تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

:شارك

«غضب في عيد ميلاد الرئيس»: كيف حدثت تفجيرات «سوسة» و«المنستير» 1987

0
شارك :

أحمد نظيف*

دخل المجاهد الأكبر الهرم، قاعة المؤتمرات تحت وابل من التصفيق والهتافات الكلاسيكية، باسمه وروحه وحياته. وقف بورقيبة بصعوبة أمام الحاضرين، في الجلسة الافتتاحية لآخر مؤتمر عقده الحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم (1) في تاريخه، يوم 19 جوان 1986. أمسك بيد وزيره الأول، محمد مزالي، وقال في ذيل خطاب حرره الشاذلي القليبي: «إن محمد مزالي بمثابة ابني الروحي، وإنه يتمتع بثقتي الكاملة اليوم وغداً». كان ذلك تصريحاً من بورقيبة باسم خليفته المقبل وحسماً لحرب الخلافة التي كانت تدور وقائعها في كواليس السلطة بالمؤامرات والدسائس بين أجنحة النظام. لكن أياماً قليلة بعد ذلك الخطاب التاريخي، كشفت عن أن بورقيبة لم يكن جاداً في استخلافه، أو أنه لم يكن يعني ويعي ما يقول تماماَ.

كان مزالي يومئذ محاصراً من خصومه في السلطة والحزب. فقبل أشهر قليلة تم تجريده من وزارة الداخلية ومنحها للجنرال الصاعد، زين العابدين بن علي. وفي 8 جويلية 1986، كان مزالي في بيته يشاهد التلفزيون، عندما أذيع في نشرة الأخبار الرئيسية خبر إقالته من رئاسة الوزراء وتعيين رشيد صفر بدلاً عنه. وبذلك رحل الرجل الوحيد في أركان النظام، الذي كان على علاقة جيدة بالحركة الإسلامية. (2)

لكن في غمرة هذه الاضطرابات في معسكر النظام، نجحت الأجهزة الأمنية في 6 جويلية 1986، في توجيه ضربة موجعة للحركة الإسلامية يومين فقط قبل إقالة مزالي، وكان بن علي مهندسها. بعد أن تم كشف التنظيم السري لحركة الاتجاه الإسلامي والعناصر القيادية غير المعروفة للأمن، فيما عُرف بأكبر انكشاف أمني في تاريخ الحركة. وضعت السلطة يدها على الهيكل التنظيمي القيادي للحركة بتفاصيله والهياكل الجهوية والمحلية وحتى الخلايا الصغيرة، والمكاتب الموسعة: الثقافية والاجتماعية والإعلامية. اكتشف بن علي جهازاً إدارياً ضخماً ودولة داخل الدولة يديرها راشد الغنوشي ورفاقه سراً. أدركت الحركة أنه لم يعد هناك متسع كاف من الوقت، وأن لحظة التغيير الجذري قد حانت.

في ذلك الصيف الساخن، والذي زادته الأحداث لهيباً، توجه راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو إلى منطقة رادس، في الضاحية الجنوبية للعاصمة تونس، والتقيا الوزير السابق، أحمد المستيري، الأمين العام لحركة الديمقراطيين الاشتراكيين. كان لقاءً طويلاً وعاصفاً. عرض خلاله، شيخا الحركة الإسلامية، على مضيفهما أن يكون زعيماً موحداً للمعارضة وتغير نظام الحكم. يروي الغنوشي الوقائع تفصيلاً بالقول: «اقترح الاتجاه الإسلامي ممثلا في الشيخين مورو والغنوشي على المستيري خلال زيارتهما له بضاحية رادس أن يقبل رئاسة تكتل للمعارضة يطرح نفسه بديلا عن سلطة بورقيبة الآيلة لا محالة للسقوط. مبرر ذلك أن استمرار تدهور صحة بورقيبة ونضج عوامل التغيير في غياب البديل الديمقراطي ليس من شأنهما إلا أن يسهلا مهمة جنرال مغامر في الانقضاض على السلطة، فيجهز على الحركة الديمقراطية ومؤسسات المجتمع الأهلي. لقد أكد الشيخان أن التغيير قد آن أوانه فإما أن نصنعه نحن فيكون لصالحنا والشعب عامة أو يفرض علينا من طرف حملة السلاح فيكون لا محالة على حسابنا. والحقيقة أن الحركة الإسلامية بسبب تأثرها بأدبيات المحنة الإخوانية في مصر التي تتلخص في أن مصر شهدت في نهاية الأربعينات من القرن الماضي وضعا سياسيا مشابها، إذ بلغ النظام السياسي حدا بعيدا من الاهتراء ولم يجرؤ على تغييره قادة الحركة الشعبية بسبب قلة وعي أو حسابات شخصية صغيرة منعتهم من التجمع وشغلتهم بالمنازعات الصغيرة في ما بينهم عوض التوجه إلى المرض الرئيسي، فانفسح المجال واسعا أمام العسكر للانقضاض على الحكم، ملوحين بشتى الوعود المعسولة حتى إذا استتب لهم الأمر انقضوا على القوى الشعبية وكان الإخوان أهمها فاعملوا فيها خناجرهم من أجل إشباع نهمهم للانفراد. لقد كان هذا الهاجس حاضرا أبدا وحكم كثيراً من سياساتنا من أجل طرده. ولكنه للأسف ظل يلاحقنا كظلنا أو كالصواريخ الموجهة التي لا تنفك عن ملاحقة هدفها حتى تنقض عليه. ومقابل ذلك كان إعجابنا كبيرا بالطريقة التي توفقت إليها المعارضة الفليبينية في تلك الأيام في وضع مشابه من التخلص من ديكتاتور وفتح البلاد أمام التغيير الديمقراطي وذلك من خلال اجتماع المعارضة الفليبينية حول سيدة لم تكن لها من علاقة بالسياسة غير كونها زوجة لزعيم للمعارضة اغتاله الدكتاتور. وبذلك نجت الفليبين من بديل عسكري. ولقد استهوانا في الاتجاه الإسلامي هذا النموذج حتى أننا أرسلنا إلى السيدة أكينو مهنئين. وتحدث الشيخان بكل ذلك لأمين الديمقراطيين مرغبين في قبول العرض لما قدمنا من أسباب ولما يحظى به من قبول دولي ومحلي. بينما الإسلاميون ليسوا مهيئين لذلك، ولكن لا يعني ذلك بحال أنه لا يهمهم نوع الجالس في قرطاج. إنهم مهمومون بهذا الأمر وحريصون على ألا يخلف ديكتاتورا مدنيا دكتاتور عسكري، ولذا فهم مستعدون لبذل ما هو ضروري من التضحيات من أجل بديل معقول يحترم الحقوق والحريات في إطار تكتل وطني، وهم يعلمون أن نصيبهم من التضحيات في الشارع سيكون أضخم ولكنهم مستعدون للنزول إلى الشارع ودفع الثمن. وإذا كان الأستاذ المستيري يخشى على نفسه من بأس السلطة بعد إعلانه زعيماً للمعارضة فليهاجر إلى بلد قريب كالجزائر حيث كان قد شغل سفيرا. ولكن الرجل كان حاسماً في رفض المشروع مؤسساً رفضه القطعي على أن عوامل التغيير لم تنضج بعد! إن الحكم لا يزال قوياً إن المعارضة ضعيفة. وهكذا خرجنا يائسين من الرجل بينما كانت هذه الاستشارة جزء من جسنا الساحة السياسية ودراسة احتمالات التغيير». (3)

