده بالإفناء، وضدّ عالم داخلي يُرهقه بالمطالب"[4] (سيغموند فرويد ،1939-1938). ويتداخل، بالمعنى اللاكاني، الخيالي بالرمزي وبالواقعي لتفرز حالة "تخبّط" نفسيّة. لا الواقعي جليّ ومؤكّد ويقيني كفاي (Incertain) لتجد "الأنا" بعض طمأنينة (Assurance) أمام لا مرئيّة الوباء (Invisibilité) ولا الرمزي، عبر الآخر الكبير (grand Autre)، أساسا الله وباقي اقتباساته، قادر على تخليصنا وانقاذنا. ولا الخيالي قادر نتيجة لذلك على اقامة تصوّرات نرجسيّة جديدة تجمع الذات بجسدها وبصورتها ولا حتّى القدرة على تأسيس تماهيات جديدة. الأمر الذي يزيد في تعميق استلاب (اغتراب) الذات عن ذاتها.

من هذا التخبّط النفسي العميق يجد المكبوت، وفق المنطق اللاكاني [5]" Ça parle là où Ça souffre..»، فرصة لمعاودة الظهور من جديد خانقا ومسائلا ومشكّكا كلّ التصوّرات اليقينيّة والسلوكيّة والتوازنات اللاشعوريّة لدى الفرد وكلّ التمثّلات الأخلاقيّة والقيميّة وأنساق القناعات دافعا الفرد إلى حالة من الاِحباط الكدر النفسي.

تتم عودة المكبوت، التي تتحرك دائما خفية وتشتغل على غير علم صاحبها، عبر أشكال واشكاليّات عديدة تظهر أساسا من خلال مسائلة علاقة الذات بـ " الله" بما هو "أب رمزي" والحياة بما هي صورة أموميّة وما ينجر عن ذلك من عودة بعض الاشكاليات الأوديبيّة. ثمّ المرض والموت بما هما صور عن تهديدات الخصاء. والعلاقة مع الآخر التي تمثّل مجموع لعبة مرايا (Jeu de miroirs) والتقمّصات التي ينشأها الفرد. يليهما المستقبل الفردي والجمعي بما هما اسقاط و "هُوامات" (Fantasmes)... عودة المكبوت المفاجئة تمثّل "الانفجار" النفسي الذي أحدث شرخا في مستويات الادراك العقلي والعاطفي-الوجداني (Affect) والاخلاقي للفرد.

 قوّة الحياة

غير أنّه يبدو للـ "الكورونا" مزيّة (إن صحّ التعبير) أو درسا تلقنه. هي تمنح الأفراد فرصة نادرة لمراجعة مفهوم الموت وإعادة التفكّر في أساليب وسلوكيّات جديدة تجعل قوّة الموت (Thanatos)، بالمعنى الفرويدي، في خدمة قوّة الحياة (Eros) دونما حاجة إلى إنكار الموت واقصاء الآخر.

أوّلا، الاصغاء جيّدا إلى التحذير الفرويدي "القلق هو المادة الخام لكل الأمراض النفسية". الخوف بما هو حالة قلق وتوجّس يحمل دائما موتا متكرّرا حتى قبل الاصابة الفعليّة بـ "الكورونا". حتى وإن استطاع فيروس الكورونا اجتياح الأجساد فلا ننسى أنّ الكائن بشري يملك 4 أجساد. واحد عضوي (Corps Physique)، قد تمكّنت منه "الكورونا"، وCorps émotionnel، Corps Mental Corps spirituel. يمكن في حالة الاصابة بالعدوى أن تسترد الأجساد الثلاثة الجسد الأوّل المُصاب. حيث تشير أبحاث الفيزياء الكميّة (Physique quantique) أنّ للجسد البشري طاقة هائلة للشفاء وامكانيات عالية تتجاوز المعطيات والقياسات الُمتعارف عليه [6]. علميا، تمّ تسجيل العديدة من حالات الشفاء التي لم يتمكّن العلم من تفسيرها (Guérissons miraculeuses). اكتفى الأطباء بالتسميّة "Rémission spontanée)) للإشارة إلى قدرة الجسد الخفيّة في الشفاء من أمراض مصرّح بها طبيّا مستعصية ومميتة [7].

ثانيا، يقول فرويد: "انّنا في اعماقنا لا نعترف بأنّنا سنموت وانّنا بمعنى آخر نعتقد في لا شعورنا أنّنا خالدون"[8] ربّما علينا أن نعيد التفكّر في هذه الـ "الخالدون" التي عناها فرويد وأن نعيد صياغتها وتخليصها من بعدها العضوي-البدني-المادي المغلق وإرجاعها إلى بعدها الانساني والفلسفي الشامل. أليس "الخلود" هنا اعتقاد لاشعوري تعبيرا عن شهوة الانسان العجيبة واللهفة الشرسة للحياة وتمسّكه بها رغم ادراكه أن الموت دائما على مقربة منه.

