تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

حديث عن ثروة الغنوشي زعيم «التنظيم» بتونس

شارك :

نائلة السليني

 

كثر الحديث هذه الأيام عن ثروة زعيم الإخوان التونسي الغنوشي، وفي الحقيقة هو حديث من صنف القديم الجديد.. لأنّ صورة الرجل القادم من لندن في 2011 هي نقيض صورته اليوم.. وطريقة عيشه في لندن تختلف أيّما اختلاف عن طريقة عيشه طيلة هذه السنوات العشر.

حقيقة ما نشاهده من تطوّرات في حياة الغنوشي يدفعنا إلى الشهادة بأنّ عشر سنوات " سمان" لكفيلة بأكل سنين من عمر الرجل "عجاف" "يابسات". ويدفعنا إلى الاستنتاج بأنّ انهيار الاقتصاد التونسي وفقر شعبه لم يطل الإخواني الغنوشي ولا عائلته..

واللافت أنّ الرجل و" أهل عترته" لا يخفون النعيم الذي صاروا فيه هانئين، بل تجدهم يتفنّون في أساليب إظهار بذخهم في كلّ فرصة تتهيّأ لهم، ولعلّهم في سلوكهم ذلك ينسجون لصورة حكم قويّ مترف ودائم..

جميع التونسيين، بمن فيهم رعيته، يتذكّرون جيّدا صورة ذاك الرجل المقيم في لندن.. سنوات عجاف والرجل يمشي الهوينا في شوارعها وقد احتمى جسده برداء يكاد يخفي جسمه.. يتذكّرون صورة " غضّة" كما خلقها صانعها وهي تحتمي من البرد وقد حضرت لمساندة احتجاج.. جميع التونسيين، وبمن فيهم رعيته، خلّدوا في ذاكرتهم صورة " النبيّ الملفوظ عند البعض والمحفوظ في صدور أتباعه" عندما حلّت به الطائرة.. فإذا بشخصيته تلبّست بشخصية النبيّ.. وإذا برعيته تهلّل بأغنية أهل المدينة " طلع البدر علينا".

ومنذ تلك اللحظة شرع " بدرهم" في نسج صورة القائد.. قائد قد يكون أقرب إلى صورة العثمانيين في إظهار البذخ لينشر رسالة الخروج من الظلمات إلى النور.. رسالة تعدهم بالدخول في عهد يحاكي عهد عمر في حكمه، عهد اتسعت فيه رقعة البلاد الإسلامية عن طريق الغزوات فكثرت الغنائم وتزايد الخراج وتغذّت بيت المال بأموال الجزية وفتوح العنوة.. وفي الحقيقة لا شيء يختلف عن تلك الفترة في نظرهم، بما أنّ قائدهم حاضر بينهم وأمام أعينهم، وبما أنّ فتح الأمس لا يختلف عن فتح اليوم بما أنّ نجم الإخوان سطع بثورة ربيعهم وسيدخل الناس معبدهم أفواجا.. وبما أنّ الغنم سيخضع للقسمة بينهم حسب شروط ولعلّ أهمّها، السابقة في العقيدة الإخوانية ائتساء بما قام به عمر في ديوان العطاء بحسب السابقة في الدين..