كان لرفض المستيري وقبله مزالي لعروض الحركة الإسلامية بأن يكونا في واجهة سلطة جديدة تمكن الحركة من العمل بحرية لنشر خطابها وهيكلها ومواصلة مشروعها لأسلمة المجتمع والدولة مرحلياً حتى تحين لحظة قطف الثمار الناضجة، أثر خطير على سلوك الحركة واستراتيجيتها، التي سارعت إلى قطف الثمار قبل نضوجها والاستعداد لمقاتلة الحارس. فعلى شاكلة بيدي لا بيد عمرو، توجهت الحركة نحو التغيير الجذري بنفسها، بأجهزتها وعناصرها وأنصارها. بكليتها سارت نحو إخراج دويلتها الصغيرة من تحت ركام السرية إلى العلن. في تلك الصائفة الفارقة، أعلنت القيادة النفير العام في صفوف التنظيم من جنوب البلاد إلى شماله. وأعلنت قيادة التنظيم الخاص النفير في صفوف عناصرها الأمنية والعسكرية. تعانقت الأصابع مع الزناد وبدا كل شيء يوحي بأن نذر الحرب تلوح في الأفق.

  • مؤتمر المضامين

كانت الحركة الإسلامية ومنذ صائفة 1986 تعيش حالة ترقب. تنتظر رد فعل السلطة على ما تم كشفه في شهر جويلية. لكن الصراع الدائرة داخل معسكر النظام جعل أركانه تغرق في السباق نحو الخلافة، والذي كان من بين أوراقه المهمة والحاسمة الصراع مع الإسلاميين. كان بورقيبة مصمماً على مواجهة الحركة الإسلامية، حتى أنه صرح في اجتماع اللجنة المركزية للحزب الحاكم سنة 1986 أنه سيكرس آخر أيام حياته لمكافحة مدن الصفيح والإخوانجية.  لكن تأخر المواجهة الشاملة لم يمنع أجهزة الأمن من تنفيذ اعتقالات هنا أو هناك وخاصة في الأوساط الطلابية، الشرسة في المواجهة. كما وضعت القيادات البارزة وعلى رأسها، راشد الغنوشي، تحت المراقبة المشددة.

تشير التحقيقات الأمنية إلى أن قيادة حركة الاتجاه الإسلامي قد قدمت تقديراً للموقف للحاضرين في مؤتمر ديسمبر 1986 مفاده: «غنمت الحركة كثيراً في الفترة الماضية (فترة مزالي) لكنها انتهت سياسياً إلى مأزق ومعنى ذلك أن الوضع الجديد الناشئ عن خروج مزالي من جهاز الحكم يضع حداً لحظوظها في مواصلة الانتشار والاستفادة من ذلك التحالف الضمني الذي كان سائداً بين الطرفيين». (4)

كان المؤتمر، الذي عقد في ضاحية المنار بالعاصمة تونس، واضح التوجه نحو المواجهة المفتوحة مع السلطة، لكن المؤتمرين لم يكونوا على بينة من شكل المواجهة وحدودها وأدواتها وبرنامجها. قدمت القيادة العديد من الوثائق للمصادقة عليها، أولها «الرؤية الفكرية والمنهج الأصولي» والتي تؤكد على «إسلامية الحركة برنامجاً وهدفاً وعقيدةً» لكن الأهم من الرؤية الفكرية طرحت القيادة ورقة تحت عنوان «الاستراتيجية المؤقتة» فصلت فيها واقع موازين القوى في الميدان وطبيعة المواجهة القادمة مع النظام ووضعت لها حدوداً لا تقف إلا عند إسقاط بورقيبة ولو كان ذلك بقوة السلاح. كان السلاح كناية عن جناح سري للحركة يعمل من داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية للدولة. فجولة الغنوشي ومورو على بعض رموز المعارضة، والتي سبقت المؤتمر، كانت جزءاً من البحث عن بدائل للمواجهة. ويقول الغنوشي في هذا السياق: «كانت هذه الاستشارة جزءاً من جسنا الساحة السياسية ودراسة احتمالات التغيير وذلك ضمن إعدادنا لاستراتيجية للحركة ستكون جزءاً رئيسياً من مؤتمر كان سينعقد وكانت تتصارع خلال الإعداد أطروحتان: سياسية تتمحور حول مسلمة نضج التغيير ولا بد من تشكيل معادلة مدنية معقولة له تساهم فيها الحركة وذلك مقابل استراتيجية دعوية اجتماعية تنطلق من أن الوضع الشعبي ليس مهيأ ولا بد من الانتظار وتركيز الجهد على توسيع قاعدة لحركة عبر نشر الدعوة الإسلامية وتأطير المجتمع عبر دعم مؤسساته الاجتماعية».(5)

ويبدو من كلام الغنوشي أن انقساماً داخل الحركة قد وقع بسبب هذه المواجهة، فيما يعرف اليوم بانقسام الصقور والحمائم. كانت الغلبة في النهاية للصقور، إذ يتحدث هو نفسه بإسهاب عن هذه اللحظة: «ورغم أن المكتب السياسي الذي كان يضم الجبالي والغنوشي ومورو واللوز والجوهري رحمه الله، قد أعد مشروعا يدافع عن الخيار الأول إلا أنه فشل وانتصر الخيار الآخر الذي يجعل المواجهة مع النظام حلا استثنائيا دفاعيا. وكان من أسباب فشل الخيار السياسي عدم توفر مشروع واضح للتغيير بعد رفض المستيري. ولم تمض الخطة الدعوية ومحورها المسجد بعيدا حتى اصطدمت بالسلطة واتخذتها ذريعة لشن هجمة استئصالية للقوة الشعبية الرئيسية المتبقية بعد ضرب الاتحاد العام التونسي للشغل سنة 1986. غير أن هذه المواجهة على شراستها أفضت إلى إنضاج مناخ التغيير ولكن من دون خطة له، فتحرك الشارع بكثافة واستمرت حركته طيلة سبعة أشهر دون توقف حتى سقط بورقيبة في 7 نوفمبر 1987. ذلك أن الإسلاميين كانت تسيطر عليهم فكرة أن تونس بلد صغير لا ينهض بعبء دولة حقيقية ناهيك أن تكون إسلامية وأنهم مرفوضون غربيا فلا فائدة من المغامرة وأن مركز الثقل في المنطقة هو الجزائر وليس تونس. وذلك ما دفعهم إلى البحث عن بديل ديمقراطي مقبول رأوه ممثلاً في السيد المستيري غير أن هذا الأخير كبكب ولم يقدم».