ثالثا، التضامن الحيوي (العبارة هنا لإدغارد موران)، بين الفرد والآخر، بين الأفراد والمؤسّسات، بين الفرد والدولة وبين الدولة وباقي الدول. بفعل الحجر استعاد الأفراد "الزمن" والكثير من "الوقت"، الذي التهمت أكثره متطلبات الحياة العصريّة وشروط سوق العمل، والذي توفر للأفراد فرصة للتعرف على ذواتهم من جديد واكتشاف امكاناتها وحدودها والوقوف على احتياجاتها (Besoins) قبل رغباتها (Désirs). هي أشبه بعمليّة تنفيسيّة تطهيريّة (Catharsis) تتاح للفرد ليدرك أنّ الشهوة الملحّة للحياة Eros (الحبّ الصداقة، التعاون، الإيثار، التآزر، المساعدة، التعاطف، الاغاثة ...) هي الرهان الحقيقي لمواجهة الموت Thanatos وكلّ اقتباساته، بدءا بالطاعون والكوليرا مرورا بالسيدا وانفلونزا الطيور والخنازير وجنون البقر والحروب والارهاب وصولا إلى "الكورونا".

ختاما ...فلنصغ إلى تحذير جاك لاكان ونتعمّق في تحليله: "ما تمنحك إياه الحداثة تأخذه منك في مكان آخر!" [9]

 

الهوامش والإحالات

 [1] إدغار موران. إلى أين يسير العالم؟ ترجمة أحمد العلمي، الدار العربيّة للعلوم ناشرون، الطبعة الأولى 2009، بيروت، لبنان.

 [2] آليات الدفاع هي استراتيجيات نفسيّة يأتي بها اللاوعي بهدف التلاعب بالأفكار و التحايل على العواطف أو تشويه الواقع و تغييره، وذلك لحماية النفس من المشاعر السلبيّة.

[3]  انّ الموت شيء طبيعي لا يمكن إنكاره و لا سبيل الى الافلات منه و مع ذلك فقد تعودنا أن نتصرّف كما لو كان الأمر على خلاف ذلك ، و نظهر من السلوك الواضح ما يستشف منه انّنا قد استبعدنا الموت من الحياة ، و وضعناه على الرف و أخرسناه ، وصرنا كما يقول المثل نحاول التفكير في أشياء أخرى تصرفنا عن التفكير في الموت و بالطبع فان الموت الذي نتوجّه بالحديث عنه هو موتنا نحن، و الواقع أنّنا عندما نفكّر في الموت لا نفكر فيه بوصفه موتنا نحن، و كلّما تخيلناه تدافعت صوره في مخيلتنا بوصفنا متفرجين ، ولذلك فإننا قلنا من خلال التحليل النفسي انّنا في اعماقنا لا نعترف بأنّنا سنموت و انّنا بمعنى آخر نعتقد في لا شعورنا أنّنا خالدون ." (سيغموند فرويد،الحبّ و الحرب و الحياة و الموت ،1915)

[4] سيغموند فرويد (1938-1939) ، الموجز في التحليل النفسي ، ترجمة سامي محمود علي و عبد السلام القفاش ، الناشر مهرجان القراءة للجميع ، مصر ،2000 .

[5]. Lacan J., Ecrits, Éditions du Seuil, Collection Points Essais, Paris, 1966.

[6]. على سبيل المثال انظر كتب ريتشارد بارتلي  (Richard Bartlett) : La Physique des Miracles-Pénétrez dans le champ du potentiel de la conscience (2011) ; La Matrice  énergétique : Guide  pratique des énergies subtiles (2019)   و كتاب ايريك بيرل(Eric Pearl) : La Reconnexion .Guérir les autres, se guérir soi-même (2001)

[7] يمكن مشاهدة بعض الشهادات على الروابط التالية:  1-The cure is you : https://www.youtube.com/watch?v=AOG9SwQ2ClE - ; 2-Condamnés par les médecins, ils s’en sont sortis : https://www.youtube.com/watch?v=cIftKSEWVpk

[8] سيغموند فرويد، الحبّ و الحرب و الحياة و الموت ، (1915) دراسة و ترجمة د. عبد المنعم الحنفي، الطبعة الأولى ، دار الراشد ، القاهرة ، مصر ،1992.

[9]. عدنان حبّ اللّه ["ما تمنحك اياه الحداثة تأخذه منك في مكان آخر!" هذا ما سمعته شخصيّا من جاك لاكان]. انظر السياسة الأمريكيّة أمام العنف المنظور وغير المنظور في العالم (مقال، نشر في الحياة يوم 14-02-2002)

الكلمات المفاتيح:
شارك :