لذلك كنّا دائما ننبّه إلى أنّ " المال" أهمّ عامل في استقواء الإخوان في كامل أنحاء العالم، واجتهدنا في الوقوف عند قليل من كثير في امبراطوريتهم المالية.. فهم قوم شهدوا على أنفسهم أنّهم " يحبّون المال حبّا جمّا".. وطبعا كانت البدايات بالنسبة إلى "خوانجية" تونس محتشمة: من حيث طريقتهم في فرض قانون العفو التشريعي العام" الذي استغرق سنتين حتى يطبّق في عهد وزارة الفخفاخ السعيدة تحت رئاسة على العريض الحكومة.. فكان عملية صرف الأموال على قدر " جهادهم" طيلة حكم بورقيبة وبن علي.. وكانت عملية قبضها أشبه بزواج التسرّي في الفقه، وقد ابتعدوا قدر جهدهم عن الإعلام والإشهار، عملا بالحديث "واستعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان"، إذ لا يغيب عنّا أنّ من صفات الجماعة السريّة واقتناص العبارات الدينية التي تدعّم هذا المبدإ.. لكن، لم تكن خزينة تونس بالقادرة على ارواء ظمئهم ولم تكن مطمورة تونس بأن تكفل إشباع فاقتهم الكبرى، وكانت النتيجة ما نعيشه اليوم من فراغ جراب وافتراق أحباب.. وجلوس على أكياس من المشاكل وفنون من العذاب.

وبما أنّ الجماعة، ومرّة أخرى نذكّر تتصّف بالورع والحرص على التذكير بأنّهم لأوامر الشرع حافظون فقد انطلقوا في توزيع الغنائم من الحديث " الأقربون أولى بالمعروف"، وسلكوا في سبيل اقتناص أموال الشعب منهج ما نعتوا به " منطق الغنيمة" وقد ترسّخ في اقتناعهم أنّهم فاتحون تعود إليهم أموال الخراج، بل ليس من الغريب أن يكونوا قد تأوّلوا ثورة 2011 على أنّها فتح مبين وحرب ضدّ المرتدين تحلّ أموالهم ويجوز اقتسامها استنادا إلى الآية 41 التي في الأنفال 8. وعندئذ يجوز لزعيم الإخوان أن يغنم الخمس المذكور في الآية لله ورسوله، باعتباره خليفتهم.. سيغنم المال وقلب مطمئنّ بما أنّ القدامى شرّعوا له ذلك:" الْغَنِيمَة مَا أُخِذَ عَنْوَة. وَالْفَيْء: مَا كَانَ عَنْ صُلْح ...عَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيّ، قَالَ: الْغَنِيمَة: مَا أَصَابَ الْمُسْلِمُونَ عَنْوَة بِقِتَالٍ فِيهِ الْخُمُس، وَأَرْبَعَة أَخْمَاسه لِمَنْ شَهِدَهَا. وَالْفَيْء: مَا صُولِحُوا عَلَيْهِ بِغَيْرِ قِتَال، وَلَيْسَ فِيهِ خُمُس، هُوَ لِمَنْ سَمَّى اللَّه. وَقَالَ آخَرُونَ: الْغَنِيمَة وَالْفَيْء بِمَعْنًى وَاحِد". فالقتال في منطقهم القياسي يساوي " ثورة 2011" في منطقنا نحن التونسيين.

هذا هو التأصيل الشرعي والتشريعي في المنطق الإخواني التونسي لتعليل مدّ اليد على أموال الشعب.. ولكن هذا المقدار المالي وإن كان الغنوشي قد تحصّل عليه نقدا وعينا ليس بالكافي حتى يتربّع هذه الإمبراطورية المالية في وقت سريع مثل سرعة البرق..

شعر أتباعه من زعماء حزبه قبل غيرهم بهذا التميّز الذي حظيه الرجل. ونعترف لهم بجرأة الوقوف أمامه والتعبير عن غضبهم من سياسة المكيالين التي يعمل بها ليتميّز عنهم، وخاصّة أولئك الذين يرون في أنفسهم " أصحاب الملكية" لهذا التنظيم، فالفضل يعود إليهم في الحفاظ على بقائه حيّا.. رغم ما عاشوه من مراقبة ومحاصرة.. وأدبياتهم في فنون التضحية ونكران الذات وفيرة وزاخرة حتى كأنّهم كلّهم بلال أو عمّار بن ياسر. لكن هل يعلمون أنّ مثل هذين الصحابيين قد تحوّلا في عهد الخلافة الراشدة إلى المستضعفين من الصحابة ونالهم من عثمان خاصّة الأذى والتغريب؟ ولكم في كتب الصحابة الأخبارَ الكثيرة التي لا يسع هذا المجال ذكرها.. فإذا بالتاريخ يعيد نفسه، وإذا بالمناهضين للغنوشي وأهل " عترته" هم أنفسهم من سمّاهم التاريخ الإسلامي بالمستضعفين ليصنّفوا إمّا إلى خارجين عن عثمان أو من " أهل الصفّة".. وإذا بنا مع ما نعيشه معهم لم نغادر السقيفة بعد..