في المقابل يؤكد جانب مما كشف خلال التحقيقات الأمنية مع عناصر الحركة، أن أمير الحركة، راشد الغنوشي نفسه، كان من بين الجناح الدافع نحو المواجهة وفي صفه حمادي الجبالي والحبيب اللوز في غياب عبد الفتاح مورو الذي كان في السعودية، وأن القيادي محمد شمام، المسؤول عن الجناح الأمني والعسكري الخاص، قد قدم تحليلاً لأعضاء المؤتمر يعزز موقف الصقور. وفصل مستويات المواجهة إلى ثلاثة: مستوى أول يقوم على الدروس المسجدية والاجتماعات وتقوم به رموز من الحركة لها شعبية كالغنوشي. ومستوى ثاني يقوم على التعبئة الجماهيرية يقوم بها المكتب التنفيذي وأذرعه المحلية والجهوية والطلابية والتلمذية والإعلامية، ومستوى ثالث أعمق وأخطر يقوم على التغير بالقوة يديره الجناح العسكري والأمني، والذي سيتجلى عمله في مخطط انقلاب 8 نوفمبر 1987.

فوض المؤتمرون قيادة الحركة لإدارة الصراع مع النظام وصادقوا على المضامين التي قدمتها القيادة. ليبدأ التنظيم في رسم الخطط التفصيلية لوضع استراتيجيته المؤقتة حيز التطبيق. وعلى الرغم من أن راشد الغنوشي يؤكد أن ما انطلق من مواجهات مع السلطة بعد أيام قليلة من انتهاء مؤتمر الحركة وطيلة العام 1987، والذي انتهى بسقوط بورقيبة، قد كان رد فعل عفوي من الحركة ضد النظام القمعي، إلا أن تسلسل الأحداث وتطورها، يؤكد غير ذلك. وأن خلف المشهد مخرجان بارعان: واحد في معسكر الحركة الإسلامية والأخر في معسكر النظام. كان المشهد سباقاً محموماً نحو قصر قرطاج بين الشيخ والجنرال.

يشير عبد الله عمامي في «تنظيمات الإرهاب في العالم الإسلامي: أنموذج النهضة» مستنداً لتقارير المخابرات التونسية، إلى أن المؤتمر تمخض عن مكتب قيادي حدد خطة عمل لعام كامل تنتهي بنهاية النظام الحاكم تقوم على: محور انقلابي يتوج محوران هامان يسبقان إسقاط النظام، الأول هو :« تحريك كل هياكل التنظيم للنشاط من أجل تشتيت أنظار السلطة عن نشاط الجناح العسكري، والثاني هو إقرار خطة أعدها القيادي صالح كركر، وسماها خطة تنضيج الثمرة كناية عن خلق الشروط الموضوعية المناسبة لسقوط الحكم في أيدي التنظيم وتم في هذا المستوى ضبط مجالات التحرك فتقرر مثلما هو الحال دائماً وقت الأزمات تحريك الجامعة والمعاهد، كما تقرر ضرب الاقتصاد وإفشال الموسم السياحي وتعبئة كل طاقات التنظيم، في حملة إعلامية تسهل على الحركة الصعود إلى الحكم، عند اقتناع كل الأطراف داخلياً وخارجياً، إن مفتاح الأمن والاستقرار خرج من يد الدولة وأصبح في أيدي التنظيم، وعندما يشيع هذا الاعتقاد ويترسخ في الأذهان، يتحرك الجهاز العسكري لإنجاز الخطة الانقلابية، وأعطى التنظيم لنفسه مهلة للإنجاز أقصاها الثامن من نوفمبر 1987». (6)

فإن كان المؤتمر الثالث للحركة، والذي انعقد سرياً في مدينة سليمان تحت حراسة بنادق الجناح العسكري، قد أفضى إلى مشروع أولويات الحركة في اتجاه تغيير النظام الحاكم مرحلياً، اعتماداً على تناقضات النظام الداخلية واستفادة من الصراع داخل معسكره، فإن مؤتمر 1986 قد ضغط على دواسة البنزين، وأطلق العنان كلياً لخطة التغيير الجذري العاجل بقوة الشارع وقوة السلاح معاً. ومنذ تلك اللحظة، بدأت المعركة الأخيرة.

  • حرب الشوارع والفنادق

بدأ وزير الداخلية، زين العابدين بن علي، مدفوعاً بإلحاح الرئيس بورقيبة، في تفكيك التنظيم الإسلامي، بعد نجاحه في كشف هياكله وقادته صيف العام 1986. وبموازاة ذلك بدأت حركة الاتجاه الإسلامي في تنفيذ خطتها، ثلاثية المحاور، لاستباق الهجمة الحكومية. نزل قادتها وعناصرها الشعبية إلى المساجد والجوامع ودشنوا ما أسموه بمعركة المساجد، متصدرين للتدريس والخطابة، لمزيد من تعبئة الرأي العام وتثبيت قواعدهم وعمقهم المتدين في الأحياء والمدن. لكن الهروب إلى المساجد لم يعصمهم من غضب السلطة التي منعت أكثرهم من اعتلاء المنابر، لكن راشد الغنوشي أصر على ذلك، متعللاً بأنه لا يتحدث في السياسة بل يدرس مواضيعاً تتعلق بالآداب والأخلاق من كتب أبي حامد الغزالي. لينتهي سجيناً في 9 مارس 1987، بتهمة تكوين جمعية غير مرخص فيها، وانطلقت في أعقاب ذلك حملة اعتقالات واسعة شملت قيادات وقواعد الحركة في كل مكان ومن مختلف المستويات.

جاء الرد سريعاً. فقد الغنوشي بدخوله إلى السجن منصب القيادة الذي آل إلى أحد المؤسسين وهو الشيخ صالح كركر، صاحب «خطة تنضيج الثمرة». حاول كركر إنقاذ ما تبقى من التنظيم، عمد مباشرة إلى الشروع في تنفيذ الخطة معلناً النفير العام في صفوف الحركة، التي بدأت في عملية استعصاء واسعة ضد النظام، من خلال المسيرات اليومية ليلاً ونهاراً، المطالبة بإطلاق سراح المعتقلين والمنادية بـ«كفر بورقيبة وعدوانه على الله». حتى جاء يوم 23 أفريل 1987، عندما استفاقت العاصمة تونس على أمواج بشرية هائلة من أعضاء وأنصار الاتجاه الإسلامي قاومتها قوات الأمن بالرصاص وبكل ما تملك من أسلحة. كان كركر يريد توريط النظام في معركة استنزاف كبيرة وإنهاك قواته بالمظاهرات اليومية. كانت فرق منظمة من الحركة الإسلامية في العاصمة والمدن الكبرى تأتمر بأوامر كركر ومساعده علي الزوري، تقسم أوقاتها بين التظاهر النهاري والليلي، ولا تدع فرصة واحدة لأعوان الأمن كي تأخذ غفوة نوم صغيرة. وتشير التحقيقات الأمنية إلى أن الحركة «قامت بتسويغ ثلاث منازل فسيحة في العاصمة وحدها، يستع كل واحد منها إلى أكثر من أربعين نفراً، لتجميع العناصر المدنية المدعوة للمشاركة في خطة صالح كركر، وتم توظيف منازل بعض الأتباع خاصة منها الواقعة في مناطق منعزلة نسبياً مثل منزل البرني الورتاني (ضابط في الجمارك) في منطقة عين زغوان غير بعيد عن مطار تونس قرطاج». (7) كما تصاعدت وتيرة التظاهر الليلي، المنهك لقوات النظام العام، في شهر ماي 1987 والتي توافقت مع حلول شهر رمضان.

كانت حرب شوارع رهيبة. هكذا يصفها الغنوشي لاحقاً: «وخلال بضعة أشهر من انطلاق الحملة الشاملة والرد عليها من طرف الإسلاميين بالمسيرات تحولت البلاد إلى ما يشبه ساحة حرب أذن فيها لأعوان الأمن بإطلاق الرصاص على المتظاهرين فسقطت عشرات الأرواح وامتلأت السجون بأكثر من عشرة آلاف سجين إسلامي» (8). وبنفس الأوصاف يروي صالح كركر، قائد أركان الاتجاه الإسلامي يومئذ، وقائع تلك الفترة: «كل ما حدث في تونس فيما بين مارس وأكتوبر 1987. كان شئياً مرعباً. كانت حرباً شعبية. لم يكن أحد في مأمن من ذلك (...) فعلوا كل شيء: الجيش، الشرطة، ميليشيات الحزب. كان هناك ما يقرب من مائة وخمسين ألف شخص يطاردون أعضاء الحركة، بالأسلحة، بالعصي، بجميع الوسائل. وكنا نتجنب المواجهة. وكانوا قد هيأوا المناخ لحرب أهلية».  (9)

لكن الصراع أخذ وجهة أخرى، عندما قررت السلطة نقل قضية حركة الاتجاه الإسلامي إلى محكمة أمن الدولة، ما يعني ضمنياً القضاء النهائي على الحركة. هنا وفي هذه اللحظة الفارقة، قررت الحركة المضي سريعاً في تصعيد المواجهة والتسريع باستنزاف النظام كلياً، أمنياً وحتى اقتصادياً.

                                                                        ***

كانت الساعة تشير إلى الرابعة صباحاً من يوم 3 أوت 1987. رئيس الوزراء التونسي رشيد صفر يقضي ليليته في فندق «صقانص بلاص» في مدينة المنستير، استعداداً للاحتفال بعيد ميلاد الرئيس بورقيبة صباح اليوم التالي. جاء صوت وزير الداخلية زين العابدي بن علي في الهاتف مضطرباً وهلعاً. فقد علم صفر للتو أن تفجيرات هزت فنادق وملاهي في مدينتي سوسة والمنستير.  نزل الخبر على رشيد صفر كالصاعقة. عملية غير مسبوقة ضربت القطاع الأبرز في الاقتصاد التونسي في مقتل في عز الموسم السياحي وتزامناً مع عيد ميلاد الرئيس وفي ظل حرب مفتوحة مع الحركة الإسلامية. حمل المكان والزمان والسياق رمزية كثيفة ومعقدة. يروي رشيد صفر وقائع ذلك الصباح الرهيب قائلاً: «قاطعت بن علي وقد أخرجني جرس الهاتف من نومي: هذا التوقيت في تنفيذ هذه العمليات الاجرامية يهدف إلى إهانة الرئيس، ثم إفساد الموسم السياحي الناجح… فبادروا حالاً بإعطاء كل التفاصيل لكافة وسائل الإعلام وخاصة الخارجية مع ذكر أسماء الجرحى وألح على ذكر أسماء الجرحى حتى لا يحدث أي هلع وحتى لا تصبح كل العائلات الأجنبية المقيمة بنزلنا في حيرة. وأكدت على أني اعتبر هذا الأمر أساسي وأطلب تنفيذه حالا – وهكذا بنوع من إلهام من الله عز وجل كان ردف فعلي الأول وأنا بين نومين، قد أنقذ هذا الأمر البسيط الموسم السياحي. وتجنبنا مبلغات وسائل الإعلام وخاصة هلع المقيمين الأجانب في وطننا. أما بالنسبة للرئيس فقلت له أتصور أن غضب الرئيس سيكون قوياً فبادر مبكراً على عادتك إعلامه بكل التفاصيل حتى قبل تناول فطور الصباح إن تمكنت… وكنت أظن أن غضب الرئيس سينصب على وزير الداخلية، الذي من واجبه عبر المخابرات أن يستبق الأحداث ويقوم بعمل وقائي بتنبيه مسبق لأصحاب النزل وتكثيف وتنويع الحراسة، ولكنه انصب، بتوجيه من البطانة والحاشية، لا على بن علي بل على مدير الحزب، عبد العزيز بن ضياء، الذي من سوء حظه أنه كان متغيباً عن تونس في تلك اللية ولم يأت إلا في منتصف نهار 3 أوت 1987». (10)

بلا مواربة، أعلنت السلطات تورط خلية تابعة لحركة الاتجاه الإسلامي في تفجيرات فنادق: «الهناء بيتش»، «قصر حنبعل»، «قصر قوريا»، «صحراء بيتش»، بمدينتي سوسة والمنستير. إذ تقول الرواية الحكومية أن شاباً يدعى محرز بودقة ينتمي للحركة الإسلامية، هو الذي صنع بنفسه المتفجرات التي هزت الفنادق بحكم تخصصه في الكهرباء، إذ كان يعمل تقنياً في أحد المصانع. لكن بودقة لم يقم بذلك من تلقاء نفسه، بل بطلب من قيادي إسلامي يدعى فتحي معتوق كان مرتبطاً بقيادة التنظيم السرية والمتخفية. تمكنت الأجهزة الأمنية من إلقاء القبض على صانع الأسلحة ولكنها أخفقت في القبض على معتوق. فقد أسرعت قيادة التنظيم إلى تهريبه مع بقية أعضاء الخلية نحو الجزائر. وقد أشرف على العملية، حمادي الجبالي شخصياً مستعيناً بالدكتور الصحبي العمري الذي يقول: «لم أكن أعلم لا بالتخطيط ولا بكيفية التخطيط لتفجيرات نزل سوسة والمنستير في 02 أوت 1987 ولم أكن مشاركاً فيها لا من قريب أو من بعيد (..)  وكل ما في الأمر وبالتأكيد، أنّ حمادي الجبالي، يعرف الجماعة المشاركة في التحضير والإنجاز وتنفيذ التفجيرات وكان قد أعلمني أنّ القبض على أي عنصر من العناصر التي كان ينوي تهريبها يضعه في قبضة الأمن والعدالة لذلك قبلت المساهمة في تنسيق عملية التهريب حتى أتحاشى كشفي في إيواء حمادي الجبالي وتهريب شقيقتي، حيث قام بجلبهم في دفعتين تباعاً لي في تونس ثم إلى قلعة سنان، بعد تنسيق عملية تهريبهم ودفع أجرة خدمات المهرب قبل أن أكتشف لاحقاً إثر عملية التهريب الأولى، تورطهم جميعاً في التفجيرات». (11)