فالثابت إذن أنّ الغنوشي صار في 2020 يتربّع على عرش من المال تعاظم صرحه وتنامى، وجلب إليه أنظار الإعلام الدولي لا المحلّي، والسبب واضح لأنّ الرجل أول ما بادر به منذ حلوله في 2011 هو ضرب الإعلام وامتلاك أجندته رغم ما نلاحظه من إيهام بحرية التعبير، فلا تكاد تخلو القنوات الإذاعية والتلفزية من حصص للحوار المباشر اليومي من حضور جنود الغنوشي لامتلاك الحصص والسعي إلى تدريب العقول والأنظار والأسماع إلى التطبيع مع الفكر الإخواني.. ونعترف أنّها محاولات رغم أنّها تنحو إلى الفشل فقد تركت آثارا سلبية في نفوس الناس.. ولم يبق من متنفّس سوى المواقع الاجتماعية التي سرعان ما تحوّلت إلى إعلام بديل يسعى إلى تصحيح المزيّف من الأخبار وكشف المستور.. وعلى هذا الأساس فالأخبار الواردة عن ثروة الغنوشي هي ثمرة مجهودات لشخصيات وطنية رأت.. فلاحظت ...فنبّهت وانتقدت. فكان لها الفضل في أن توفّر للباحث مدوّنة من شهادات عينية وإحصاءات تهديه إلى أن يرسم صورة تقريبية لبيت المال الغنوشية.

هي بيت مال تنافس في تعاظمها ما اشتملت عليه دواوين غيره من الإخوان.. مثل امبراطور المال يوسف ندا، والعلاقة بين الرجلين متينة، توطّدت بفضل ما ينشر في الإعلام الدولي بفضل صهر الغنوشي غالب همّت الامبراطور الثاني في المال الإخواني. وقد سبق أن بينّا في مقال سابق العلاقات الناشئة بين الإخوان خارج بلدانهم والتي يسعون إلى توطيدها بالمصاهرة.

ليست عين المجتمع التونسي بالغافلة عمّا يحدث في المعبد، فالرجل لا يخفي شيئا.. فتنامت الاحتجاجات وانتشرت دعوات من المجتمع المدني: بعضها ينادي بوجوب محاسبة الرجل وتكوين لجنة لتقصّي مصادر ثروة الغنوشي، خاصّة أنّه لم يشتغل منذ هروبه إلى انقلترة إلى حدود تنصيبه على كرسي مجلس النواب ولعلّ الذي بعث في الناس الحيرة هو ذاك البذخ الذي يرتع فيه الرجل: طائرة خاصّة سيارات من أرفع طراز، والبعض منها كان على ملك بن علي، ولا نعلم أن هي ملكية خاصّة أم تعود إلى رئاسة الجمهورية.. الأملاك التي اقتناها والتي تنامت مثل الطحالب...

فالثابت أنّه توفّرت لنا مدوّنة ثرية في إحصاء مصادر ثروة الغنوشي، مدوّنة نقتفي آثارها من مقالات الخارجين عنه والمغادرين للمعبد.. من جملة الاستقصاءات التي تكفّل بها بعض الصحافيين وضمّنوها في أشرطة وثائقية.. ومدوّنة تتوفّر أيضا على شهادات حيّة نقلها مدوّنون واعتنوا بحفظها..

وذاك هو مقالنا القادم.

الكلمات المفاتيح:
شارك :