لكن حركة الاتجاه الإسلامي رفضت الاتهامات التي وجهتها السلطة، وقالت لاحقاً إن التفجيرات كانت صنيعة النظام لمزيد توريط الحركة في قضايا جنائية تهدف إلى حلها واعتقال وتصفية قياداتها. ومازالت الحركة مصرةً حتى اليوم على رفضها لاتهامات السلطة وتشير دائماً إلى أن «وزير الداخلية يومذاك، زين العابدين بن علي، قد فبرك العملية لإدانة الحركة والصعود إلى الوزارة الأولى بدلاً من رشيد صفر بوصفه الرجل القوي القادر على إيقاف عبث الإخوانجية بالدولة وأمنها واستقرارها». (12)

لكن في المقابل يؤكد القاضي الذي فصل في الجزء الثاني من قضية التفجيرات بين عامي 1993 و1994، فرحات الراجحي، على أن مرتكبي هذه العملية هم من التيار الإسلامي، وأنه كان القاضي وقتها الذي تولى محاكمة مرتكبي هذه التفجيرات. نافياً أن تكون التفجيرات مفتعلة من بن علي ولا من أجهزته. مشيراً إلى أن تورط حركة الاتجاه الإسلامي أمر واضح ولا لبس فيه وباعترافات صريحة للمتهمين السبعة، مؤكداً على أن الأحكام كانت غير قاسية نسبياً مقارنة مع حجم العملية والتي كان أقصاها 20 سنة سجناً. (13)

  • محكمة أمن الدولة

بدأت السلطات في إعداد الملفات الأمنية والاعترافات والتجهز لإطلاق جلسات محكمة أمن الدولة. فلم تعد التهم الموجهة لقيادات وقواعد حركة الاتجاه الإسلامي مجرد تهم تتعلق بالاحتفاظ بجمعية غير مرخص فيها، بل أصبحت متعلقة بقلب نظام الحكم و«تقويض النظام القائم وتبديل هيئة الدولة عن طرق العنف». بدأت المحاكمة سريعاً، بعد طلب الرئيس بورقيبة من الوكيل العام للجمهورية، الهاشمي الزمال، السرعة والحزم فيها وفي نتائجها.

يقول رئيس الوزراء التونسي، رشيد صفر، يومذاك: «التقى الرئيس بورقيبة مراراً مع رئيس محكمة أمن الدولة ورئيس النيابة العمومية في وزارة العدل وقتها المرحوم الهاشمي الزمال. لكن لا أدري ماذا طلب منه بالضبط بالنسبة للأحكام التي كانت محكمة أمن الدولة سوف تصدرها في حق قيادات حركة الاتجاه الإسلامي، رغم ما تردد من كون بورقيبة طلب منه قطع ما لا يقل عن عشرين رأساً. الشيء الوحيد الذي أؤكده هو أن الرئيس بورقيبة قال أمامي بحضور وزيرين (بن علي والسخيري) لرئيس محكمة أمن الدولة: إذ حكمتكم بالإعدام فلن أقبل مطالب العفو فتحملوا مسؤوليتكم كاملة.  وبعد انتهاء المقابلة كان الهاشمي الزمال يسير بجانبي في الممر المؤدي إلى مكتب الرئيس حيث صور بايات تونس القدامى فالتفت إلى رئيس المحكمة قائلاً: هل فهمت رسالة الرئيس بورقيبة، عليكم أن تتحملوا مسؤوليتكم كاملة لأن إصداركم أي حكم بالإعدام سيؤدي إلى تنفيذه لأن بورقيبة قرر أن لن يلغيه مستخدماً حقه الدستوري في العفو». (14)

كان معسكر النظام منقسماً بين من يريد إصدار أحكام بالإعدام والقضاء على قادة الحركة وبين خائف من الإعدام ومعارضاً له بحجة أن أحكاماً من هذا النوع سوف تدخل البلاد في حرب غير محسوبة العواقب، لجهة حضور الإسلاميين الكبير في الشارع. وكذلك الشأن بالنسبة للسفارات الأجنبية في البلاد، وخاصة سفارات القوى العظمى، التي كانت تحبس أنفاسها خوفاً من تفجر الوضع.  وهنا يقول رشيد صفر: «حصل المنعرج أثناء المحاكمة لما تضاعفت الضغوطات الصحفية والديبلوماسية الدولية وتعاقبت زيارات السفراء إلى مكتبي ومكتب مدير الحزب الدستوري آنذاك ـ المرحوم الوزير، عبد العزيز بن ضياء ـ لمحاولة الضغط في اتجاه تجنب نقطة اللاعودة، أي حكم الإعدام. وفي أحد أيام المحاكمة جاءني المرحوم عبد العزيز بن ضياء، الوزير المعتمد لدى الوزير الأول ومدير الحزب ليعلمني بأمرين: الأول أن عدة شخصيات وطنية وسفراء اتصلوا به طالبين عدم إصدار حكم الإعدام والثاني أنه التقى النائبين عبد الله عبعاب ومحمد المستوري (عضوا المحكمة) وفهم منهما أنهما سوف يصوتان ضد حكم الإعدام إذ اقترحه رئيس المحكمة الهاشمي الزمال. نزل هذا الخبر عليّ برداً وسلاما لأن هيئة محكمة أمن الدولة تحتاج إلى إجماع الأعضاء لإصدار أحكامها بالإعدام ولأن سي عبد العزيز بن ضياء أعلمني أن النائبين عبد الله عبعاب والمستوري قرراً الاتصال كذلك بوزير الداخلية آنذاك، زين العابدين بن علي، لإعلامه بموقفهما». (15)

وهنا لا بد من الإشارة إلى الوساطات المحلية العربية والأجنبية الكثيرة التي مورست في حينها للتدخل لفائدة قيادة الحركة الإسلامية.  يكشف عبد الفتاح مورو أن «وساطة سعودية أسهمت في إسقاط أحكام الإعدام على قادة الحركة»، مؤكداً أنه «خلال محاكمة زملائه (كان مقيماً في السعودية) قام بزيارة المفتي السابق للسعودية الشيخ عبد العزيز بن باز في بيته، وعرض عليه أن يطلب من السلطات السعودية التدخل لدى نظيرتها التونسية من أجل الحيلولة دون إصدار أحكام الإعدام بحق قادة الاتجاه الإسلامي وتوجه لولي العهد السعودي في تلك الفترة، الملك عبد الله بن عبد العزيز، لكنه عاد بجواب غير مطمئن، مما جعل مورو -بحسب ما يكشف هو نفسه في شهادته- يقع في حالة نفسية ثائرة، وجد معها نفسه يقبض حنقاً على بن باز بيده، وذكّره بأن رفاقه مهددون بالإعدام، وكيف أن المملكة سبق أن توسطت لإسلاميين لدى الرئيس الصومالي السابق سياد بري، وحولت الإعدام إلى أحكام بالسجن. فما كان من بن باز، إلا أن عاد إلى ولي العهد السعودي الذي اتصل أولا بالرئيس التونسي بورقيبة، لكن الأخير أجاب بأن الموضوع لدى القضاء الذي وصفه بالمستقل، وأنهى المكالمة مع ولي العهد السعودي، غير أن رئيس الحكومة التونسية آنذاك رشيد صفر، عاود الاتصال بولي العهد واعتذر عن سلوك بورقيبة وبرره بتردي حالته الصحية، ووعد بألا تصدر أحكام الإعدام ضد قادة الاتجاه الإسلامي». (16) كما شهدت جلسات المحكمة حضوراً كبيراً من وسائل الإعلام العالمية والمنظمات الحقوقية والسفراء يتقدمهم السفير الأمريكي في تونس، وأحمد سيف الإسلام حسن البنا، نجل مؤسس جماعة الإخوان حسن البنا، الأمين العام لنقابة المحامين المصرية.

أخيراً، ظهرت الأحكام. في 28 سبتمبر 1987 أصدرت محكمة أمن الدولة حكمها في القضية، لكن الإعدام لم يشمل سوى محرز بودقة، المتهم بتصنيع متفجرات عملية الفنادق وأبو لبابة دخيل، المتهم برش مادة حارقة على قيادي في الحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم في مدينة قابس، جنوب البلاد في صائفة 1987. وشملت قيادات هاربة كحماي الجبالي وصالح كركر. لكن الغنوشي وبقية رفاقه من قيادات الصف الأول لم يشملهم حكم الإعدام. (17)

لم تعصف الأحكام برؤوس قيادات حركة الاتجاه الإسلامي، بل عصفت بالوزير الأول رشيد صفر، الذي غادر منصبه أياماً قليلةً بعد صدروها. سبقتها جلسة عاصفة مع الرئيس بورقيبة انفعل فيها الرئيس غاضباً من وزيره الأول بدعوى أن هذا الأخير عين أناساً في مناصب رسمية دون استشارة الرئيس، لكن الأمر كان يبدو أعمق من ذلك. ويروي صفر ما قاله له الرئيس حول أسباب غضبه عليه قائلاً: «كان يوم غرة أكتوبر 1987 يوم اجتماع لمجلس الوزراء بقرطاج. أعقبه غداء عمل مع، الوزير الأول المغربي، عزالدين العراقي، همس الرئيس خلاله في أذني قائلاً: في الحقيقة سبب انفعالي ليس أساساً التسميات التي أشاروا لي هذا اليوم في فطور الصباح أنها تتعلق برجال من أتباعك ولكن بالخصوص ما أفادوني به من أنك شجعت النواب عبعاب والمستوري (عضوا المحكمة) على الموقف الذي أخذوه في المحكمة العليا. وأجبت الرئيس بصوت خافت هامساً في أذنه: بلغوني فعلاً قناعتهم وأبلغتهم عن طريق نفس الرسول بأني على نفس القناعة وأني أعتقد أن رئيس الدولة نفسه لا يطلب منهم إلا أن يقوما بواجبهما الخطير حسب ما يمليه الضمير والقناعة بكل حرية ومسؤولية. وأضفت أني طمأنت النائبين مؤكداً لهم أنكم دوما حريصان على ضمان استقلال القضاء. هذه الحقيقة فإذا مثل موقفي تشجيعا…فإذا أنا شجعتهم على ما يمليه الضمير وأتحمل المسؤولية وأرجوكم إعفائي من منصبي. لم يعلق الرئيس على كلامي. وانتهى الغداء بصورة تبدو عادية». (18)

ويقول راشد الغنوشي في هذا السياق: «انعقدت محكمة أمن الدولة حيث طلب بورقيبة رأس ثلاثين قياديا من حركة الاتجاه الإسلامي وجهت إليهم اتهامات بالتخطيط لتغيير نظام الدولة وثلب الرئيس وتهم أخرى، كما وجهت تهمة القيام بأعمال عنف محددة إلى شابين صدر بعد ذلك حكم بإعدامهما ونفذ فيهما رحمهما الله غير أن المحكمة رغم لا دستوريتها بشهادة رجال القانون في تونس ورغم الأحكام الجائرة التي أصدرتها إلا أنها لم تلب كل رغبات الرئيس بورقيبة الذي كان متعطشاً للدماء ما دفعه إلى طلب معاودة المحاكمة، إذ اكتفت بإصدار أحكام بالسجن المؤبد على قيادات الاتجاه الإسلامي وذلك ما جعله يتفجر غيظا فأصدر أمره إلى البرلمان بتشديد القوانين وأمر بتشكيل هيأة أخرى للمحكمة وكان مقررا أن تنعقد المحاكمة مجدداً في يوم 9 نوفمبر1987 لتصدر أحكاماً بالإعدام وتنفذ حالاً».

في هذه الأثناء كانت الحركة الإسلامية تسابق الزمن تحضيراً لانقلابها العسكري، قبل أن تعاد المحاكمة وتصدر أحكام الإعدام ضد القيادة، وكان بن علي يحاول ربح الوقت، متجنباً تفجير الموقف كلياً. كان السباق نحو قصر الحكم في قرطاج حامياً لكن لا شيء في المشهد كان يوحي بذلك.

___________________________

(1) -الحزب الاشتراكي الدستوري هو التسمية التي اتخذها الحزب الحر الدستوري التونسي الجديد خلال مؤتمره السابع المنعقد في مدينة بنزرت في شهر أكتوبر/تشرين الأول 1964، وقد تبنى خلاله الخيار الاشتراكي أو ما سمي بالاشتراكية الدستورية. وقد استمرت هذه التسمية إلى 27 فيفري 1988 عندما غير اسمه من جديد إلى التجمع الدستوري الديمقراطي. عقد ستة مؤتمرات: مؤتمر "المصير" بنزرت: 19-22 أكتوبر 1964. مؤتمر المنستير: 11-12-13 أكتوبر 1971. مؤتمر "الوضوح": المنستير: 12-15 سبتمبر 1974. مؤتمر "وفاء وتقدم": تونس 5-8 سبتمبر 1979. المؤتمر الخارق للعادة: تونس 8-9-10 أفريل 1981. "مؤتمر الصمود": تونس 19-21 جوان 1986.

(2) -يفسر راشد الغنوشي سياق عزل محمد مزالي لأنه جاء كمقدمة لبداية المعركة مع الحركة الإسلامية يقول: «على إثر مؤتمر الحزب الاشتراكي الدستوري سنة 1986 الذي حكم البلاد دون انقطاع ولا مشاركة منذ استقلالها سنة 1956، أصدر الرئيس بورقيبة على غير انتظار قرارا بعزل "ابنه البار" وزيره الأول محمد مزالي، وعندما زاره هذا الأخير في الغد لتوديعه لم يعتب عليه الرئيس سوى أمر وحيد، إذ أفهمه أن سبب عزله هو برنامجه الثابت في التعريب والذي كان قد عزل من قبل من وزارة التربية بسببه. وسرعان ما انعقدت برئاسة الوزير الأول الجديد رشيد صفر لجنة ضمت وزير التربية الجديد محمد الصياح الذي قدم برنامجا لمقاومة ما دعاه ب:"الظلامية" كما ضمت زين العابدين بن علي وزير الداخلية في ذلك الوقت، وكان انعقاد هذه اللجنة بناء على توجيهات الرئيس. هذا وقد وردت في كلمة بورقيبة التوجيهية لمؤتمر الحزب (تعلَمون الفلسفة بالعربية ثم تقولون من أين أتى "الاخوانجية". علموهم بالفرنسية كما تعلمت أنا). وبسرعة البرق تم التراجع عن الخطوات المتواضعة في برنامج التعريب».    راشد الغنوشي -في الذكرى العاشرة لانتخابات 2 أفريل 1989-لندن في 26 نيسان 1999 نشر في موقع nahdha.net (الموقع الرسمي لحركة النهضة سابقاً) بتاريخ 15 مارس 2005.

(3) -عبد الله عمامي: تنظيمات الإرهاب في العالم الإسلامي أنموذج النهضة – ص 256 – الدار التونسية للنشر – بدون تاريخ.

(4) -راشد الغنوشي -في الذكرى العاشرة لانتخابات 2 أفريل 1989-لندن في 26 نيسان 1999 نشر في موقع nahdha.net (الموقع الرسمي لحركة النهضة سابقاً) بتاريخ 15 مارس 2005.

(5) -راشد الغنوشي -في الذكرى العاشرة لانتخابات 2 أفريل 1989-لندن في 26 نيسان 1999 نشر في موقع nahdha.net (الموقع الرسمي لحركة النهضة سابقاً) بتاريخ 15 مارس 2005.

-(6) -عبد الله عمامي: تنظيمات الإرهاب في العالم الإسلامي أنموذج النهضة – ص 259 – الدار التونسية للنشر – بدون تاريخ.

(7) -عبد الله عمامي: تنظيمات الإرهاب في العالم الإسلامي أنموذج النهضة – ص 259 – الدار التونسية للنشر – بدون تاريخ.

(8) -راشد الغنوشي -في الذكرى العاشرة لانتخابات 2 أفريل 1989-لندن في 26 نيسان 1999 نشر في موقع nahdha.net (الموقع الرسمي لحركة النهضة سابقاً) بتاريخ 15 مارس 2005.

(9) -فرانسوا بورغا – الإسلام السياسي: صوت الجنوب، ص223 – حوار للكاتب مع صالح كركر بحضور القيادي في حركة الاتجاه الإسلامي الحبيب المكني في باريس في ممارس 1988 – ترجمة لوريان زكري – دار العالم الثالث بالتعاون مع المركز الفرنسي للتعاون الثقافي والعلمي بالقاهرة – الطبعة الثانية 2001.

(10) -رشيد صفر -التفجيرات في النزل التونسية ليلة الاحتفاء بعيد ميلاد الرئيس – المدونة الشخصية للكاتب (الذاكرة الجماعية التونسية).

(11) -حوار للدكتور الصحبي العمري لمجلة "بثينة" جانفي 2017 – ملاحظة: نشر الدكتور العمري هذا الحوار وعلقت عليه رئيسة تحرير المجلة بثينة جبنون بالقول: " لقد تم منع هذا العدد من مجلة "بثينة" من التداول بتونس بسحبه من السوق وانتصاراً منا لحرية الكلمة وحرية التعبير وتضامناً منا مع الدكتور الصحبي العمري فإننا نعيد نشره هنا (الفيسبوك).

(12) -للمزيد: في ماي 2016 نشر النائب في مجلس النواب التونسي، الدكتور الصحبي بن فرج، نصاً حول قضية تفجيرات سوسة والمنستير 1987 فيه تفاصيل حول العملية وأراء حول مدى تورط الحركة الإسلامية فيها. فيما يلي بعض منه: تقول أوراق القضية إن المتهم الرئيسي فتحي معتوق (ثابت الانتماء إلى حركة الاتجاه الإسلامي في جامعة سوسة وخارجها) قد تلقى الأوامر من محمد الشملي وعبد المجيد الميلي (القياديان بالحركة) للقيام بعملية التفجير. وبناءً على ذلك، طلب فتحي معتوق من محرز بودڤة (تقني في الكهرباء ويشتغل بمعمل الآجر) تصنيع متفجرات موقوتة بغاية زرعها وتفجيرها. استجاب محرز بودڤة، وصنع القنابل وسلمها لفتحي معتوق دون أن يعلم أين ومتى يقع استعمالها ولا أسماء من سيتكفل بالتنفيذ. حال تسلمه المفرقعات قام فتحي معتوق باختيار عناصر من الحركة ممن شاركوا معه في إحراق المستودع البلدي وعرض عليهم خطته لزرع المتفجرات في نزل مختلفة بالمنستير وسوسة، ثم توزعوا على فرق عمل صغيرة توجهت نحو نزل الهناء بيتش (لطفي القروي) ونزل حنبعل بلاص (لطفي الحبشي) ونزل قوريا بالاص (عبد الحفيظ بن خليفة) ونزل صحراء بيتش (فتحي معتوق). طابع الارتجال والسرعة طغى على كامل العملية، إذ تفطن عمال الفنادق إلى أغلب القنابل الموقوتة وقاموا بإخراجها من النزل حيث انفجرت في أماكن خالية من المدنيين بينما كانت القنبلة الأكثر خطورة وإضرارا هي تلك التي انفجرت في الملهى الليلي بنزل صحراء بيتش والتي أدّت إلى بتر ساق سائحة انڤليزية (Hélène Estroki) ولم تُسجّل بالتالي أي حالة وفاة بين المصابين الـ 13. مباشرة بعد العملية، تداعت المجموعة الإرهابية إلى مقهى السلام بسوسة حيث اتفق عناصر المجموعة على الافتراق وتفادي الظهور العلني تحسّبًا لانكشاف أمرهم. هزّ خبر الانفجارات وجدان التونسيين وتحركت الآلة الأمنية بأقصى طاقتها، وتذكر المحققون واقعة ً تعود إلى شهر جوان 1987 حيث تم إيقاف ما يعرف بخلية جمّال التي كان عناصرها يتدربون على صنع المتفجرات، وبالتحقيق معهم مجدّدًا تبيّن أن هناك عنصرًا آخرَ في الخلية وقع التستر عليه وبقي طليقا وهو المدعو محرز بودڤة. ألقي القبض إذًا على محرز، وسرعان ما اعترف بتصنيعه المتفجرات وتسليمها لفتحي معتوق (مع التذكير أن محرز بودڤة لم يكن يعلم شيئا عن العناصر المكلّفة بالتنفيذ) هنا، كان واضحا أن القبض على فتحي معتوق سيؤدي بالضرورة إلى الايقاع بجميع عناصر المجموعة. في يوم 8 أوت، تم تهريب فتحي إلى تونس العاصمة على متن سيارة يقودها صلاح الدين التليلي وهو من أعوان الحرس الوطني، فيما تكفل طرف ثالث بتهريبه نحو الجزائر حيث وقع إيواؤه عند نجيب القروي (ابن الوزير حامد القروي والمنتمي إلى حركة الاتجاه الاسلامي). هُرّبَ إذًا فتحي معتوق وغُيّبت بذلك جميع أسرار العملية ومنفّذوها ومدبروها ومخططوها. وأصبح بالضرورة محرز بودڤة المتهم الوحيد بحالة إيقاف والمورّط مباشرة في القضية والذي سيحمل لوحده وزره ووِزْرَ الجميع، ويواجه حتما عقوبة الإعدام. اعترف محرز بودڤة لهيئة محكمة أمن الدولة (ولرفقائه في السجن) بتصنيعه القنابل وحصر ارتباطه التنظيمي بفتحي معتوق ونفى أي علاقة له بقيادات الاتجاه الاسلامي، وطلب الصفح والرحمة من هيئة المحكمة. وصدرت الأحكام: الإعدام لمحرز بودڤة (حضوريًّا) وفتحي معتوق وَعَبَد المجيد الميلي (غيابيا)، وعشرون سنة سجنًا غيابيا لمحمد الشملي ونفّذ حكم الإعدام شنقًا في محرز بودڤة وبولبابة دخيل في الأسبوع الثاني من أكتوبر 1987 بعد إقرار الحكم في طور التعقيب ومصادقة رئيس الجمهورية. لم تنته القصة. في شتاء 1993، وفي ظروف غامضة، قام أحد أفراد مجموعة التنفيذ، بالتبليغ عن عناصرها وحصل على ما يبدو في المقابل على ضمانات بحسن المعاملة والحكم المخفف، وبناءً على ذلك ألقي القبض على كامل أعضاء المجموعة وأحيلوا في مارس 1994 على المحكمة الجنائية بتونس برئاسة القاضي فرحات الراجحي، واعترف أغلب المتهمين بجرائم حرق المستودع البلدي ووضع المتفجرات وعدم الإبلاغ عن جريمة وتهريب المتهم فتحي معتوق. وصدرت الأحكام يوم 12 أفريل 1994 وتراوحت بين العشرين سنة سجنا نافذة وعامين مؤجلة التنفيذ.

(13) -لقاء تلفزيوني مع فرحات الراجي – قناة حنبعل – برنامج "الصراحة راحة" – الموسم الثاني – تقديم: سمير الوافي – 15 فيفري 2012.

(14) -جريدة الصباح التونسية: الوزير الأول الأسبق رشيد صفر يخرج عن صمته: «هذه حقيقة إنقاذ الغنوشي ورفاقه من الإعدام في 1987» – الأحد 19 أفريل 2015 – النسخة الإلكترونية.

(15) -جريدة الصباح التونسية: الوزير الأول الأسبق رشيد صفر يخرج عن صمته: «هذه حقيقة إنقاذ الغنوشي ورفاقه من الإعدام في 1987» – الأحد 19 أفريل 2015 – النسخة الإلكترونية.

(16) -عبد الفتاح مورو: وساطة السعودية أنقذت الإسلاميين من الإعدام – الجزء 11 من برنامج شهادته على العصر – قناة الجزيرة – تاريخ البث: 9 جوان 2015.

(17) –الأحكام:

- الإعدام شنقا : في حالة ايقاف : محرز بودقة وبولبابة دخيل (قضية تفجيرات النزل بسوسة والمنستير).

- في حالة فرار : علي العريض- حمادي الجبالي- صالح كركر- عبد المجيد الميلي- فتحي معتوق

- الأشغال الشاقة مدى الحياة : راشد الغنوشي (في حالة إيقاف)- الفاضل البلدي (في حالة فرار).

- 20 سنة أشغالا شاقة (في حالة فرار): الحبيب اللوز-وليد البناني-علي الزروي شهر الطيب-محمد شمام-زياد الدولاتلي-الحبيب المكني-محمد الشملي-محمد الهاشمي حامدي-عبد الرؤوف بولعابي-

- في حالة إيقاف : صلاح الدين التليلي

15 عاما أشغالا شاقة (في حالة إيقاف) : مبروك الزرن- صالح الدريدي- محمد العبيدي- جمال الدين قوادر- محمد العكروت- محمد بن نجمة- عبد الكريم العباشي- عبد الله الزواري- صالح الخلفلي- الهادي بريك- الباشا بوعصيدة- محمد القلوي- محمد الحذيري (في حالة فرار).

12 عاما أشغالا شاقة (في حالة إيقاف) : علي بن ساسي

10 أعوام أشغالا شاقة (في حالة إيقاف): بن عيسى الدمني- علي نوير- حافظ الأسود- علي بن رمضان- الأزهر مقداد- الطاهر الحصني- التومي منصور- ضو صويد- فرحات بن خذر- الهادي الحاجي- محمد بالفقيه- صادق ألصغيري- محمد شرادة- فوزي السراج- فتحي جبران- بوعبد الله بوعبد الله.

في حالة فرار: -عبد الفتاح مورو-الأزهر العبعاب-صالح البوغانمي-منصف بن سالم-عبد المجيد الزار-خميس الماجري-جمال العوي-سحنون الجوهري-نجيب مراد-عبد القادر عباس شهر الجديدي-محمد عون-شكري بحرية-عبد الرؤوف الماجري-حسونة النايلي-كريم الهاروني-العجمي الوريمي-محمد صالح بوعلاقي.

7 أعوام أشغالا شاقة : (موقوفون) : قطب منير البودالي- منصف بوغطاس- دانيال زروق- كمال الحجام

5 أعواما أشغال شاقة (موقوفون) : - محمد الهادي الزمزمي- عبد اللطيف الطرابلسي

- في حالة فرارا-عبد المجيد النجار- علي بالسرور

- محمد كريم حكم عليه بعامين سجنا مع تأجيل التنفيذ و2000 دينار خطية.

- عدم سماع الدعوى (موقوفون) :- نور الدين البحيري- الهاشمي الجمني- كمال رمضان- الهاشمي حمدي- حمادي ميارة- عبد الوهاب الكافي- منير عبروق- منذر قاسم- عادل عمارة- جلال العوني- نجيب الفرشيشي- عماد البوغانمي- مختار الغبنطيني- محمــــد بلخيرية.

كما قررت المحكمة وضع المحكوم عليهم بـ 10 أعوام أشغالا شاقة تحت الرقابة الإدارية وكذلك المحكوم عليهم بـ 5 سنوات أشغالا شاقة وهم الزمزمي وبالسرور والنجار والطرابلسي.

المصدر: جريدة الشروق -من الذاكرة الوطنية: محاكمة 1987 للاتجاه الإسلامي -31 أوت 2015 – النسخة الإلكترونية.

(18) -رشيد صفر -غضب بورقيبة على وزيره الأول رشيد صفر يليه بطلب الاعفاء من المهام. – المدونة الشخصية للكاتب (الذاكرة الجماعية التونسية).

 

*فصل من كتاب أحمد نظيف – المجموعة الأمنية: الجهاز الخاص للحركة الإسلامية في تونس وانقلاب 1987 – منشورات ديار – تونس 2017.

وسوم
شارك :